درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۷: برائت ۱۶

 

الأخبار (١) ـ وإن كان انقيادا ، إلّا أنّ الثواب في الصحيحة إنّما رتّب على نفس العمل ، ولا موجب لتقييدها به ، لعدم المنافاة بينهما ، بل لو أتى به كذلك (٢) أو التماسا للثواب الموعود ـ كما قيّد به في بعضها الآخر (٣) ـ لاوتي الأجر والثواب على نفس العمل ، لا بما هو احتياط وانقياد ، فيكشف عن كونه بنفسه مطلوبا وإطاعة ، فيكون وزانه وزان «من سرّح لحيته أو من صلّى أو صام فله كذا». ولعلّه لذلك أفتى المشهور بالاستحباب ، فافهم وتأمّل.

[التنبيه] الثالث : [التفصيل في جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة](٤)

أنّه لا يخفى أنّ النهي عن شيء إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان ،

__________________

ـ ترتّب الثواب على نفس العمل ، غاية الأمر أنّ رجاء الثواب أو طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله داعي إلى تحقّق العمل وموجب للانقياد ، فلا منافاة بينه وبين الصحيحة.

والتحقيق هو الأخير كما مرّ.

(١) وهو خبر محمّد بن مروان. راجع وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادة ، الحديث٤.

(٢) أي : طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(٣) وهو خبر آخر عن محمّد بن مروان. وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادة ، الحديث٧.

(٤) لا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره في هذا التنبيه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ وناظر بما أفاده في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة. فإيضاح ما أفاده المصنّف قدس‌سره يتوقّف على بيان محلّ البحث ، والتعرّض لما أفاده الشيخ الأعظم ، ثمّ توضيح ما أفاده المصنّف قدس‌سره.

أمّا محلّ البحث : فهو جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة التحريميّة وعدمه. فهل تجري فيها مطلقا أو لا تجري فيها كذلك أو تجري في بعض الموارد ولا تجري في بعض آخر؟

وأمّا الشيخ الأعظم الأنصاريّ : فذهب إلى جريانها فيها مطلقا ، فإنّه قال : «المسألة الرابعة دوران الحكم بين الحرمة وغير الوجوب مع كون الشكّ في الواقعة الجزئيّة لأجل الاشتباه في بعض الامور الخارجيّة ، كما إذا شكّ في حرمة شرب مائع وإباحته للتردّد في أنّه خلّ أو خمر ، وفي حرمة لحم للتردّد بين كونه من الشاة أو من الأرنب. والظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل فيه الإباحة».

ثمّ تعرّض لتوهّم وأجاب عنه : ـ

__________________

ـ حاصل التوهّم : أنّ البراءة لا تجري في الشبهة التحريميّة الموضوعيّة ، لأنّ الشكّ فيها ليس شكّا في التكليف كي تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو يرجع إلى حديث الرفع ، ضرورة أنّ وظيفة الشارع ـ بما هو شارع ـ جعل الحكم بنحو الكلّيّ ، بأن يقول : «الخمر حرام ، والخلّ حلال». ومن المعلوم أنّه جعل الحكم بهذا النحو وبيّنه ووصل إلى المكلّف ، وانّما الشكّ في التطبيق وأنّ هذا المائع الخارجيّ هل يكون ممّا ينطبق عليه متعلّق الحرمة ـ أي : الخمر ـ أم لا؟ وإزالة هذا الشكّ ليس من وظيفة الشارع الأقدس ، بل إزالته على عهدة المكلّف نفسه. وحينئذ فاشتغال ذمّة المكلّف بالاجتناب عن الخمر يقينيّ ، والاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة ، وهي تحصل بالاحتياط والاجتناب عن المائع المردّد من باب المقدّمة العلميّة.

