درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۲: حجیت خبر واحد ۸

 

إن قلت (١) : يكفي في الردع الآيات الناهية والروايات المانعة عن اتّباع غير العلم (٢). وناهيك قوله تعالى : ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣) ، وقوله تعالى : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٤).

قلت : لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك ، فإنّه ـ مضافا إلى أنّها إنّما وردت إرشادا إلى عدم كفاية الظنّ في اصول الدين ، ولو سلّم (٥) فإنّما المتيقّن ، لو لا أنّه المنصرف إليه إطلاقها ـ هو خصوص الظنّ الّذي لم يقم على اعتباره حجّة ـ لا يكاد يكون الردع بها إلّا على وجه دائر ، وذلك لأنّ الردع بها يتوقّف على عدم تخصيص عمومها أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة ، وهو (٦) يتوقّف على الردع عنها بها (٧) ، وإلّا لكانت مخصّصة أو مقيّدة لها ، كما لا يخفى.

لا يقال : على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضا إلّا على وجه دائر ، فإنّ اعتباره بها (٨) فعلا يتوقّف على عدم الردع بها عنها (٩) ، وهو يتوقّف على تخصيصها بها (١٠) ، وهو يتوقّف على عدم الردع بها عنها (١١).

فإنّه يقال : إنّما يكفي في حجّيّته بها عدم ثبوت الردع عنها لعدم نهوض ما يصلح لردعها ، كما يكفي في تخصيصها لها ذلك كما لا يخفى ؛ ضرورة أنّ ما جرت عليه السيرة المستمرّة في مقام الإطاعة والمعصية ، وفي استحقاق العقوبة بالمخالفة ،

__________________

(١) وهذا الإشكال تعرّض له الشيخ الأعظم ، ثمّ أجاب عنه. فرائد الاصول ١ : ٣٤٦.

(٢) تقدّم بعضها في الصحفة : ٣١٢ من هذا الجزء.

(٣) الاسراء / ٣٦.

(٤) يونس / ٣٦.

(٥) أي : لو سلّم أنّ الآيات الناهية والروايات المانعة عن اتّباع غير العلم ليست مختصّة باصول الدين ، بل تشمل ما نحن فيه ...

(٦) أي : عدم تخصيص الآيات بالسيرة.

(٧) أي : عن السيرة بالآيات.

(٨) أي : اعتبار خبر الثقة بالسيرة.

(٩) أي : بالآيات عن السيرة.

(١٠) أي : عدم الردع يتوقّف على تخصيص الآيات بالسيرة.

(١١) أي : تخصيص الآيات بالسيرة يتوقّف على عدم الردع بالآيات عن السيرة.

وعدم استحقاقها مع الموافقة (١) ولو في صورة المخالفة عن الواقع ، يكون عقلا في الشرع متّبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتّباعه في الشرعيّات (٢) ، فافهم

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «واستحقاق المثوبة مع الموافقة».

(٢) توضيح ما أفاد المصنّف في المتن جوابا عن الإشكال : أنّه أجاب عنه بوجوه ثلاثة :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «مضافا إلى ...». وحاصله : أنّ مورد هذه الآيات هو خصوص اصول الدين ، فتدلّ على عدم كفاية الظنّ في اصول الدين ، فلا ربط لها بما نحن فيه.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «ولو سلّم ...». وحاصله : أنّه لو سلّم إطلاق النهي الوارد في الآيات والروايات وشمولها وجوب العمل بخبر الواحد فنقول : إنّ المنصرف من إطلاقها إرادة الظنّ الّذي لم يقم دليل على حجّيّته واعتباره.

الثالث : ما أشار إليه بقوله : «لا يكاد يكون الردع بها إلّا على وجه دائر». وتوضيحه : أنّ رادعيّة الآيات عن العمل بخبر الواحد دوريّة ، لأنّ كونها رادعة عن السيرة متوقّف على عدم تخصيص عمومها بالسيرة الّتي قامت على اعتبار خبر الثقة ، وإلّا فلا تشملها ، وعدم تخصيص عمومها بها متوقّف على كون الآيات رادعة عنها ، وإلّا لكانت مخصّصة ؛ فرادعيّة الآيات موقوفة على عدم كون السيرة مخصّصة لها ، وعدم كونها مخصّصة لها موقوف على كون الآيات رادعة عنها ، وهو دور واضح.

