درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۱: برائت ۱۰

 

قلت : قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته وإن كانت ذلك (١) ـ على ما قوّينا في البحث (٢) ـ ، إلّا أنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف ، يكون عقلا بحكم الانحلال وصرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، والعذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف ؛ مثلا : إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإنائين ، وقامت البيّنة على أنّ هذا إناؤه ، فلا ينبغي الشكّ في أنّه (٣) كما إذا علم أنّه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلّا عن خصوصه دون الآخر. ولو لا ذلك لما كان يجدي القول بأنّ قضيّة اعتبار الأمارات هي كون المؤدّيات أحكاما شرعيّة فعليّة ، ضرورة أنّها تكون كذلك بسبب حادث ، وهو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة.

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة في موارد الطرق المثبتة بمقدار

__________________

ـ إلى الواقع وكاشفا عنه ، فيترتّب عليها ما يترتّب على الطريق المعتبر من أنّها منجّزة للواقع فيما إذا أصابته ومعذّرة للمكلّف في مخالفته فيما إذا أخطأته.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى الثاني.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فيقال ـ إيرادا على المصنّف قدس‌سره ـ : أنّ الظاهر من كلامه أنّه ادّعى الانحلال الحقيقيّ في المقام ، بمعنى أنّ التتبّع في موارد الطرق والاصول يوجب العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة فعليّة تؤدّيها الأمارات والاصول ، وهي بمقدار يحتمل انطباقها على الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير ، فينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير ، بل يكشف بالعلم الإجماليّ الصغير عدم تعلّق العلم الإجماليّ الكبير بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر. وأنت خبير بأنّ دعوى هذا الانحلال إنّما يصحّ على القول بحجّيّة الأمارات على نحو السببيّة ، حيث أنّ مؤدّاها حينئذ تكاليف حقيقيّة فعليّة ، فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير على تلك المؤدّيات. وأمّا على القول بحجّيّتها على نحو الطريقيّة وأنّ المجعول هو المنجّزيّة والمعذّريّة ـ كما عليه المصنّف قدس‌سره ـ فلا يتمّ ما ذكر ، لعدم كون مؤدّاها تكاليف حقيقيّة فعليّة كي يدّعى احتمال انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة ثبوتها بالعلم الإجماليّ الكبير عليها.

(١) وفي بعض النسخ : «وإن كان ذلك». والصحيح ما أثبتناه. والمشار إليه بقوله : «ذلك» هو ترتيب التنجّز والتعذير.

(٢) من حجّيّة الأمارات على نحو الطريقيّة.

(٣) أي : قيام البيّنة

المعلوم بالإجمال ، وإلّا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال ، كما لا يخفى (١).

__________________

(١) حاصل الجواب : دعوى الانحلال الحكميّ بعد تسليم عدم تحقّق الانحلال الحقيقيّ. وتوضيحه موقوف على تقديم مقدّمة :

وهي : أنّه يمكن انحلال العلم الإجماليّ بأحد الوجهين :

الأوّل : الانحلال الحقيقيّ. وهذا على قسمين : (أحدهما) : أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة العلم التفصيليّ بالمعلوم بالإجمال ، كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم في أحد هذين الإنائين ، ثمّ علم تفصيلا بأنّ قطرة الدم وقعت في الإناء الأبيض مثلا. (ثانيهما) : أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة انكشاف عدم تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ من أوّل الأمر ، كما إذا تعلّق العلم الإجماليّ بوقوع قطرة بول في الإناء الأسود أو الإناء الأبيض ، ثمّ علم أنّ الإناء الأسود خارج عن مورد الابتلاء ، وهذا يكشف عن عدم تعلّق التكليف بالإناء الأسود من أوّل الأمر ، فيزول العلم الإجماليّ.

الثاني : الانحلال الحكميّ. وهو ارتفاع أثر العلم الإجماليّ ـ من التنجيز ووجوب الاحتياط ـ وإن كان العلم الإجماليّ باقيا على حاله.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فاعلم أنّ المصنّف قدس‌سره أجاب عن دليل العقل بدعوى تحقّق الانحلال بأحد الوجهين.

فأشار إلى تحقّق القسم الأوّل من الانحلال الحقيقيّ بقوله : «هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة ...».

وأشار إلى تحقّق القسم الثاني من الانحلال الحقيقيّ بقوله : «وقد انحلّ هاهنا ، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك». ومرّ توضيحه في التعليقة (٣) من الصفحة : ٥١.