وحاصل الجواب : أنّ مجرّد العلم بجعل الحكم بنحو الكلّي ـ مثل : «الخمر حرام» ـ غير كاف في تنجّز التكليف على المكلّف ، بل الملاك في التنجّز ـ الّذي يمنع من جريان قاعدة القبح بلا بيان ـ هو العلم بحرمة الأفراد تفصيلا ـ كالعلم بأنّ هذا المائع الخارجيّ خمر حقيقة ـ أو إجمالا ـ كأن يعلم بأنّ أحد هذين الإنائين خمر ـ ، وأمّا الفرد المشتبه بالشبهة البدويّة ـ كما نحن فيه ـ فلا علم بحكمه ، لا تفصيلا ولا إجمالا ، فلا يكون التكليف بالنسبة إليه منجّزا. وعليه فلو ارتكبه المكلّف وصادف كونه خمرا واقعا فهو معذور ، لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١١٩ و ١٢١ ـ ١٢٢.

وأمّا المصنّف قدس‌سره : فمنع إطلاق كلام الشيخ وذهب إلى التفصيل بين ما إذا تعلّق النهي بترك الطبيعة رأسا في أيّ زمان أو مكان ، بحيث لو وجد فرد واحد منها في ذلك الزمان أو المكان لما حصل الامتثال أصلا ، وبين ما إذا تعلّق النهي بوجودات الطبيعة ، بحيث كان كلّ فرد من أفراد الموضوع محكوما بحكم واحد مستقلّ.

فعلى الأوّل : يكون الشكّ في محصّل الفعل الّذي تعلّق النهي بتركه رأسا معلوم ، فاشتغال الذمّة بالترك رأسا يقينيّ ، وهو يقتضي الفراغ اليقينيّ ، وهو لا يحصل إلّا بترك كلّ فرد يحتمل انطباق الفعل عليه.

نعم ، إذا كانت طبيعة الفعل مسبوقة بالترك مع الإتيان بذلك الفرد ، فيستصحب تركها مع الإتيان بذلك الفرد بالفعل. توضيحه : أنّه إذا كان ذلك الشيء المأتي به المشكوك الفرديّة مسبوقا بعدم الفرديّة ، فشكّ في أنّه صار فردا لطبيعة الفعل كي يكون الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل أو كان باقيا على حالته السابقة فلا يكون فردا لها ولا الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل ، فحينئذ يستصحب عدم فرديّته بالفعل ، ويحكم ببقاء الترك مع الإتيان بذلك الفرد. ـ

بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ـ ولو دفعة (١) ـ لما امتثل أصلا ، كان اللازم على المكلّف إحراز أنّه تركه بالمرّة ولو بالأصل ، فلا يجوز الإتيان بشيء يشكّ معه في تركه (٢) ، إلّا إذا كان مسبوقا به ليستصحب مع الإتيان به (٣).

نعم ، لو كان (٤) بمعنى طلب ترك كلّ فرد منه على حدة لما وجب إلّا ترك ما علم أنّه فرد ، وحيث لم يعلم تعلّق النهي إلّا بما علم أنّه مصداقه ، فأصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكّمة.

فانقدح بذلك أنّ مجرّد العلم بتحريم شيء لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كلّ فرد على حدة ، أو كان الشيء مسبوقا بالترك ، وإلّا لوجب الاجتناب عنها عقلا لتحصيل الفراغ قطعا (٥).

فكما يجب فيما علم وجوب شيء إحراز إتيانه إطاعة لأمره ، فكذلك يجب

__________________

ـ وعلى الثاني : يكون الشكّ في كون الفرد مصداقا للموضوع شكّا في ثبوت التكليف ، إذ المفروض كون كلّ فرد محكوما بحكم مستقلّ ، فالشكّ في فرديّة شيء يستتبع الشكّ في ثبوت الحكم له ، فتجري البراءة ويجوز ارتكابه.

والحاصل : أنّ ما أفاده الشيخ الأعظم من إطلاق الحكم بالبراءة في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة ممنوع.

(١) أي : ولو دفعة واحدة.

(٢) أي : فلا يجوز الإتيان بفرد يشكّ مع الإتيان به في ترك الشيء بالمرّة.