ثمّ أورد على نفسه : بأنّه فلا يمكن الاستدلال بالسيرة على إثبات حجّيّة خبر الثقة ، لاستلزامه الدور ـ كما مرّ ـ. بيان ذلك : أنّه لا يثبت بها حجّيّة الخبر إلّا إذا لم تكن الآيات رادعة عنها ، وعدم كونها رادعة عنها متوقّف على كون السيرة مخصّصة للآيات كي لا يشملها عموم الآيات ، وكون السيرة مخصّصة لها متوقّف على عدم كون الآيات رادعة عنها ، وهذا دور. ولزوم الدور يمنع عن ثبوت اعتبار السيرة ، وإذا لم يثبت اعتبارها فلا يمكن الاستدلال بها على إثبات خبر الثقة.

وأجاب عنه : بأنّ كون السيرة مخصّصة للآيات الناهية غير متوقّف على ثبوت عدم الردع عنها بالآيات واقعا ، بل متوقّف على عدم ثبوت الردع. بخلاف كون الآيات رادعة عن السيرة ، فإنّه متوقّف على عدم كون السيرة مخصّصة لها واقعا ، فالموقوف عليه التخصيص ـ وهو عدم ثبوت الردع بالآيات عن السيرة ـ غير الموقوف على التخصيص ـ وهو ثبوت عدم الردع بها عن السيرة واقعا ـ ، فلا يستلزم الدور.

والحاصل : أنّ الآيات لا تصلح للردع عن السيرة العقلائيّة على العمل بخبر الواحد.

هذا غاية ما يبيّن به كلام المصنّف رحمه‌الله.

ولا يخفى : أنّه لا مجال لتحقيق الكلام في المقام بنحو يتّضح به الحال ، بل هو خارج عن ـ

__________________

ـ المقصود ، فإنّ غرضنا من هذه التعليقة هو إيضاح مبهمات الكتاب وذكر ما يوجب رشد أذهان الفضلاء ويؤثّر في سوقهم إلى التحقيق والتدقيق ، ليتهيّئوا بذلك للانتفاع بالدراسات العالية إن شاء الله. فنكتفي بذكر ما أفاده الأعلام الثلاثة وبعض تلامذتهم حول ما ذكره المصنّف في المقام.

أمّا المحقّقان العراقيّ والنائينيّ : فأفادا عدم رادعيّة الآيات عن السيرة بما حاصله : أنّ العمل بخبر الواحد في طريقة العقلاء يرجع إلى أنّهم يرون العمل به من أفراد العمل بالعلم ، لا من أفراد العمل بالظنّ. وأنّهم لا يعتنون باحتمال الخلاف ، لما قد جرت على إلغاء احتمال الخلاف طباعهم واستقرّت عليه عادتهم. فالعمل بخبر الواحد خارج عن موضوع الآيات الناهية ـ وهو العمل بالظنّ ـ ، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لأن تكون رادعة عن العمل بخبر الثقة. نهاية الأفكار ٣ : ١٠٣ و ١٣٨ ، فوائد الاصول ٣ : ١٦١ ـ ١٩٥.

ثمّ إنّ ظاهر كلام المحقّق النائينيّ أنّه سلّم صحّة دعوى دوريّة رداعيّة الآيات عن السيرة لو أغمضنا النظر عن دعوى الانصراف وخروج السيرة عن الآيات. فلا بدّ من القول بأنّ السيرة حاكمة على الآيات ، والمحكوم لا يصلح للرادعيّة عن الحاكم. راجع فوائد الاصول ٣ : ١٦٢.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فصرّح بعدم صحّة تلك الدعوى ولو أغمض النظر عن دعوى الانصراف وخروج السيرة موضوعا عن الآيات الكريمة. فقال : «حجّيّة السيرة بعد أن كانت معلّقة على عدم الردع عنها يكون عدم الردع في المرتبة السابقة عن حجّيّتها ، لأنّه بمنزلة شرطها. وحينئذ ففي المرتبة السابقة على حجّيّتها تجري أصالة العموم في الآيات الناهية ، فتوجب خروج مثلها عن الحجّيّة ، بلا محذور دور». نهاية الأفكار ٣ : ١٠٣ ـ ١٠٤.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأطال الكلام في المقام بتقريب الدور ودفعه بوجه آخر. ثمّ أفاد تقديم السيرة على عموم الآيات ، لعدم بناء العقلاء على العمل بالعامّ في قبال الخاصّ ، وقال : «ويؤيّد تقديم السيرة على العمومات ويؤكّده أنّ لسان النهى عن اتّباع الظنّ وأنّه لا يغني من الحقّ شيئا ليس لسان التعبّد بأمر على خلاف الطريقة العقلائيّة ، بل من باب إيكال الأمر إلى عقل المكلّف من حيث أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا مسوّغ للاعتماد عليه والركون إليه. فلا نظر إلى ما استقرّت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه من حيث كونه خبر الثقة. ولذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتّباع روايته بعد فرض وثاقته». نهاية الدراية ٣ : ٣٦.

