درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۰: برائت ۹

 

إن قلت : نعم ، لكنّه (١) إذا لم يكن العلم بها (٢) مسبوقا بالعلم بالتكاليف (٣).

__________________

ـ المعتبرة ، فإنّا نعلم إجمالا بمطابقة جملة من الأمارات المعتبرة للواقع. ومعلوم أنّ العقل يحكم بلزوم الاحتياط في أطراف الشبهات إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، وإلّا فلا يحكم به. وقد انحلّ العلم الإجماليّ الكبير هاهنا. والوجه في انحلاله انّا نعلم بالعلم الإجماليّ الصغير بمطابقة جملة من مؤدّيات الأمارات المعتبرة للواقع ، ونعلم أيضا أن لا يكون المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير ، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الإجماليّ الكبير بمقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير لم يبق لنا علم إجماليّ في بقيّة الأطراف. مثلا : إذا علمنا إجمالا بوجود مائة حكم ـ مثلا ـ في جميع المشتبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة ، وعلمنا بوجود هذا العدد ـ أو أزيد ـ أيضا في الأمارات المعتبرة ، لم يبق لنا علم إجماليّ بثبوت تكاليف في غير موارد الأمارات المعتبرة ، لإمكان انطباق المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير ـ وهو مائة حكم ـ على المعلوم بالإجمال في الصغير ـ وهو أيضا مائة حكم ـ ؛ فحينئذ نعلم تفصيلا بثبوت تلك المائة من التكاليف في الأمارات المعتبرة الّتي نعلم اجمالا بصدور كثير منها ، ونشكّ في ثبوتها في غيرها شكّا بدويّا ، فلا يجب الاحتياط إلّا في أطراف العلم الاجماليّ الصغير ـ وهو موارد الأخبار والأمارات المعتبرة ـ ، وأمّا أطراف العلم الاجماليّ الكبير ـ من الشبهات وموارد الأمارات غير المعتبرة ـ فلا يجب الاحتياط فيها.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف رحمه‌الله هاهنا في تقرير وجه الانحلال يختلف عما أفاده في تقريره في الوجه الأوّل من الوجوه العقليّة الّتي اقيمت على حجّيّة خبر الواحد ، فإنّه جعل هناك أطراف العلم الإجماليّ الصغير خصوص موارد الأخبار المعتبرة ، وجعل هنا أطرافه الأمارات والاصول المعتبرة ـ كالأخبار والشهرة والسيرة ـ.

(١) أي : الانحلال.

(٢) أي : العلم بالأحكام الّتي هي مؤدّيات الأمارات وموارد الاصول.

(٣) وفي بعض النسخ : «بالواجبات». والصحيح ما أثبتناه.

وتوضيح الإشكال : أنّ العلم الإجماليّ بثبوت تكاليف فعليّة في موارد الطرق والاصول العمليّة المعتبرة متأخّر عن العلم الإجماليّ بثبوتها في مطلق المشتبهات وموارد الأمارات والاصول العمليّة ، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ الكبير يحصل من أوّل البلوغ والالتفات إلى الشريعة ، والعلم الإجماليّ الصغير يحصل بعد التتبّع في موارد الطرق والاصول ، فالعلم الإجماليّ الصغير متأخّر عن العلم الإجماليّ الكبير ، والعلم الإجماليّ المتأخّر لا يؤثّر ـ

قلت : إنّما يضرّ السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا ، وأمّا إذا لم يكن كذلك ، بل ممّا ينطبق عليه ما علم أوّلا ، فلا محالة قد انحلّ العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ والشكّ البدويّ(١).

إن قلت : إنّما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإجمال ، ذلك (٢) إذا كان قضيّة قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا (٣). وأمّا بناء على أنّ قضيّة حجّيّته واعتباره شرعا ليست إلّا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا ـ وهو (٤) تنجّز ما أصابه والعذر عمّا أخطأ عنه ـ فلا انحلال لما علم بالإجمال أوّلا ، كما لا يخفى (٥).

__________________

ـ في انحلال العلم الإجماليّ المتقدّم ، بل انّما يؤثّر في انحلاله ويمنع من تأثيره فيما إذا كان متقدّما عليه أو مقارنا له.

