درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۵۷: برائت ۶

 

وأمّا ضرر غير العقوبة (١) : فهو وإن كان محتملا ، إلّا أنّ المتيقّن منه ـ فضلا عن محتمله ـ ليس بواجب الدفع شرعا ولا عقلا ، ضرورة عدم القبح في تحمّل بعض المضارّ ببعض الدواعي عقلا (٢) وجوازه شرعا (٣). مع أنّ احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرّة وإن كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة ، لوضوح أنّ المصالح والمفاسد الّتي تكون مناطات الأحكام ـ وقد استقلّ العقل بحسن الأفعال الّتي تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد ـ ليست براجعة إلى المنافع والمضارّ ، وكثيرا ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر. نعم ، ربما تكون المنفعة أو المضرّة مناطا للحكم شرعا وعقلا.

إن قلت : نعم ، ولكنّ العقل يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته ، وأنّه كالإقدام على ما علم مفسدته ، كما استدلّ به شيخ الطائفة قدس‌سره على أنّ الأشياء على الحظر أو الوقف (٤).

__________________

ـ موضوع الثانية. وإذا لم تجر قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد واحتمل الضرر الاخرويّ ـ وهو العقاب ـ فيحكم العقل بلزوم اجتناب ذلك الضرر المحتمل واستحقاق العقوبة على المخالفة في صورة المصادفة للواقع ، سواء قلنا بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو قلنا بعدم وجوبه.

وبالجملة : أنّه لو سلّم صحّة أصل قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل فلا مجال لها في المقام.

وقال المحقّق الاصفهانيّ : «إنّ قاعدة دفع الضرر ليست قاعدة عقليّة ولا عقلائيّة بوجه من الوجوه. نعم كلّ ذي شعور بالجبلّة والطبع حيث أنّه يحبّ نفسه يفرّ ممّا يؤذيه ، وهذا الفرار الجبلّي ليس ملاكا لمسألة الاحتياط». نهاية الدراية ٢ : ٤٦٧.

(١) أي : الضرر الدنيويّ.

(٢) كبذل المال لجلب اعتماد الناس.

(٣) كجواز بذل المال لإقامة شعائر الدين.

(٤) هكذا في بعض النسخ. وفي بعضها : «على الحظر والوقف». والصحيح أن يقول : «على الوقف» ، فإنّ شيخ الطائفة استدلّ به على الوقف ، لا على الحظر أو الوقف. وإليك نصّ كلامه :«وذهب كثير من الناس إلى أنّها على الوقف ، ويجوّز كلّ واحد من الأمرين فيه ، وينتظر ورود السمع بواحد منهما. وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله رحمه‌الله. وهو الّذي يقوى في نفسي». العدّة في اصول الفقه ٢ : ٧٤٢. ـ

قلت : استقلاله بذلك ممنوع ، والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والأديان ، حيث إنّهم لا يحترزون ممّا لا تؤمن مفسدته ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته ، كيف! وقد أذن الشارع بالإقدام عليه (١) ، ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح ، فتأمّل.

[أدلّة المحدّثين على وجوب الاحتياط]

واحتجّ للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجّة بالأدلّة الثلاثة :

[الدليل الأوّل ، والجواب عنه]

أمّا «الكتاب» : فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (٢) وعن الإلقاء في التهلكة(٣) والآمرة بالتقوى (٤).

والجواب : أنّ القول بالإباحة شرعا وبالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير

__________________

ـ وحاصل الإشكال : أنّ احتمال التكليف الإلزاميّ وإن لم يكن ملازما لاحتمال المنفعة أو المضرّة ، فلا يلازمان احتمال العقاب الاخرويّ ، إلّا أنّ العقل يحكم بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته ، كما يحكم بقبحه على ما علم مفسدته. ومعلوم أنّ محتمل الحرمة ممّا لا تؤمن مفسدته ، فيجب الاجتناب عنه بمقتضى حكم العقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته.

وبالجملة : تكون قاعدة قبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته رافعا لموضوع قبح العقاب بلا بيان ، لأنّها صالحة للبيانيّة.