(٣) أي : إذا كان ذلك الشيء ـ بطبيعته ـ مسبوقا بالترك مع الإتيان بهذا الفرد المشكوك الفرديّة بالفعل فحينئذ يستصحب ترك الشيء مع الإتيان بهذا الفرد بالفعل.

واستشكل المحقّق الأصفهانيّ في هذا الاستصحاب بأنّ المستصحب ليس من المجعولات الشرعيّة ، ولا أنّه ذو أثر شرعيّ ، فإنّ المترتّب عليه هو الفراغ عن العهدة ، وهو أثر عقليّ. نهاية الدراية ٢ : ٥٥٣.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «وإذا كان ...».

(٥) والحاصل : أنّ المصنّف قدس‌سره نفى إطلاق كلام من توهّم كفاية مجرّد العلم بتحريم الشيء على نحو الكلّي في لزوم الاجتناب عن أفراد المشتبه ، فلا تجري البراءة فيها مطلقا. كما نفى إطلاق كلام الشيخ الأعظم من عدم كفاية العلم بتحريم الشيء في لزوم الاجتناب عن أفراد المشتبه ، فتجري البراءة فيها مطلقا.

فيما علم حرمته إحراز تركه وعدم إتيانه امتثالا لنهيه ، غاية الأمر كما يحرز وجود الواجب بالأصل كذلك يحرز ترك الحرام به.

والفرد المشتبه وإن كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه ، إلّا أنّ قضيّة لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرّز عنه ، ولا يكاد يحرز إلّا بترك المشتبه أيضا ، فتفطّن (١).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ تعلّق النهي بالشيء ليس منحصرا فيما ذكره المصنّف قدس‌سره من القسمين ، بل النهي المتعلّق بالشيء يتصوّر على أقسام :

القسم الأوّل : أن يكون متعلّقا بالشيء على نحو الطبيعة السارية ، بأن يكون الحكم متعدّدا بتعدّد أفراده ، بحيث يتعلّق بكلّ فرد من الأفراد نهي مستقلّ. وحينئذ فالشكّ في كون فرد مصداقا للموضوع يرجع إلى الشكّ في ثبوت التكليف ، فتجري أصالة البراءة ، فإنّ العلم بالكبرى ـ وهو الحكم بنحو الكلّيّ ، مثل ، «لا تشرب الخمر» ـ لا يصير حجّة على الصغرى ، ولا يمكن كشف حال الفرد منها. وهذا ممّا اتّفق عليه الشيخ الأعظم والمحقّق الخراسانيّ ، بل تبعهما المتأخّرون منهما ، وإن اختلفوا في بيان الوجه في عدم حجّيّة الكبرى على الصغرى.

فذكر المحقّق النائينيّ أنّ مجرّد العلم بالكبريات المجعولة لا يوجب تنجّزها وصحّة العقوبة على مخالفتها ما لم يعلم بتحقّق صغرياتها خارجا ، فإنّ التكليف لا يتنجّز إلّا بعد فعليّة الخطاب ، وهو لا يمكن أن يصير فعليّا إلّا بعد وجود موضوعه ، لأنّ التكاليف انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة المنحلّة إلى قضيّة شرطيّة ، مقدّمها وجود الموضوع وتاليها عنوان المحمول ، فلا بدّ من فرض وجود الموضوع في ترتّب المحمول ، فالعلم بعدم وجوده يستلزم العلم بعدم فعليّة التكليف ، والشكّ فيه يستلزم الشكّ فيها ، لأنّ وجود الصغرى ممّا له دخل في فعليّة الكبرى. فوائد الاصول ٣ : ٣٩٠ ـ ٣٩٤.

