درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۶: حجیت ظواهر ۲

 

أو بدعوى (١) شمول المتشابه الممنوع عن اتّباعه للظاهر ، لا أقلّ من احتمال شموله له ، لتشابه المتشابه وإجماله.

أو بدعوى (٢) أنّه وإن لم يكن منه ذاتا ، إلّا أنّه صار منه عرضا (٣) ، للعلم الإجماليّ بطروّ التخصيص والتقييد والتجوّز في غير واحد من ظواهره ، كما هو الظاهر.

أو بدعوى (٤) شمول الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي (٥) لحمل (٦) الكلام الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى.

ولا يخفى : أنّ النزاع يختلف صغرويّا وكبرويّا بحسب الوجوه. فبحسب غير الوجه الأخير والثالث يكون صغرويّا. وأمّا بحسبهما فالظاهر أنّه كبرويّ ، ويكون المنع عن الظاهر ، إمّا لأنّه من المتشابه قطعا أو احتمالا ، أو لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي.

وكلّ هذه الدعاوى فاسدة :

__________________

(١) هذا ما حكاه الشيخ الأعظم الأنصاريّ عن السيّد الصدر (شارح الوافية). راجع فرائد الاصول ١ : ١٥١ ـ ١٥٣.

(٢) هذا ما جعله الشيخ الأعظم الأنصاريّ ثاني الوجهين اللّذين يتمسّك بهما للأخباريّين.

فرائد الاصول ١ : ١٤٩.

(٣) أي : أنّ ظاهر الكتاب وإن لم يكن من المتشابه ذاتا ، إلّا أنّه من المتشابه عرضا ، فيسقط عن الظهور.

(٤) هذا ما ادّعاه المحدّث البحرانيّ ، حيث قال : «والذي تجتمع عليه الأخبار في المقام وتنتظم انتظاما لا يعتريه الإيهام والإبهام هو حمل الرأي في تلك الأخبار على ما لم يكن بتفسير منهم عليهم‌السلام». الدرر النجفيّة : ١٧٤.

(٥) منها : ما رواه الريّان بن الصلت عن الرضا عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام ، قال : «قال الله عزوجل : ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي». وسائل الشيعة ١٨ : ١٣٧ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨.

ومنها : ما رواه عبد الرحمن بن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لعن الله المجادلين في دين الله على لسان سبعين نبيّا ... ومن فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب». وسائل الشيعة ١٨ : ١٤٠ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٥.

(٦) متعلّق بقوله : «شمول».

أمّا الأولى : فإنّما المراد ممّا دلّ على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ، اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته ومحكماته ، بداهة أنّ فيه ما لا يختصّ به ، كما لا يخفى ؛ وردع أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به ، إنّما هو لأجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع إليه (١) من دون مراجعة أهله ، لا عن الاستدلال بظاهره مطلقا ولو مع الرجوع إلى رواياتهم والفحص عمّا ينافيه والفتوى به مع اليأس عن الظفر به ؛ كيف! وقد وقع في غير واحد من الروايات الإرجاع إلى الكتاب والاستدلال بغير واحد من آياته (٢).

وأمّا الثانية : فلأنّ احتواءه على المضامين العالية الغامضة ، لا يمنع عن فهم ظواهره المتضمّنة للأحكام وحجّيّتها ، كما هو محلّ الكلام.

وأمّا الثالثة : فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه ، فإنّ الظاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل ، وليس بمتشابه ومجمل (٣).

وأمّا الرابعة : فلأنّ العلم إجمالا بطروء إرادة خلاف الظاهر إنّما يوجب الإجمال فيما إذا لم ينحلّ بالظفر في الروايات بموارد إرادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالإجمال. مع أنّ دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحّص عمّا يخالفه لظفر به ، غير بعيدة ، فتأمّل جيّدا.

وأمّا الخامسة : فبمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير ، فإنّه كشف القناع ، ولا قناع للظاهر. ولو سلّم فليس من التفسير بالرأي ، إذ الظاهر أنّ المراد بالرأي هو الاعتبار الظنّيّ الّذي لا اعتبار به ، وإنّما كان منه حمل اللفظ على

__________________

(١) أي : إلى ظاهر الكتاب.

(٢) منها : رواية عبد الأعلى مولى آل سام الوارد في مسألة المسح على المرارة ، حيث قال عليه‌السلام : «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله. ما جعل عليكم في الدين من حرج». وسائل الشيعة ١ : ٣٢٧ ، الباب ٣٩ من أبواب الوضوء ، الحديث ٥.

(٣) أي : وليس لفظ «المتشابه» من الألفاظ المجملة.

خلاف ظاهره لرجحانه بنظره ، أو حمل المجمل على محتمله بمجرّد مساعدته ذاك الاعتبار من دون السؤال عن الأوصياء. وفي بعض الأخبار : «إنّما هلك الناس في المتشابه ، لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرّفونهم» (١) هذا.

مع أنّه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك (٢) ولو سلّم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ، ضرورة أنّه قضيّة التوفيق بينها وبين ما دلّ على جواز التمسّك بالقرآن ، مثل خبر الثقلين (٣) ، وما دلّ على التمسّك به والعمل بما فيه (٤) ، وعرض الأخبار المتعارضة عليه (٥) ، وردّ الشروط المخالفة له (٦) ، وغير ذلك ممّا لا محيص عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره ، لا خصوص نصوصه ، ضرورة أنّ الآيات الّتي يمكن أن تكون مرجعا في باب تعارض الروايات أو الشروط أو يمكن أن يتمسّك بها ويعمل بما فيها ، ليست إلّا ظاهرة في معانيها ، ليس فيها ما كان نصّا ، كما لا يخفى.

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ١٤٨ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٢.

(٢) أي : لا محيص عن حمل الأخبار الناهية عن التفسير بالرأي على غير الظاهر.

(٣) وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم الثقلين ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض». وسائل الشيعة ١٨ : الباب ٥ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٤) كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «انتفعوا ببيان الله ، واتّعظوا بمواعظ الله ، واقبلوا نصيحة الله ، فإنّ الله قد أعذر إليكم بالجليّة واتّخذ عليكم الحجّة». نهج البلاغة ، الخطبة (١٧٦).

(٥) كما روى عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٩.

(٦) ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال سمعته يقول : «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الّذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزوجل». وسائل الشيعة ١٢ : ٣٥٣ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث ١.