(١) كما قال عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». وسائل الشيعة ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١.

(٢) كقوله تعالى : ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الإسراء / ٣٦ ، وقوله تعالى : ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف / ٣٣.

(٣) كقوله تعالى : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة / ١٩٥.

(٤) كقوله تعالى : ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ آل عمران / ١٠٢ ، وقوله تعالى : ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ الحجّ / ٧٨ ، وقوله تعالى : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن / ١٦. وتعرّض للاستدلال بها المحقّق البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١١ : ٢٩.

علم ، لما دلّ على الإباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا ، ولا فيه مخالفة التقوى ، كما لا يخفى.

[الدليل الثاني ، والجواب عنه]

وأمّا «الأخبار» : فبما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة ـ معلّلا في بعضها بأنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في التهلكة (١) ـ من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقة أو التزاما (٢).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في المهلكة». والأولى ما أثبتناه ، فإنّه الموافق لنصّ الأخبار.

(٢) فالأخبار الدالّة على وجوب التوقّف على طوائف ثلاث :

إحداها : الأخبار المعلّلة الدالّة على وجوب التوقّف مطابقة. وهي عدّة روايات :

منها : مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ـ ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ١.

ومنها : خبر أبي سعيد الزهريّ عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ...». وسائل الشيعة ١٨ : ١١٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ٢.

ومنها : خبر داود بن فرقد ، وموثّقة مسعدة بن زياد ، وخبر السكونيّ. فراجع وسائل الشيعة ١٨ : ١١٥ و ١١٦ و ١٢٦ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٣ و ١٥ و ٥٠.

وثانيتها : الأخبار غير المعلّلة الّتي تدلّ على وجوبه مطابقة. وهي أيضا عدّة روايات :

منها : ما رواه جابر عن أبي جعفر عليه‌السلام في وصيّة له لأصحابه ، قال : «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا». وسائل الشيعة ١٨ : ١٢٣ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٣.

ومنها : رواية عبد الله بن جندب عن الرضا عليه‌السلام ، قال : «والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ...». وسائل الشيعة ١٨ : ١٢٥ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٩.

ومنها : ما رواه الميثمي عن الرضا عليه‌السلام ـ في اختلاف الأحاديث ـ ، قال : «وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه». وسائل الشيعة ١٨ : ١٢١ ، الباب ١٢ ، الحديث ٣١.

وثالثتها : الأخبار الدالّة على وجوب التوقّف التزاما. وهي كثيرة : ـ

وبما دلّ على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة (١).

والجواب : أنّه لا تهلكة (٢) في الشبهة البدويّة مع دلالة النقل [على الإباحة] (٣) وحكم العقل بالبراءة ، كما عرفت.

وما دلّ على وجوب الاحتياط لو سلّم (٤) وإن كان واردا على حكم العقل (٥) ، فإنّه كفى بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول (٦)

__________________

ـ منها : موثّقة حمزة بن طيّار ، أنّه عرض على أبي عبد الله عليه‌السلام بعض خطب أبيه عليه‌السلام ، حتّى إذا بلغ موضعا منها ، قال له : «كفّ واسكت». ثمّ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : «إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا تعلمون إلّا الكفّ عنه والتثبّت والردّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرّفوكم فيه الحقّ ، قال الله تعالى : ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ النحل / ٤٣». وسائل الشيعة ١٨ : ١١٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣.

ومنها : حسنة هشام بن سالم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : ما حقّ الله على خلقه؟ قال : «أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عمّا لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه». المصدر السابق ، الحديث٤.

(١) منها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان ، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منها جزاء؟ قال : «لا ، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد». قلت : إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال : «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا». وسائل الشيعة ١٨ : ١١١ ـ ١١٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١.

ومنها : ما من عبد الله بن وضّاح ، أنّه كتب إلى العبد الصالح عليه‌السلام يسأله عن وقت المغرب والإفطار ، فكتب إليه : «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة وتأخّر بالحائطة لدينك». وسائل الشيعة ١٨ : ١٢٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٧.