والتزم بالانحلال الحكميّ بعد تسليم عدم انحلال الحقيقيّ ، فقال : «قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته ... وهو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة». وحاصله : أنّه لو سلّم عدم تحقّق الانحلال الحقيقيّ ، لبقاء العلم الإجماليّ بعد قيام الأمارة أيضا على حاله ، ولكن ندّعي تحقّق الانحلال الحكميّ ، بمعنى أنّ قيام الأمارة غير العلميّة على وجود التكليف في بعض الأطراف يستلزم انصراف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى خصوص الأطراف الّتي قامت الأمارة على وجود التكليف فيها ، ضرورة أنّ مقتضى طريقيّة الأمارات هو ترتيب ما للعلم ـ من التنجيز والتعذير ـ عليها ، فقيام الحجّة والأمارة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف يستلزم صرف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى ما إذا كان التكليف الواقعيّ في ذلك الطرف والعذر عمّا إذا كان في الطرف الآخر ، فتجري ـ

[التقرير الثاني : أصالة الحظر]

وربما استدلّ (١) بما قيل (٢) من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضروريّة قبل الشرع ، ولا أقلّ من الوقف وعدم استقلاله (٣) ، لا به ولا بالإباحة ، ولم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته ، فإنّ ما دلّ على الإباحة معارض بما دلّ على وجوب التوقّف أو الاحتياط.

وفيه : أوّلا : أنّه لا وجه للاستدلال بما هو محلّ الخلاف والإشكال (٤) ، وإلّا لصحّ الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة.

وثانيا : أنّه ثبتت الإباحة شرعا ، لما عرفت من عدم صلاحيّة ما دلّ على

__________________

ـ البراءة في الطرف الآخر.

ثمّ لا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ أورد على ما ذكره المصنّف قدس‌سره من المثال. وذلك لوجود الفرق بين المقام وبين المثال المذكور ، إذ المعلوم بالإجمال في المثال أمر معيّن خاصّ ، فقيام الأمارة على تعيينه في طرف ينفي كونه في الطرف الآخر. بخلاف المقام ، فإنّ المعلوم بالإجمال فيه أحكام لا تعيّن لها بوجه ، وليس لها عنوان وعلامة ، فقيام الأمارة على ثبوت التكليف في بعض الموارد لا ينفي ثبوته في غيرها.

ثمّ أجاب عن الاستدلال بوجهين : (أحدهما) : النقض بالشبهات الوجوبيّة والموضوعيّة ، فإنّ هذا العلم لو كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة كان مانعا عن الرجوع إليها فيها أيضا ، مع أنّ الأخباريّين لا يقولون بوجوب الاحتياط فيها. و (ثانيهما) : أنّ العلم الإجماليّ بالتكاليف الواقعيّة ينحلّ واقعا بقيام الأمارات على تكاليف الزاميّة بمقدار المعلوم بالإجمال. مصباح الاصول ٢ : ٣٠٤ ـ ٣٠٨.

(١) هذا الدليل ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٩٠.

(٢) نسبه الشيخ والمحقّق إلى طائفة من الإماميّة. راجع العدّة ٢ : ٧٤٢ ، معارج الاصول : ٢٠٣.

(٣) كما عليه الشيخان : المفيد والطوسيّ. راجع التذكرة باصول الفقه : ٤٣ ، والعدّة ٢ : ٧٤٢.

(٤) فإنّ هذه المسألة محلّ الخلاف ومعركة الآراء ، كما قال الشيخ في العدّة : «وذهب كثير من البغداديّين وطائفة من أصحابنا الإماميّة إلى أنّها على الحظر ، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء. وذهب أكثر المتكلّمين من البصريّين ـ وهي المحكيّ عن أبي الحسن وكثير من الفقهاء ـ إلى أنّها على الإباحة ، وهو الّذي يختاره سيّدنا المرتضى. وذهب كثير من الناس إلى أنّها على الوقف». العدّة ٢ : ٧٤٢.

التوقّف أو الاحتياط للمعارضة لما دلّ عليها.

وثالثا : أنّه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة ، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة ، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

[التقرير الثالث : وجوب دفع الضرر المحتمل]

وما قيل (١) من «أنّ الإقدام على ما لا تؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما تعلم فيه المفسدة».

ممنوع (٢) ، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فإنّ المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا ، ضرورة أنّ المصالح والمفاسد الّتي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضارّ ، بل ربّما تكون المصلحة فيما فيه الضرر ، والمفسدة فيما فيه المنفعة. واحتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف (٣) غالبا لا يعتنى به قطعا.

مع أنّ الضرر ليس دائما ممّا يجب التحرّز عنه عقلا ، بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان المترتّب عليه أهمّ في نظره ممّا في الاحتراز عن ضرره مع القطع به فضلا عن احتماله(٤).

[تنبيهات البراءة]

بقي امور مهمّة لا بأس بالإشارة إليها :

__________________

(١) والقائل شيخ الطائفة في العدّة ٢ : ٧٤٢.

(٢) خبر قوله : «وما قيل».

(٣) قوله : «ضرر» اسم «أن يكون» ، وقوله : «ضعيف» خبر «واحتمال».

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يأتي قوله : «مع القطع به فضلا عن احتماله» قبل قوله : «فيما كان المترتّب عليه».