درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۴: برائت ۱۳

 

موجبا لتعلّق الأمر به شرعا ، بداهة توقّفه على ثبوته (١) توقّف العارض على معروضه ، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته؟!

وانقدح بذلك (٢) أنّه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا القول بتعلّق الأمر به من جهة ترتّب الثواب عليه (٣) ، ضرورة أنّه فرع إمكانه ، فكيف يكون من مبادئ جريانه؟! هذا.

مع أنّ حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلّق الأمر به بنحو اللمّ ، ولا ترتّب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الإنّ ، بل يكون حاله في ذلك حال

__________________

ـ نفسه إلّا أنّ لازمه خروج الشيء عن كونه احتياطا ، لأنّ موضوعه محتمل الوجوب حتّى ينحفظ عليه ؛ وبعد فرض تعلّق الأمر بذات الفعل بقصد هذا الأمر كان تحقيقا للعبادة الواقعيّة المعلومة المنافية لعنوان الاحتياط ، وهو خلف. وإن تعلّق الأمر بالاحتياط بعنوانه المأخوذ فيه قصد شخص الأمر فهو خلف من وجه آخر ، لأنّ معناه جعل الاحتياط عبادة ، لا جعل الاحتياط في العبادة ، والكلام في الثاني دون الأوّل». نهاية الدراية ٢ : ٥١٨ ـ ٥٢٢.

(١) أي : توقّف الأمر بالاحتياط على ثبوت الاحتياط.

(٢) أي : بما مرّ في المناقشة على الجواب الأوّل.

(٣) وهذا هو الجواب الثاني من الأجوبة الّتي ذكروها للجواب عن الإشكال المتقدّم. وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط يكشف ـ بنحو الإنّ ـ عن تعلّق الأمر به ، لأنّ ثبوت الثواب معلول ثبوت الأمر ، فيحرز به تعلّق الأمر الشرعيّ بالاحتياط.

وناقش فيه المصنّف قدس‌سره أيضا بالوجهين السابقين :

أحدهما : ما أشار إليه بقوله : «ضرورة أنّه فرع إمكانه ...». وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط فرع إمكان الاحتياط ، وقد مرّ عدم إمكانه لمحذور الدور ، فلا يمكن استكشاف تعلّق الأمر بالاحتياط من ترتّب الثواب عليه.

ثانيهما : ما أشار إليه بقوله الآتي : «ولا ترتّب الثواب عليه بكاشف بنحو الإنّ ...».

وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط لا يستلزم الأمر المولويّ به ، فإنّ حال الاحتياط في ترتّب الثواب عليه حال الإطاعة فيه ، فكما أنّ الطاعة الحقيقيّة حسنة عقلا ويترتّب عليها الثواب بمجرّد كونها في نفسها انقيادا من دون تعلّق الأمر المولويّ به فكذلك الاحتياط ، فلا يكشف تعلّق الأمر الشرعيّ من ترتّب الثواب عليه.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ إيرادا على الوجهين جار في المقام أيضا.

الإطاعة (١) ، فإنّه نحو من الانقياد والطاعة.

وما قيل (٢) في دفعه : من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة (٣).

فيه : ـ مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها (٤) ، بداهة أنّه (٥) ليس باحتياط حقيقة ، بل هو أمر (٦) لو دلّ عليه دليل كان مطلوبا مولويّا نفسيّا عباديّا ؛ والعقل لا يستقلّ إلّا بحسن الاحتياط ، والنقل لا يكاد يرشد إلّا إليه. نعم ، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة لما كان محيص عن دلالته اقتضاء على أنّ المراد به ذاك المعنى بناء على عدم إمكانه فيها بمعناه حقيقة ، كما لا يخفى ـ أنّه التزام بالإشكال وعدم جريانه

__________________

(١) أي : بل يكون حال الاحتياط في حسنه وترتّب الثواب عليه حال الإطاعة.