وسلك المحقّق العراقيّ مسلكا آخر ، حاصله : أنّ القضايا في باب التكاليف ليست من القضايا الحقيقيّة ـ كما ذهب إليه المحقّق النائينيّ ـ ، بل هي من القضايا الطبيعيّة ، بمعنى أنّ وجود المتعلّق من حدود المكلّف به لا من شرائط التكليف ، فإنّ الشكّ في فرديّة شيء لا يكون كسائر موارد الشكّ في شرط التكليف كي يوجب الشكّ في أصل توجّه التكليف ، بل يكون من باب الشكّ في مصداق الخطاب المتوجّه إلينا جزعا ، غاية الأمر لمّا كان الخطاب الكلّيّ انحلاليّا حسب تعدّد مصاديقه لا يكون بالنسبة إلى هذا المشكوك حجّة من جهة الشكّ في انطباق العنوان عليه ، لا من جهة الشكّ في توجّه التكليف إليه. راجع هامش فوائد الاصول ٣ : ٣٩١ ـ ٣٩٣. ـ

__________________

ـ وأفاد المحقّق الاصفهانيّ مسلكا آخر ، حاصله : أنّه ليس المراد من البيان في «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» ما هو وظيفة الشارع من بيان الكبرى حكما وموضوعا ، كي يقال : «إنّ البيان حاصل وتشخيص المصاديق ليس من وظيفة الشارع» ، بل المراد من البيان هو المصحّح للعقوبة والمؤاخذة عقلا وشرعا ، وهو مفقود في المقام ، لأنّ مخالفة التكليف الواقعيّ بما هي ليست مصحّحة للعقوبة عقلا ، بل انّما تكون مصحّحة لها بما هي ظلم على المولى وخروج عن زيّ الرقّيّة ورسم العبوديّة ، وكما أنّ مخالفة التكليف الّذي لا حجّة على أصله ولا على متعلّقه ليست ظلما ، إذ ليست خروجا من زيّ الرقّيّة ، كذلك مخالفة التكليف المعلوم الّذي صادف الفرد المشكوك في الواقع ليست ظلما ، فإنّ فعل هذا المشكوك أو تركه ليس خروجا من زيّ الرقيّة ، وعليه تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان ويرجع إلى البراءة. نهاية الدراية ٢ : ٥٥٥ ـ ٥٥٦.

وأفاد السيّد الإمام الخمينيّ أنّ الأحكام قد تصدر من المولى على نعت القانونيّة وضرب القاعدة ، وأحال مخصّصاتها وحدودها إلى أوقات أخر ، ثمّ بعد ذكر المخصّصات والحدود تصير فعليّة. وعليه فلا تكون الكبرى الكلّيّة فعليّة قابلة للإجراء إلّا بعد تتميم حدودها وشرائطها ، فلا تكون حجّة على الموضوع المشكوك فيه ، فتجري أصالة البراءة. أنوار الهداية ٢ : ١٤٧.

فهذه مسالك مشتركة في إثبات عدم حجّيّة الخطاب الكلّي بالنسبة إلى الفرد المشكوك فيه ، ومختلفة في بيان وجه عدم الحجّيّة.

القسم الثاني : أن يكون النهي متعلّقا بالشيء على نحو صرف الوجود ، بأن يكون التكليف واحدا متعلّقا بترك الطبيعة رأسا ، بحيث لو وجد فرد منها لما امتثل اصلا. وفي هذا الفرض اختلفت أنظار الأعلام فيما لو شكّ في كون شيء مصداقا للموضوع :

فالظاهر من إطلاق كلام الشيخ الأعظم أنّ المرجع فيه أصالة البراءة ، كما مرّ.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى أنّ المرجع فيه قاعدة الاشتغال ، لأنّ تعلّق التكليف بترك الطبيعة معلوم ، ولا يحرز امتثاله إلّا بترك كلّ ما يحتمل انطباق الطبيعة عليه.

ووافقه بعض تلامذته ـ كالمحقّق الحائريّ في درر الفوائد ٢ : ١١١ ـ ، وخالفه المحقّقان الأصفهانيّ والعراقيّ والسيّدان العلمان الخمينيّ والخوئيّ.

