درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۵۶: برائت ۵

 

فإنّه يقال : حيث أنّه بذاك اختصّ بما لم يعلم (١) ورود النهي عنه أصلا ، ولا يكاد يعمّ ما إذا ورد النهي عنه في زمان وإباحته في آخر (٢) واشتبها من حيث التقدّم والتأخّر.

لا يقال : هذا لو لا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

فإنّه يقال : وإن لم يكن بينها الفصل ، إلّا أنّه إنّما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل لا الأصل ، فافهم.

[الدليل الثالث : الإجماع]

وأمّا «الإجماع» : فقد نقل على البراءة (٣). إلّا أنّه موهون ولو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة ، فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة ـ ممّا للعقل إليه سبيل ومن واضح النقل عليه دليل ـ بعيد جدّا (٤).

[الدليل الرابع : العقل]

وأمّا «العقل» : فإنّه قد استقلّ بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجّة عليه ، فإنّهما بدونها (٥) عقاب بلا بيان (٦) ومؤاخذة بلا برهان ، وهما قبيحان بشهادة الوجدان (٧).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لاختصّ بما لم يعلم». والصحيح ما أثبتناه ، فإنّ دخول اللام على جواب «حيث» المتضمّن لمعنى الشرط غير معهود.

(٢) وفي بعض النسخ : «وإباحة في آخر». والأولى ما أثبتناه.

(٣) راجع فرائد الاصول ٢ : ٥٠.

(٤) ويمكن أن يقال أيضا : أنّه لو فرض تحصيل الإجماع فلا يمكن الركون إليه ، لأنّه إجماع مدركيّ ، فلا يكون دليلا مستقلّا.

(٥) أي : العقوبة والمؤاخذة بدون الحجّة.

(٦) أي : بلا بيان واصل.

(٧) أي : بشهادة العقل.

والسرّ في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان أحد الامور التالية :

الأوّل : أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل أنّ فوات مطلوب المولى ومراده ـ

ولا يخفى : أنّه مع استقلاله بذلك (١) لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته (٢) ، فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهّم أنّها تكون بيانا. كما أنّه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة ، بل في صورة المصادفة استحقّ العقوبة (٣) على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل (٤).

__________________

ـ الواقعيّ ليس مستندا إلى تقصير من المكلّف بعد إعمال وظيفته من الفحص عن الدليل ، بل فواته إمّا أن يكون مستندا إلى أنّ المولى نفسه لم يستوف مراده ببيان يمكن وصول العبد إليه عادة ، وإمّا أن يكون مستندا إلى بعض الأسباب الّتي توجب اختفاء مراد المولى على المكلّف.

الثاني : أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل أنّ استحقاق الثواب والعقاب يدوران مدار الإطاعة والعصيان ، وهما يدوران مدار وجود التكليف الواصل إلى المكلّف وعدمه ، ضرورة أنّ المحرّك للعبد نحو عمل أو الزاجر له عنه إنّما هو التكليف الواصل إليه ، لا مجرّد وجوده الواقعيّ. وعليه فلا عصيان مع مخالفة التكليف غير الواصل إليه ، فلا عقوبة أيضا في مخالفته ، فإنّ العقوبة على مخالفته ـ حينئذ ـ عقوبة على ما لا يقتضي محرّكيّة المكلّف نحو مراد المولى ، بل عقاب على ما لا يوجب استحقاق العقوبة ، وهو قبيح عقلا.

الثالث : أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل كونه من صغريات الظلم المحكوم بقبحه. بيان ذلك : أنّ مخالفة التكليف الحقيقيّ الّذي قامت عليه الحجّة من أفراد الظلم ، لأنّه خروج من زيّ الرقّيّة ورسم العبوديّة ، وهو ظلم من العبد إلى مولاه ، فيستحقّ منه الذمّ والعقاب. بخلاف ما إذا خالف التكليف الواقعيّ الّذي لم تقم عليه الحجّة ، فإنّه ليس من أفراد الظلم ، إذ ليس زيّ الرقّيّة أن لا يخالف العبد مولاه في الواقع ، فليس مخالفة ما لم تقم الحجّة خروجا من زيّ الرقّيّة حتّى يكون ظلما من العبد إلى مولاه ، بل هو ظلم من المولى إلى عبده ، وهو قبيح من كلّ أحد بالإضافة إلى كلّ أحد ولو من المولى إلى عبده.