(٢) والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٣) هذا هو الجواب الثالث من الأجوبة المذكورة في دفع إشكال الاحتياط في العبادة. وهو ما أفاد الشيخ الأعظم الأنصاريّ. وتوضيحه : أنّ في أوامر الاحتياط الواردة في الأخبار وجهين :

الأوّل : أن يكون المراد من الاحتياط المأمور به هو الاحتياط بمعناه الحقيقيّ ، وهو إتيان العمل بجميع ما يعتبر فيه من الأجزاء والشرائط حتّى نيّة التقرّب وقصد الأمر.

الثاني : أن يكون المراد من الاحتياط المأمور به هو الاحتياط بمعناه المجازيّ ، وهو إتيان العمل الجامع لتمام ما يعتبر فيه إلّا نيّة التقرّب وقصد الأمر.

والتحقيق أنّ محذور الدور إنّما يلزم على الوجه الأوّل ، ولكنّه غير مراد. وأمّا على الوجه الثاني ـ وهو المراد من الاحتياط في الروايات الآمرة به ـ فلا يستلزم محذور الدور ، إذ لا يكون قصد القربة ـ أي قصد الأمر ـ دخيلا في موضوع الأمر بالاحتياط ، بل كان موضوعه مجرّد إتيان الفعل بجميع أجزائه وشرائطه عدا نيّة القربة. وحينئذ يمكن تحقّق عنوان الاحتياط في العبادة بالإتيان بالعمل بتمام أجزائه وشرائطه ـ عدا نيّة القربة ـ ولو مع الجهل بتعلّق الأمر به ، بل يكفي احتمال الأمر به شرعا. وعليه فيمكن للمكلّف أن يقصد التقرّب بهذا العمل بنفس الأمر بالاحتياط. فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٤) أي : حسن الاحتياط في العبادات بالمعنى المجازيّ.

(٥) أي : الاحتياط بالمعنى المجازيّ.

(٦) أي : بل مجرّد إتيان المركّب بجميع أجزائه وشرائطه عدا نيّة القربة فعل لو دلّ عليه ...

فيها (١) ، وهو كما ترى.

[الجواب الصحيح عن الإشكال المذكور]

قلت : لا يخفى أنّ منشأ الإشكال هو تخيّل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها ممّا يتعلّق بها الأمر المتعلّق بها ، فيشكل جريانه حينئذ ، لعدم التمكّن من جميع ما اعتبر فيها (٢) ، وقد عرفت (٣) أنّه فاسد (٤) ، وإنّما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لأجل أنّ الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه ، وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان ، ضرورة التمكّن من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله ؛ غاية الأمر أنّه لا بدّ أن يؤتى به على نحو لو كان مأمورا به لكان مقرّبا ، بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوبا له تعالى ، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالا لأمره تعالى ، وعلى تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك وتعالى ، ويستحقّ الثواب على كلّ حال إمّا على الطاعة أو

__________________

(١) أي : والتزام بعدم جريان الاحتياط في العبادة.

(٢) وفي بعض النسخ : «لعدم التمكّن من قصد القربة المعتبر فيها».

(٣) راجع الجزء الأوّل : ١٣٩ ـ ١٤٠.

(٤) هذا. مع أنّه لو اغمض عن فساده لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الإشكال فيها. فكما يلتزم في دفعه بتعدّد الأمر فيها ليتعلّق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره كذلك فيما احتمل وجوبه منها كان على هذا احتمال أمرين كذلك ، أي أحدهما كان متعلّقا بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الأمر ، فيتمكّن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي رجاء أمره واحتماله ، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجبا ، وانقيادا لو لم يكن كذلك. نعم ، كان بين الاحتياط هاهنا وفي التوصّليّات فرق ، وهو أنّ المأتيّ به فيها قطعا كان موافقا لما احتمل وجوبه مطلقا ، بخلافه هاهنا ، فإنّه لا يوافق إلّا على تقدير وجوبه واقعا ، لما عرفت من عدم كونه عبادة إلّا على هذا التقدير ، ولكنّه ليس بفارق ، لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه وكونه واجبا. ودعوى عدم كفاية الإتيان برجاء الأمر في صيرورته عبادة أصلا ولو على هذا التقدير مجازفة ، ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالا لأمره على نحو العبادة لو كان ، وهو الحاكم في باب الإطاعة والعصيان ، فتأمّل جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].