أمّا المحقّق الأصفهانيّ : فهو ـ بعد ما بيّن المراد من صرف الوجود وأنّه الوجود الجامع بين وجودات طبيعة خاصّة بنهج الوحدة في الكثرة ـ حمل كلام المصنّف قدس‌سره في المقام على ما إذا انبعث طلب الترك عن مصلحة واحدة في طبيعيّ الترك بحدّه أو مجموع التروك. ثمّ قرّب جريان البراءة فيما إذا تعلّق النهي بالشيء على نحو صرف الوجود. راجع نصّ كلامه في نهاية الدراية ٢ : ٥٤٨ ـ ٥٥٣ ، فإنّ كلامه دقيق جدّا. ـ

[التنبيه] الرابع : [حسن الاحتياط فيما لم يخلّ بالنظام]

أنّه قد عرفت (١) حسن الاحتياط عقلا ونقلا. ولا يخفى أنّه مطلقا كذلك حتّى فيما كان هناك حجّة على عدم الوجوب أو الحرمة ، أو أمارة معتبرة على أنّه ليس فردا للواجب أو الحرام ، ما لم يخلّ بالنظام فعلا ؛ فالاحتياط قبل ذلك مطلقا يقع حسنا ، كان في الامور المهمّة كالدماء والفروج أو غيرهما ، وكان احتمال التكليف قويّا أو ضعيفا ، كانت الحجّة (٢) على خلافه أو لا. كما أنّ الاحتياط

__________________

ـ وأمّا المحقّق العراقيّ : فذهب إلى جريان البراءة في هذه الصورة ، وأفاد ما حاصله : أنّ دائرة عدم الطبيعيّ تختلف سعة وضيقا بازدياد الأفراد وقلّتها ، لأنّ عدم الطبيعيّ عين عدم أفراده ، لا أنّه أمر حاصل منها. وعليه يرجع الشكّ في انطباق الطبيعيّ على المشكوك إلى الشكّ في مقدار دائرة المأمور به ، فيندرج في صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، فتجري أصالة البراءة. مقالات الاصول ٢ : ٢١٦ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٦٨.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فاختار جريان البراءة في هذه الصورة مستدلّا بأنّ الشكّ في المصداق في هذه الصورة شكّ في تعلّق التكليف الضمنيّ به ، فيرجع إلى البراءة. مصباح الاصول ٢ : ٣٢٥.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فاستدلّ على جريان البراءة بأنّ النهي إذا تعلّق بصرف الوجود يكون أفراد الترك من قبيل المحصّلات من غير تعلّق نهي بها ، إذ النهي ليس طلب الترك كي يقال : «إنّ الطلب تعلّق بالترك قطعا ، والاشتغال اليقينيّ يقتضي الفراغ اليقينيّ» ، بل يكون مفاد النهى هو الزجر عن الطبيعة. ومع الشكّ في كون فرد محصّل الطبيعة أو مصداقها لا يكون النهي حجّة عليه بالنسبة إلى المشكوك فيه. أنوار الهداية ٢ : ١٤٩ ـ ١٥٠.

القسم الثالث : أن يكون النهي متعلّقا بالمجموع ، بحيث لو ترك فردا واحدا من الطبيعة فقد أطاع ، ولو ارتكب بقيّة الأفراد بأجمعها.

وهذا القسم لم يتعرّض له المصنّف قدس‌سره. ومعلوم أنّ في هذا القسم يجوز ارتكاب بعض الأفراد المتيقّنة مع ترك واحد منها ، فضلا عن الفرد المشكوك فيه.

وتشييد ما أفادوه يحتاج إلى بحث أوسع ، لسنا بصدده الآن ، فراجع عنه المطوّلات.

(١) راجع الصفحة : ٦٣ من هذا الجزء.

(٢) وفي بعض النسخ : «كان الحجّة ...». والصحيح ما أثبتناه.

الموجب لذلك لا يكون حسنا كذلك (١) وإن كان الراجح لمن التفت إلى ذلك من أوّل الأمر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالا أو محتملا ، فافهم.

__________________

(١) أي : كما أنّ الاحتياط الموجب لاختلال النظام لا يكون حسنا مطلقا ، سواء كان احتمال التكليف قويّا أو ضعيفا ، وسواء كان في الامور المهمّة أم لا ، وسواء كانت الحجّة على خلافه أم لا.