ومنها : ما عن الرضا عليه‌السلام : «أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال لكميل بن زياد : أخوك لدينك ، فاحتط لدينك بما شئت». وسائل الشيعة ١٨ : ١٢٣ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤١.

(٢) وفي بعض النسخ : «لا مهلكة».

(٣) وما بين المعقوفتين ليس في النسخ. والصحيح إثباته.

(٤) أي : لو سلّم دلالتها على وجوب الاحتياط ، فإنّه يمكن المناقشة فيها بدعوى وجود قرائن على أنّ الأمر فيها للاستحباب أو الإرشاد ، كما سيأتي.

(٥) وهو حكمه بقبح العقاب بلا بيان.

(٦) فإنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهريّ وبيان للوظيفة الفعليّة ومصحّح للعقوبة على مخالفة ـ

ـ ولا يصغى (١) إلى ما قيل (٢) من : «أنّ إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح ، وإن كان نفسيّا فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع». وذلك (٣) لما عرفت (٤) من أنّ إيجابه يكون طريقيّا ، وهو عقلا ممّا يصحّ أن يحتجّ به على المؤاخذة في مخالة الشبهة ، كما هو الحال في أوامر الطرق والأمارات والاصول العمليّة (٥) ـ ، إلّا

__________________

ـ التكليف المجهول.

(١) أي : ولا يمال.

(٢) والقائل الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٧١.

(٣) أي : عدم الإصغاء إلى ما قيل.

(٤) في الصفحة : ١٩ و ٣٦ من هذا الجزء.

(٥) ولا يخفى عليك : أنّ قوله : «ولا يصغى» إلى قوله «والاصول العمليّة» تعريض بما أجاب به الشيخ الأعظم عن أخبار وجوب الوقوف ، لا عن أخبار وجوب الاحتياط. ولذا كان الأولى أن يقدّم هذه العبارة على قوله : «وما دلّ على وجوب الاحتياط ...».

نعم ، وجّه المحشّي المشكينيّ ذكرها في المقام بقوله : «لمّا كان على تقدير تماميّته جاريا في مطلق إيجاب الاحتياط ذكره المصنّف في المقام». راجع كفاية الاصول (الطبع الحجريّ) ٢ : ١٨٤.

وكيف كان فالمهمّ توضيح ما أفاده الشيخ الأعظم وما اعترض عليه المصنّف رحمه‌الله في المقام.

أمّا الشيخ الأعظم : فإنّه ـ بعد الجواب عن أخبار الوقوف بحمل الأمر فيها على الطلب المشترك بين الوجوب والندب ـ أورد على نفسه إشكالا ، ثمّ أجاب عنه :

أمّا الإشكال : فحاصله : أنّ أخبار الوقوف دلّت على أنّ كلّ محتمل التكليف مظنّة للاقتحام في الهلكة. وبما أنّ ثبوت الهلكة بمجرّد ثبوت الحكم في الواقع ومن دون بيّنة للمكلّف من مصاديق العقاب بلا بيان ، وهو قبيح عقلا ، فيستكشف من ذلك أنّ هناك أمر شرعيّ مصحّح للعقاب المحتمل على تقدير وجوده ، وهو الأمر بالاحتياط ، فتكشف أخبار الوقوف عن إيجاب الشارع للاحتياط.

وأمّا الجواب : فحاصله : أنّ الأمر بالاحتياط المستكشف من أخبار الوقوف لا يصحّح العقاب على التكليف الواقعيّ المجهول. وذلك لأنّ إيجاب الاحتياط المستكشف من الروايات المذكورة إمّا أن يكون أمرا مقدّميّا أو يكون نفسيّا :

أمّا الأوّل : فلا يجدي في تصحيح العقوبة ، لأنّ الأمر الغيريّ لا تستتبع مخالفته العقاب ، فتصير العقوبة بلا مصحّح.

وأمّا الثاني : فهو وإن كان مصحّحا للعقوبة ، لترتّب العقوبة على مخالفة الواجب النفسيّ ، إلّا أنّه غير مستفاد من الروايات ، ضرورة أنّه إذا كان الأمر بالاحتياط نفسيّا فلا بدّ من ـ