ويستفاد الأمران الأوّلان من كلمات المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٣ : ٢١٥ و ٣٦٥ ـ ٣٦٦ وأجود التقريرات ٢ : ١٧٦. كما أنّ الأمر الثالث يستفاد من كلمات المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٤٦١ ـ ٤٦٢.

(١) أي : مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان.

(٢) إذ مع حكم العقل بقبح العقاب مع عدم وصول التكليف إلى المكلّف لا يبقى احتمال الضرر ليجب دفعه بحكم العقل ، بل معه يرفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

(٣) والأولى أن يقول : «يستحقّ العقوبة».

(٤) والحاصل : أنّه إذا جرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد فلا تجري قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ، لأنّ موضوع الثانية احتمال الضرر ، والاولى تنفي احتماله ، فيرتفع بها ـ

وأمّا ضرر غير العقوبة (١) : فهو وإن كان محتملا ، إلّا أنّ المتيقّن منه ـ فضلا عن محتمله ـ ليس بواجب الدفع شرعا ولا عقلا ، ضرورة عدم القبح في تحمّل بعض المضارّ ببعض الدواعي عقلا (٢) وجوازه شرعا (٣). مع أنّ احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرّة وإن كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة ، لوضوح أنّ المصالح والمفاسد الّتي تكون مناطات الأحكام ـ وقد استقلّ العقل بحسن الأفعال الّتي تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد ـ ليست براجعة إلى المنافع والمضارّ ، وكثيرا ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر. نعم ، ربما تكون المنفعة أو المضرّة مناطا للحكم شرعا وعقلا.

إن قلت : نعم ، ولكنّ العقل يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته ، وأنّه كالإقدام على ما علم مفسدته ، كما استدلّ به شيخ الطائفة قدس‌سره على أنّ الأشياء على الحظر أو الوقف (٤).

__________________

ـ موضوع الثانية. وإذا لم تجر قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد واحتمل الضرر الاخرويّ ـ وهو العقاب ـ فيحكم العقل بلزوم اجتناب ذلك الضرر المحتمل واستحقاق العقوبة على المخالفة في صورة المصادفة للواقع ، سواء قلنا بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو قلنا بعدم وجوبه.

وبالجملة : أنّه لو سلّم صحّة أصل قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل فلا مجال لها في المقام.

وقال المحقّق الاصفهانيّ : «إنّ قاعدة دفع الضرر ليست قاعدة عقليّة ولا عقلائيّة بوجه من الوجوه. نعم كلّ ذي شعور بالجبلّة والطبع حيث أنّه يحبّ نفسه يفرّ ممّا يؤذيه ، وهذا الفرار الجبلّي ليس ملاكا لمسألة الاحتياط». نهاية الدراية ٢ : ٤٦٧.

(١) أي : الضرر الدنيويّ.

(٢) كبذل المال لجلب اعتماد الناس.

(٣) كجواز بذل المال لإقامة شعائر الدين.

(٤) هكذا في بعض النسخ. وفي بعضها : «على الحظر والوقف». والصحيح أن يقول : «على الوقف» ، فإنّ شيخ الطائفة استدلّ به على الوقف ، لا على الحظر أو الوقف. وإليك نصّ كلامه :«وذهب كثير من الناس إلى أنّها على الوقف ، ويجوّز كلّ واحد من الأمرين فيه ، وينتظر ورود السمع بواحد منهما. وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله رحمه‌الله. وهو الّذي يقوى في نفسي». العدّة في اصول الفقه ٢ : ٧٤٢. ـ