(١) وتوضيح الجواب : أنّ المعتبر في الانحلال هو مطابقة المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير مع المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير ، لا مقارنة العلم الإجماليّ الصغير مع العلم الإجماليّ الكبير أو سبقه عليه ، فإذا تعلّق العلم الإجماليّ الكبير ـ مثلا ـ بإصابة قطرة دم بأحد الإنائين ، ثمّ تعلّق العلم الإجماليّ الصغير بوقوع تلك القطرة في الإناء الأبيض تحقّق انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير ، سواء كان متأخّرا عنه أو مقارنا له أو سابقا عليه. وكذلك في المقام ، لأنّا نعلم إجمالا بثبوت تلك المائة في موارد الأمارات والاصول المعتبرة ، فيحتمل انطباق المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير على المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير ، فيتّحد المعلومان وينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير مطلقا ، سواء تقدّم الصغير على الكبير أو قارنه أو تأخّر عنه.

(٢) مفعول لقوله : «يوجب». والمشار إليه هو الانحلال.

(٣) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «إذا كان قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا» ، أو يقول : «إذا كانت قضيّة قيام الطريق على تكليف ثبوته فعلا».

(٤) أي : ما للطريق المعتبر.

(٥) توضيح الإشكال يتوقّف على تقديم مقدّمة :

وهي : أنّ في حجّيّة الأمارات والطرق مذهبان : (أحدهما) : أنّها حجّة مجعولة على نحو السببيّة ، بمعنى أنّها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها وموجبا لكونه حكما فعليّا للمكلّف. (ثانيهما) : أنّها مجعولة على نحو الطريقيّة ، بمعنى أنّها مجعولة لتكون طريقا ـ

قلت : قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته وإن كانت ذلك (١) ـ على ما قوّينا في البحث (٢) ـ ، إلّا أنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف ، يكون عقلا بحكم الانحلال وصرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، والعذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف ؛ مثلا : إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإنائين ، وقامت البيّنة على أنّ هذا إناؤه ، فلا ينبغي الشكّ في أنّه (٣) كما إذا علم أنّه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلّا عن خصوصه دون الآخر. ولو لا ذلك لما كان يجدي القول بأنّ قضيّة اعتبار الأمارات هي كون المؤدّيات أحكاما شرعيّة فعليّة ، ضرورة أنّها تكون كذلك بسبب حادث ، وهو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة.

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة في موارد الطرق المثبتة بمقدار

__________________

ـ إلى الواقع وكاشفا عنه ، فيترتّب عليها ما يترتّب على الطريق المعتبر من أنّها منجّزة للواقع فيما إذا أصابته ومعذّرة للمكلّف في مخالفته فيما إذا أخطأته.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى الثاني.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فيقال ـ إيرادا على المصنّف قدس‌سره ـ : أنّ الظاهر من كلامه أنّه ادّعى الانحلال الحقيقيّ في المقام ، بمعنى أنّ التتبّع في موارد الطرق والاصول يوجب العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة فعليّة تؤدّيها الأمارات والاصول ، وهي بمقدار يحتمل انطباقها على الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير ، فينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير ، بل يكشف بالعلم الإجماليّ الصغير عدم تعلّق العلم الإجماليّ الكبير بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر. وأنت خبير بأنّ دعوى هذا الانحلال إنّما يصحّ على القول بحجّيّة الأمارات على نحو السببيّة ، حيث أنّ مؤدّاها حينئذ تكاليف حقيقيّة فعليّة ، فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير على تلك المؤدّيات. وأمّا على القول بحجّيّتها على نحو الطريقيّة وأنّ المجعول هو المنجّزيّة والمعذّريّة ـ كما عليه المصنّف قدس‌سره ـ فلا يتمّ ما ذكر ، لعدم كون مؤدّاها تكاليف حقيقيّة فعليّة كي يدّعى احتمال انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة ثبوتها بالعلم الإجماليّ الكبير عليها.

(١) وفي بعض النسخ : «وإن كان ذلك». والصحيح ما أثبتناه. والمشار إليه بقوله : «ذلك» هو ترتيب التنجّز والتعذير.

(٢) من حجّيّة الأمارات على نحو الطريقيّة.

(٣) أي : قيام البيّنة