درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۱: حجیت خبر واحد ۷

 

فصل

في الأخبار الّتي دلّت على اعتبار أخبار الآحاد

وهي وإن كانت طوائف كثيرة (١) ـ كما يظهر من مراجعة الوسائل

__________________

(١) الطائفة الأولى : الأخبار العلاجيّة المتكفّلة لبيان حكم الروايات المتعارضة من الأخذ بالأعدل والأصدق والمشهور والتخيير عند التساوي ، فإنّها دليل على أنّ حجّيّة خبر الواحد عند عدم ابتلائه بالمعارض مفروغ عنها ، وأنّه يجب الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين بمجرّد كونه صادرا من الأعدل أو الأوثق أو كونه مشهورا ، أو الأخذ بأحدهما عند التساوي ، ولو لم يعلم بصدوره.

منها : رواية عمر بن حنظلة. قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا ، بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما ... فإن كان كلّ واحد اختار رجلا من أصحابنا ، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما ، واختلفا فيما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال عليه‌السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر». فقلت : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما على صاحبه. فقال عليه‌السلام : «ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك ، فيؤخذ به من حكمنا ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» ... [قلت] : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال عليه‌السلام : «ينظر ، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة». قلت : جعلت فداك ، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة ، والآخر مخالفا لهم ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟ فقال عليه‌السلام : «ما خالف العامّة ففيه الرشاد». فقلت : جعلت ـ

وغيرها (١) ـ إلّا أنّه يشكل الاستدلال بها على حجّيّة أخبار الآحاد بأنّها أخبار

__________________

ـ فداك ، فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال عليه‌السلام : «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك ، ويؤخذ بالآخر». قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال عليه‌السلام : «إذا كان ذلك فارجئه حتّى تلقي إمامك ، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ـ ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١.

وورد بهذا المضمون روايات كثيرة. فراجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٦ ـ ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، وجامع أحاديث الشيعة ١ : ٢٥٤ ـ ٢٦٠.

الطائفة الثانية : ما دلّ على إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الأئمّة عليه‌السلام ، كإرجاع أبي الحسنعليه‌السلام إلى العمري وابنه بقوله : «العمري وابنه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان» ، وإرجاع الإمام الصادق عليه‌السلام إلى زرارة بقوله ـ مشيرا إليه ـ : «إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس» ، وارجاع الإمام الرضاعليه‌السلام إلى زكريّا بن آدم بقوله : «عليك بزكريّا بن آدم القميّ المأمون على الدين والدنيا» ، وإرجاعه إلى يونس بن عبد الرحمن بقوله : «نعم» بعد قول الراوي : أفيونس بن عبد الرحمن ثقة نأخذ معالم ديننا عنه؟. راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٩٨ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث ٤ و ١٩ و ٢٧ و ٣٣.

الطائفة الثالثة : ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الروايات والثقات والعلماء.

منها : ما رواه أحمد بن إبراهيم المراغي ، قال : ورد على القاسم بن العلاء ، وذكر توقيعا شريفا يقول فيه: «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عن ثقاتنا ...». وسائل الشيعة ١٨ : ١٠٨ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٠.

ومنها : ما ورد في التوقيع الشريف بخطّ مولانا صاحب الزمان ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله». المصدر السابق : ١٠١ ، الحديث ٩.

الطائفة الرابعة : ما ورد في الأمر بحفظ الروايات واستماعها وضبطها وإبلاغها.

منها : ما عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان مضمونه : «من حفظ على امّتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة». وسائل الشيعة ١٨ : ٦٥ ـ ٧٠ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث ٤٨ و ٥٤ و ٥٨ ـ ٦٢ و ٦٤.

ومنها : ما عن المفضّل بن عمر ، قال : قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام : «اكتب وبثّ علمك في بني عمّك ، فإنّه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلّا بكتبهم». وسائل الشيعة ١٨ : ٥٦ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي الحديث ١٨.

