درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۵۹: برائت ۸

 

لا يقال (١) : نعم ، ولكنّه يستكشف منه (٢) على نحو الإنّ (٣) إيجاب الاحتياط من قبل (٤) ، ليصحّ به العقوبة على المخالفة.

فإنّه يقال : إنّ مجرّد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحّح العقوبة ، ولا يخرجها عن أنّها بلا بيان ولا برهان ، فلا محيص عن اختصاص مثله (٥) بما يتنجّز فيه المشتبه ـ لو كان ـ ، كالشبهة قبل الفحص مطلقا أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ ، فتأمّل جيّدا (٦).

[الدليل الثالث ، والجواب عنه]

[التقرير الأوّل : العلم الإجماليّ]

وأمّا العقل : فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته ـ حيث علم إجمالا بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته ممّا لم يكن هناك حجّة على حكمه ـ تفريغا للذمّة بعد اشتغالها ؛ ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إلّا من بعض

__________________

(١) هذا الإشكال تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاريّ وأجاب عنه بما أشار إليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «لا يصغى إلى ما قيل». وأوضحنا الإشكال والجواب عنه ذيل التعليقة (٥) من الصفحة : ٤٦.

(٢) أي : من التعليل الوارد في الروايات المذكورة.

(٣) وهو العلم بالعلّة من العلم بالمعلول. والمراد من العلّة في المقام هو إيجاب الاحتياط ، ومن المعلول هو الهلكة.

(٤) أي : من قبل ورود هذا الحديث وتشريع إيجاب الاحتياط في الشبهات البدويّة.

(٥) أي : مثل هذا التعليل الوارد في الروايات.

(٦) ولا يخفى عليك : أنّ الأعلام من المتأخّرين المعاصرين قد ذكروا طوائف مختلفة من الروايات الّتي يستدل بها على الاحتياط ، ثمّ أجابوا عنها بوجوه أخر غير ما ذكره المصنّف رحمه‌الله في المتن. فلا نطيل الكلام بذكر ما أفادوه. وإن شئت فراجع نهاية الأفكار ٣ : ٢٤٢ ـ ٢٤٧ ، وفوائد الاصول ٣ : ٣٧٢ ـ ٣٧٨.

الأصحاب (١).

والجواب : أنّ العقل وإن استقلّ بذلك (٢) ، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، وقد انحلّ هاهنا ، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا بثبوت طرق واصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد ، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعليّة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العمليّة (٣).

__________________

(١) كما هو الظاهر من كلام المحقّق القمّي في قوانين الاصول ٢ : ٢٥ ، وصاحب المدارك في مدارك الأحكام ١ : ١٠٧ ، والمحقّق السبزواريّ في ذخيرة المعاد : ١٣٨.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في تقرير هذا الدليل العقليّ يختلف عما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

أمّا المصنّف رحمه‌الله : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام مطلق التكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة ، فأدرج الشبهات الوجوبيّة والتحريميّة في محلّ النزاع.

وأمّا الشيخ الأعظم : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام خصوص التكاليف الإلزاميّة التحريميّة في الشبهات التحريميّة ، فأخرج الشبهات الوجوبيّة عن محلّ النزاع. وتبعه على ذلك المحقّقان : النائينيّ والعراقيّ. راجع فرائد الاصول ٢ : ٨٧ ، فوائد الاصول ٣ : ٣٧٨ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٤٨.

ولعلّ السرّ فيما أفاده الشيخ الأعظم ومن تبعه أنّ الأخباريّين لم يتمسّكوا بالعلم الإجماليّ في الشبهات الوجوبيّة ولم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيها ، فلا نزاع معهم إلّا في الشبهات التحريميّة الناشئة من فقد النص ، فلا جدوى في إدراج الشبهات الوجوبيّة في محلّ النزاع.

(٢) أي : بلزوم الاحتياط.

(٣) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة من الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة في موارد الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة في موارد الطرق والاصول المثبتة».

وتوضيح الجواب : أنّ لنا علمين إجماليّين :

الأوّل : العلم الإجماليّ الكبير ، وهو ما يكون أطرافه جميع المشتبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة. فنعلم إجمالا بوجود تكاليف شرعيّة فيها ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف ، ولا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع.

الثاني : العلم الإجماليّ الصغير ، وهو ما يكون أطرافه خصوص موارد قيام الأمارات ـ