درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۷: حجیت ظواهر ۳

 

خلاف ظاهره لرجحانه بنظره ، أو حمل المجمل على محتمله بمجرّد مساعدته ذاك الاعتبار من دون السؤال عن الأوصياء. وفي بعض الأخبار : «إنّما هلك الناس في المتشابه ، لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرّفونهم» (١) هذا.

مع أنّه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك (٢) ولو سلّم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ، ضرورة أنّه قضيّة التوفيق بينها وبين ما دلّ على جواز التمسّك بالقرآن ، مثل خبر الثقلين (٣) ، وما دلّ على التمسّك به والعمل بما فيه (٤) ، وعرض الأخبار المتعارضة عليه (٥) ، وردّ الشروط المخالفة له (٦) ، وغير ذلك ممّا لا محيص عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره ، لا خصوص نصوصه ، ضرورة أنّ الآيات الّتي يمكن أن تكون مرجعا في باب تعارض الروايات أو الشروط أو يمكن أن يتمسّك بها ويعمل بما فيها ، ليست إلّا ظاهرة في معانيها ، ليس فيها ما كان نصّا ، كما لا يخفى.

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ١٤٨ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٢.

(٢) أي : لا محيص عن حمل الأخبار الناهية عن التفسير بالرأي على غير الظاهر.

(٣) وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم الثقلين ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض». وسائل الشيعة ١٨ : الباب ٥ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٤) كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «انتفعوا ببيان الله ، واتّعظوا بمواعظ الله ، واقبلوا نصيحة الله ، فإنّ الله قد أعذر إليكم بالجليّة واتّخذ عليكم الحجّة». نهج البلاغة ، الخطبة (١٧٦).

(٥) كما روى عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٩.

(٦) ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال سمعته يقول : «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الّذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزوجل». وسائل الشيعة ١٢ : ٣٥٣ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث ١.

ودعوى العلم الإجماليّ بوقوع التحريف فيه بنحو إمّا بإسقاط أو تصحيف (١) وإن كانت غير بعيدة ، كما يشهد به بعض الأخبار (٢) ويساعده الاعتبار ، إلّا أنّه لا يمنع عن حجّيّة ظواهره ، لعدم العلم بوقوع خلل فيها بذلك أصلا. ولو سلّم فلا علم بوقوعه في آيات الأحكام. والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات ، غير ضائر بحجّيّة آياتها ، لعدم حجّيّة ظاهر سائر الآيات. والعلم الإجماليّ بوقوع الخلل في الظواهر إنّما يمنع عن حجّيّتها إذا كانت كلّها حجّة ، وإلّا لا يكاد ينفكّ ظاهر عن ذلك ، كما لا يخفى ، فافهم.

نعم لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتّصل به لأخلّ بحجّيّته ، لعدم انعقاد ظهور له حينئذ ، وإن انعقد له الظهور لو لا اتّصاله.

[اختلاف القراءة يمنع عن التمسّك بظاهر الكتاب]

ثمّ إنّ التحقيق أنّ الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور ـ مثل «يطهرن» بالتشديد والتخفيف (٣) ـ يوجب الإخلال بجواز التمسّك والاستدلال ، لعدم إحراز ما هو القرآن ، ولم يثبت تواتر القراءات ولا جواز الاستدلال بها ، وإن نسب إلى المشهور تواترها ، لكنّه ممّا لا أصل له ، وإنّما الثابت جواز القراءة بها ، ولا ملازمة بينهما (٤) ، كما لا يخفى.

ولو فرض جواز الاستدلال بها فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون

__________________

(١) لم أظفر على من ادّعاه من المحدّثين.

(٢) راجع بحار الأنوار ٨٩ : ٤٠ ، باب ما جاء في كيفيّة جمع القرآن وما يدلّ على تغييره.

(٣) في قوله تعالى : ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (يطهّرن) ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ (تطهّرن) ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ البقرة / ٢٢٢.

فإنّ الظاهر على قراءته بالتشديد من «التطهّر» إرادة الاغتسال من حدث الحيض ، وعلى قراءته بالتخفيف من «الطهر» إرادة النقاء من الدم وانقطاعه ، فيختلف الحكم باختلاف القراءتين.

(٤) أي : بين جواز القراءة وجواز الاستدلال بها.