(١) راجع وسائل الشيعة ١٨ : الباب ٨ و ٩ و ١١ من أبواب صفات القاضي ، وجامع أحاديث ـ

آحاد ، فإنّها غير متّفقة على لفظ ولا على معنى فتكون متواترة لفظا أو معنى (١).

ولكنّه مندفع : بأنّها وإن كانت كذلك ، إلّا أنّها متواترة إجمالا (٢) ، ضرورة أنّه يعلم إجمالا بصدور بعضها منهم عليهم‌السلام ، وقضيّته (٣) وإن كان حجّيّة خبر دلّ على حجّيّته أخصّها مضمونا (٤) ، إلّا أنّه يتعدّى عنه (٥) فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصيّة وقد دلّ على حجّيّة ما كان أعمّ (٦) ،

__________________

ـ الشيعة ١ : ٢٢٣ ـ ٢٢٤ و ١ : ٢٥٤ ـ ٢٦٠ ، وبحار الأنوار ٢ : ٢٤٦ و ٢٥١.

(١) وحاصل الإشكال : أنّ هذه الأخبار في أنفسها أخبار آحاد ، وليست متواترة لفظا ولا معنى ، فلا اعتبار لها إلّا إذا ثبتت حجّيّة أخبار الآحاد. وحينئذ لا يمكن الاستدلال بها على حجّيّة أخبار الآحاد ، وإلّا لزم الدور.

(٢) وتابعة في ذلك المحقّقان الحائريّ والخوئيّ. وأنكر المحقّق النائيني التواتر الإجماليّ ، بل حصر التواتر في التواتر اللفظيّ والتواتر المعنويّ. راجع درر الفوائد ٢ : ٤٧ ، مصباح الاصول ٢ : ١٩٣ ، فوائد الاصول ٣ : ١٩١.

(٣) أي : قضيّة العلم الإجماليّ بصدور بعض هذه الأخبار.

(٤) وهو الخبر الصحيح الّذي كان المخبر به ثقة عدلا.

(٥) أي : عن ذلك الخبر الصحيح.

(٦) والحاصل : أنّ المتيقّن من هذه الأخبار هو خصوص الخبر الصحيح الّذي كان المخبر به ثقة عدلا ، إلّا أنّه يوجد فيها خبر عادل على حجّيّة خبر الثقة ، فيثبت به حجّيّة خبر الثقة وإن لم يكن عادلا.

وقد أنكر السيّد الإمام الخمينيّ وجود ما يدلّ على حجّيّة مطلق خبر الثقة في الأخبار المذكورة. ثمّ أفاد وجها آخر لإثبات حجّيّة مطلق خبر الثقة. وحاصله : أنّه لا إشكال في بناء العقلاء على حجّيّة خبر الثقة. فإن ثبت بناؤهم على العمل بمطلق خبر الثقة ـ كما هو الظاهر ـ فهو ، وإلّا فالقدر المتيقّن من بنائهم هو العمل على الخبر العالي السند إذا كان جميع رواته مزكّى بتزكية جمع من العدول ؛ وفي الروايات المذكورة ما يكون بهذا الوصف مع دلالته على حجّيّة مطلق خبر الثقة ، كصحيحة أحمد بن إسحاق ، حيث روى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن عبد الله الحميريّ ومحمّد بن يحيى جميعا عن عبد الله بن جعفر الحميريّ عن أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : سألته وقلت : من اعامل وعمن آخذ وقول من أقبل؟ فقال عليه‌السلام : «العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي ، وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع ، فإنّه الثقة المأمون» ، فلا إشكال في بناء العقلاء على العمل بمثلها ، وبمقتضى ـ

فافهم (١).

__________________

ـ تعليلها نتعدّى إلى كلّ خبر ثقة مأمون. فهذه الروايات وإن لم تدلّ على جعل الحجّيّة أو تتميم الكشف ، لكن تدلّ على كون العمل بقول مطلق الثقة المأمون كان معروفا في تلك الأزمنة وجائزا من قبل الشرع. أنوار الهداية ١ : ٣١٢.