وإن شئت الاطّلاع على تفصيل ما أفاده فراجع نهاية الدراية ٢ : ٢٣٢ ـ ٢٣٧ و ٣ : ٢٩ ـ ٣٦.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فدفع توهّم كون الآيات رادعة عن السيرة بوجوه :

الأوّل : أنّ عمل الصحابة والتابعين بخبر الثقة غير قابل للإنكار ، كما أنّ استمراره بين المتشرّعة وأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام بعد نزول الآيات مقطوع به. فلو كانت الآيات رادعة عن ـ

وتأمّل (١).

__________________

ـ السيرة المستقرّة على العمل بخبر الثقة لانقطعت السيرة في زمان الأئمّة عليهم‌السلام لا محالة.

الثاني : مع الغضّ عن ذلك ، إنّ الظاهر من لسان الآيات كونها إرشادا إلى ما يحكم به العقل من تحصيل المؤمّن من العقاب المحتمل والانتهاء إلى ما يعلم به الأمن. فلا يكون مفادها حكما مولويّا لتكون رادعة عن السيرة.

الثالث : لو أغمضنا عن ذلك ، إنّ السيرة حاكمة على الآيات الناهية ، فيكون حال خبر الثقة حال الظواهر من حيث قيام السيرة على العمل به ، فكما أنّ السيرة حاكمة على الآيات بالنسبة إلى الظواهر كذلك حاكمة عليها بالنسبة إلى خبر الثقة. مصباح الاصول ٢ : ١٩٩ ـ ٢٠٠.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فهو ـ بعد ما ناقش في ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في نفي الرادعيّة من لزوم الدور ، وناقش فيما أفاده المحقّق النائينيّ من حديث حكومة السيرة على الآيات الناهية ـ دفع صلاحيّة الآيات للرادعيّة عن السيرة بأنّ الآيات لمّا كانت من قبيل القضايا الحقيقيّة تشمل كلّ ما وجد في الخارج ويكون مصداقا لغير العلم. وبما أنّ دلالتها غير علميّة ، بل ظنيّة ، فتشمل نفسها ، فيجب عدم جواز اتّباعها بحكم نفسها ، ويلزم من التمسّك بها عدم جواز التمسّك بها ، وهو باطل بالضرورة. أنوار الهداية ١ : ٢٧٥.

والحاصل : أنّهم أطبقوا على عدم صلاحيّة الآيات للرادعيّة عن السيرة ، وإن اختلفوا في تقريره. ولا يخلو بعض ما أفادوه من المناقشة ، يطول شرحها ولا يهمّ التعرّض لها الآن ، وفيما ذكرناه الكفاية.

(١) قولنا : «فافهم وتأمّل» إشارة إلى كون خبر الثقة متّبعا ولو قيل بسقوط كلّ من السيرة والإطلاق عن الاعتبار بسبب دوران الأمر بين ردعها به وتقييده بها ، وذلك لأجل استصحاب حجّيّته الثابتة قبل نزول الآيتين.

فإن قلت : لا مجال لاحتمال التقييد بها ، فإنّ دليل اعتبارها مغيّا بعدم الردع به عنها ومعه لا تكون صالحة لتقييد الإطلاق مع صلاحيّته للردع عنها ، كما لا يخفى.

قلت : الدليل ليس إلّا إمضاء الشارع لها ورضاه بها المستكشف بعدم الردع عنها في زمان مع إمكانه وهو غير مغيّا. نعم ، يمكن أن يكون له واقعا وفي علمه تعالى أمد خاصّ ، كحكمه الابتدائيّ ، حيث إنّه ربما يكون له أمد فينسخ ، فالردع في الحكم الإمضائيّ ليس إلّا كالنسخ في الابتدائيّ ، وذلك غير كونه بحسب الدليل مغيّا ، كما لا يخفى.

وبالجملة : ليس حال السيرة مع الآيات الناهية إلّا كحال الخاصّ المقدّم والعامّ المؤخّر في دوران الأمر بين التخصيص بالخاصّ أو النسخ بالعامّ ، ففيهما يدور الأمر أيضا بين التخصيص بالسيرة أو الردع بالآيات ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].