درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۸: تخییر ۱

 

فصل

[في أصالة التخيير]

[دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في التوصّليّات]

إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته (١) ، لعدم نهوض حجّة على أحدهما

__________________

(١) لا يخفى : أنّه لا بدّ في توضيح محلّ النزاع من بيان امور :

الأوّل : أنّه يعتبر أن يدور أمر الفعل بين الوجوب والحرمة فقط ، فإذا احتمل اتّصافه بغيرهما من الأحكام غير الإلزاميّة يرجع إلى البراءة ، لكونه شكّا في التكليف الإلزاميّ.

الثاني : أنّه يعتبر أن لا يكون أحد الحكمين موردا للاستصحاب ، وإلّا يجب العمل بالاستصحاب.

الثالث : أنّ دوران الأمر بين المحذورين قد يكون بين التوصّليّين وقد يكون بين التعبّديّين وقد يكون بين التعبّديّ والتوصّليّ. ومحلّ النزاع وإن لم يختصّ بالوجوب والحرمة التوصّليّين ـ كما سيأتي ـ ، إلّا أنّ مفروض البحث في المقام هو الدوران بين التوصّليّين ، فإنّ مورد بعض الوجوه والأقوال ـ كالقول بالإباحة ـ هو ما إذا لم يكن أحد الحكمين تعبّديّا ، كما يشير إليه المصنّف قدس‌سره.

الرابع : أنّ دوران الأمر بين المحذورين قد يكون مع وحدة الواقعة ، كما إذا تردّد في أنّ صوم يوم الجمعة الاولى من شهر شعبان هل يكون فعله متعلّق النذر أو يكون تركه متعلّق النذر؟ وقد يكون مع تعدّد الواقعة ، كما لو علم إجمالا بصدور نذرين تعلّق أحدهما بفعل أمر والآخر بترك آخر ، واشتبه الأمر في الخارج ، فيدور الأمر في كلّ منهما بين الوجوب والحرمة.

والمصنّف قدس‌سره انّما تعرّض في الكتاب للبحث عن دوران الأمر بين المحذورين مع وحدة الواقعة. ـ

تفصيلا بعد نهوضها عليه إجمالا ، ففيه وجوه : الحكم بالبراءة عقلا ونقلا ، لعموم النقل وحكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به ؛ ووجوب الأخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا ؛ والتخيير بين الترك والفعل عقلا مع التوقّف عن الحكم به رأسا ، أو مع الحكم عليه بالإباحة شرعا (١).

__________________

ـ وعليه : فيكون محلّ النزاع ومورد الوجوه الآتية دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في التوصّليّات مع وحدة الواقعة.

(١) لا يخفى عليك : أنّ الوجوه في المسألة وإن كانت كثيرة وعدّها العلّامة المحشّي المشكينيّ عشرة ، إلّا أنّ المصنّف قدس‌سره انّما تعرّض لوجوه خمسة :

الوجه الأوّل : جريان البراءة عقلا وشرعا.

أمّا البراءة العقليّة : فلأنّ كلّا من الحرمة والوجوب مجهول ، فيصدق عدم البيان بالنسبة إليهما ، والعقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان.

أمّا البراءة النقليّة : فلعموم حديث الرفع ونحوه ممّا دلّ على رفع الحكم عند الجهل به.

وهذا مختار السيّدين العلمين : الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ. راجع أنوار الهداية ٢ : ١٧٤ و ١٧٩ ، تهذيب الاصول ٢ : ٢٤٠ و ٢٤٢ ـ ٢٤٣ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٢٩.

ولا يخفى : أنّ كلّ واحد من الأعلام الثلاثة نفى جريان البراءة بوجه غير ما ذكره الآخر :

أمّا المحقّق النائينيّ : فنفى البراءة العقليّة والشرعيّة من جهة أنّه لا موضوع لهما :

أمّا البراءة العقليّة : فلأنّ مدركها «قبح العقاب بلا بيان» ، وفي دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب ، لأنّ وجود العلم الإجماليّ لا يقتضي التنجيز والتأثير ، فالقطع بالمؤمّن حاصل بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل.