(١) لعلّه إشارة إلى أنّه يمكن دعوى تواتر المعنويّ في الأخبار المذكورة الدالّة على حجّيّة خبر الثقة ـ كما ادّعاه العلمان المحقّقان النائينيّ والعراقيّ على ما في أجود التقريرات ٢ : ١١٤ ، نهاية الأفكار ٣ : ١٣٤ ـ ، فلا يحتاج في الاستدلال بها إلى إثبات التواتر الإجماليّ وارتكاب التكلّف المذكور.

فصل

في الإجماع على حجّيّة الخبر

وتقريره من وجوه :

[الوجه الأوّل : الإجماع القوليّ]

أحدها : دعوى الإجماع من تتبّع فتاوى الأصحاب على الحجّيّة من زماننا إلى زمان الشيخ (١) ، فيكشف رضاه عليه‌السلام بذلك ويقطع به ، أو من تتبّع الإجماعات المنقولة على الحجّيّة (٢).

ولا يخفى : مجازفة هذه الدعوى ، لاختلاف الفتاوى فيما اخذ في اعتباره من الخصوصيّات (٣) ، ومعه لا مجال لتحصيل القطع برضاه عليه‌السلام من تتبّعها ؛ وهكذا حال تتبّع الإجماعات المنقولة (٤) ؛ اللهمّ إلّا أن يدّعى تواطؤها على الحجّيّة في الجملة ،

__________________

(١) أي : شيخ الطائفة الشيخ الطوسيّ.

(٢) وهذا الوجه هو ما يدّعيه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣١١ ـ ٣٤١.

(٣) ففي بعض الفتاوى : أنّ المجمع عليه خبر الثقة. وفي بعض آخر : أنّه خبر العدل الإماميّ.

وفي بعض آخر : أنّه خبر الثقة الذي يكون مقبولا عند الأصحاب.

(٤) وعلى رأس الناقلين للإجماع شيخ الطائفة الطوسيّ في كتاب عدّة الاصول ١ : ١٢٦ ، حيث قال : «والّذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة ، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في اصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ، حتّى أنّ واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب ـ

وإنّما الاختلاف في الخصوصيّات المعتبرة فيها ، ولكن دون إثباته خرط القتاد.

[الوجه الثاني : الإجماع العمليّ]

ثانيها : دعوى اتّفاق العلماء عملا ـ بل كافّة المسلمين ـ على العمل بخبر الواحد في امورهم الشرعيّة ، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها.

وفيه : ـ مضافا إلى ما عرفت ممّا يرد على الوجه الأوّل (١) ـ أنّه لو سلّم اتّفاقهم على ذلك ، لم يحرز أنّهم اتّفقوا بما هم مسلمون ومتديّنون بهذا الدين أو بما هم عقلاء ولو لم يلتزموا بدين ، كما هم لا يزالون يعملون بها في غير الامور الدينيّة من الامور العاديّة.

فيرجع إلى ثالث الوجوه.

[الوجه الثالث : سيرة العقلاء]

وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة ، واستمرّت إلى زماننا ، ولم يردع عنه نبيّ ولا وصيّ نبيّ ، ضرورة أنّه لو كان لاشتهر وبان ، ومن الواضح أنّه يكشف عن رضاء الشارع به (٢) في الشرعيّات أيضا (٣).

__________________

ـ معروف أو أصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه ، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله ، وهذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بعده من الأئمّة عليهم‌السلام ، ومن زمن الصادق جعفر بن محمّد عليه‌السلام الّذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من جهته. فلو لا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ، ولأنكروه ، لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز فيه الغلط والسهو».

وتبعه على ذلك السيّد رضي الدين بن طاوس ـ على ما في فرائد الاصول ١ : ٢٣٢ ، والعلّامة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٦ ، والمحدّث المجلسيّ في بحار الأنوار ٢ : ٢٤٥.

(١) من أنّ المتشرّعة اختلفوا فيما هو مناط اعتبار خبر الواحد والعمل به.

(٢) أي : بالعمل بخبر الثقة.

(٣) وهذا رابع الوجوه الّتي ذكرها الشيخ الأعظم الأنصاريّ في تقريب الإجماع. راجع فرائد الاصول ١ : ٣٤٥.