درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۹: قول لغوی ۱

 

فصل

[عدم حجّيّة قول اللغويّ]

قد عرفت حجّيّة ظهور الكلام في تعيين المرام ، فإن احرز بالقطع وأنّ المفهوم منه جزما ـ بحسب متفاهم أهل العرف ـ هو ذا ، فلا كلام.

وإلّا ، فإن كان لأجل احتمال وجود قرينة ، فلا خلاف في أنّ الأصل عدمها. لكنّ الظاهر أنّه معه (١) يبنى على المعنى الّذي لولاها (٢) كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء ، لا أنّه يبنى عليه بعد البناء على عدمها (٣) ، كما لا يخفى ، فافهم.

وإن كان لاحتمال قرينيّة الموجود فهو وإن لم يكن بخال عن الإشكال (٤) ـ بناء على حجّيّة أصالة الحقيقة من باب التعبّد ـ ، إلّا أنّ الظاهر أن يعامل

__________________

(١) أي : مع احتمال وجود القرينة.

(٢) أي : لو لا القرينة.

(٣) أي : لا أنّه يبنى على عدم القرينة أوّلا ثمّ يبنى على المعنى الظاهر فيه لو لا القرينة. فيطرد احتمال وجود القرينة بإجراء أصالة الظهور رأسا ، لا بأصالة عدم القرينة. خلافا للشيخ الأعظم الأنصاريّ ، فإنّه ذهب إلى أنّ احتمال وجود القرينة ينفى بإجراء أصالة عدم القرينة ـ المشروط بالفحص عنها واليأس عن الظفر بها ـ أوّلا ، ثمّ تجري أصالة الظهور ويؤخذ به.

فرائد الاصول ١ : ١٣٥.

(٤) هكذا في بعض النسخ. وفي بعض آخر هكذا : «وإن لم يكن مجال عن الإشكال». والصحيح أن يقول : «وإن لم يكن مجالا للإشكال». وذلك لأنّه ـ بناء على حجّيّة أصالة الحقيقة من باب التعبّد ، لا من باب الظهور ـ لا إشكال في البناء على المعنى الحقيقيّ ، وإن لم ينعقد للكلام ظهور ، لعدم اشتراط الظهور في حجّيّة أصالة الحقيقة بناء على حجّيّتها تعبّدا.

معه (١) معاملة المجمل (٢).

وإن كان لأجل الشكّ فيما هو الموضوع له لغة ، أو المفهوم منه عرفا ، فالأصل يقتضي عدم حجّيّة الظنّ فيه ، فإنّه ظنّ في أنّه ظاهر ، ولا دليل إلّا على حجّيّة الظواهر(٣).

نعم ، نسب إلى المشهور (٤) حجّيّة قول اللغويّ بالخصوص في تعيين الأوضاع.

واستدلّ لهم باتّفاق العلماء بل العقلاء على ذلك ، حيث لا يزالون يستشهدون بقوله في مقام الاحتجاج بلا إنكار من أحد ولو مع المخاصمة واللجاج. وعن بعض (٥) دعوى الإجماع على ذلك.

وفيه : أنّ الاتّفاق ـ لو سلّم اتّفاقه ـ فغير مفيد ، مع أنّ المتيقّن منه هو الرجوع إليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة. والإجماع المحصّل غير حاصل ، والمنقول منه غير مقبول ، خصوصا في مثل المسألة ممّا احتمل قريبا أن يكون وجه ذهاب الجلّ ـ لو لا الكلّ ـ هو اعتقاد أنّه ممّا اتّفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كلّ صنعة فيما اختصّ بها. والمتيقّن من ذلك إنّما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق والاطمئنان (٦) ، ولا يكاد يحصل من قول اللغويّ وثوق بالأوضاع ، بل لا يكون اللغويّ من أهل خبرة ذلك ، بل إنّما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال ، بداهة أنّ همّه ضبط موارده ، لا تعيين أنّ أيّا منها كان

__________________

(١) أي : مع الكلام المحفوف بما يصلح للقرينيّة.

(٢) لأنّ أصالة الحقيقة حجّة من باب الظهور ، لا من باب التعبّد.

(٣) أي : ولا دليل إلّا على حجّيّة ما ثبت كونه ظاهرا.

(٤) نسبه الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى المشهور. راجع فرائد الاصول ١ : ١٧٣.

(٥) نقل الشيخ الأعظم الأنصاريّ حكاية دعوى الإجماع عن السيّد المرتضى في بعض كلماته. فرائد الاصول ١ : ١٧٤.

ولم أعثر على دعوى الإجماع في كلماته. نعم ، قال : «إنّ ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظ في شيء دلالة على أنّها حقيقة فيه ، إلّا أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر». الذريعة في اصول الشريعة ١ : ١٣.

(٦) وفي بعض النسخ : «موجبا للوثوق والاطمئنان».

اللفظ فيه حقيقة ، أو مجازا ، وإلّا لوضعوا لذلك علامة. وليس ذكره أوّلا علامة كون اللفظ حقيقة فيه ، للانتقاض بالمشترك.

وكون موارد الحاجة إلى قول اللغويّ أكثر من أن يحصى ـ لانسداد باب العلم بتفاصيل المعاني غالبا بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه وإن كان المعنى معلوما في الجملة ـ لا يوجب اعتبار قوله ما دام انفتاح باب العلم الأحكام ، كما لا يخفى ؛ ومع الانسداد كان قوله معتبرا ـ إذا أفاد الظنّ ـ من باب حجّيّة الظنّ ، وإن فرض انفتاح باب العلم باللّغات بتفاصيلها فيما عدا المورد.

نعم ، لو كان هناك دليل على اعتباره لا يبعد أن يكون انسداد باب العلم بتفاصيل اللّغات موجبا له على نحو الحكمة ، لا العلّة.

لا يقال : على هذا لا فائدة في الرجوع إلى اللغة.

فإنّه يقال : مع هذا لا يكاد تخفى الفائدة في المراجعة إليها ، فإنّه ربما يوجب القطع بالمعنى ، وربما يوجب القطع بأنّ اللفظ في المورد ظاهر في معنى بعد الظفر به وبغيره في اللغة. وإن لم يقطع بأنّه حقيقة فيه أو مجاز ، كما اتّفق كثيرا ، وهو يكفي في الفتوى.