وأمّا البراءة الشرعيّة : فلأنّ مدركها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «رفع ما لا يعلمون» ، والرفع فرع إمكان الوضع. وفي موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يمكن وضع الوجوب والحرمة كليهما ، لا على سبيل التعيين ولا على سبيل التخيير ، ومع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع ، فأدلّة البراءة لا تعمّ المقام. فوائد الاصول ٣ : ٤٤٨.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأفاد في وجه عدم جريان البراءة الشرعيّة والعقليّة بما حاصله : أنّ جريان أدلّة البراءة يختصّ بما إذا لم يكن هناك ما يقتضي الترخيص في الفعل والترك بمناط آخر ـ كالاضطرار ـ غير مناط عدم البيان ، فإذا فرض حصول الترخيص بحكم العقل بمناط الاضطرار لا ينتهي الأمر إلى الترخيص الظاهريّ بمناط عدم البيان. وفي المقام يحصل الترخيص بحكم العقل بمناط الاضطرار إلى أحد الأمرين من الفعل والترك ، فلا يبقى مجال ـ

__________________

ـ لجريان البراءة العقليّة والشرعيّة ، لحصول الترخيص ـ حينئذ ـ في الرتبة السابقة على جريانها بحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك. نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٣.

وأمّا المحقّق الأصفهانيّ : فنفى البراءة العقليّة ، بدعوى أنّ مدركها قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والبيان ـ وهو وصول التكليف إلى المكلّف تفصيلا أو إجمالا ـ حاصل في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة ، ضرورة أنّ المكلّف يعلم إجمالا بتوجّه التكليف الإلزاميّ إليه ، فلا تجري قاعدة القبح بلا بيان.

نعم ، أنّ التكليف المتوجّه إليه غير منجّز ، لأنّ فعليّة التكليف منوط بأمرين : (أحدهما) وصوله إلى المكلّف ، وهو محقّق في المقام. (ثانيهما) قدرة المكلّف على متعلّقه ، وهو مفقود في المقام. فالمانع من فعليّة التكليف في المقام هو عدم التمكّن من الامتثال المعتبر عقلا في استحقاق العقاب على تركه.

ونفى البراءة الشرعيّة بدعوى أنّ ظاهر أدلّة البراءة كونها في مقام معذّريّة الجهل وارتفاعها بالعلم ، فما كان تنجّزه وعدمه من ناحية العلم والجهل كان مشمولا للغاية والمغيّى ، وما كان من ناحية التمكّن من الامتثال وعدمه فلا ربط له بأدلّة البراءة. وما نحن فيه من قبيل الثاني ، لعدم القصور في العلم ، فإنّ تعلّق التكليف الإلزاميّ معلوم ، وإنّما القصور من جهة فقد التمكّن من امتثال التكليف الإلزاميّ. نهاية الدراية ٢ : ٥٦٥.

هذا ما أفاده الأعلام الثلاثة في الردّ على القول الأوّل.

وقد تصدّى السيّد الإمام الخمينيّ للجواب عن المحقّقين النائينيّ والعراقيّ صريحا وعن المحقّق الأصفهانيّ تلويحا.

فأفاد جوابا عن كلام المحقّق النائينيّ ـ من نفي البراءة العقليّة ـ بأنّ كون العلم الإجماليّ كعدمه لا يوجب القطع بالمؤمّن ، ولو لا قبح العقاب بلا بيان فلا مانع للمولى من العقاب على التكليف الواقعيّ ، وجوبا كان أو حرمة. بيان ذلك : أنّ أصل التكليف الإلزاميّ المردّد بين الوجوب والحرمة وإن كان معلوما إجمالا ، فلا يكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، بل لا يجوز العقاب عليه لعدم قدرة المكلّف على الموافقة القطعيّة ، إلّا أنّ نوع التكليف ـ من الوجوب والحرمة ـ غير معاقب ، لعدم كونه معلوما ، لا لعدم القدرة عليه ، كيف! ولو تعلّق التكليف الإلزاميّ بأمرين ـ كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال وحرمة شرب التتن ـ يكون منجّزا. فعليه يكون عدم العقاب بالنسبة إلى نوع التكليف لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. أنوار الهداية ٢ : ١٧٤.

ومن هنا يظهر جوابه عمّا أفاد المحقّق الأصفهانيّ في نفي البراءة العقليّة ، وحاصله : ـ

__________________

ـ أنّ البيان حاصل بالنسبة إلى أصل التكليف الإلزاميّ ، فلا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إليه ؛ وأمّا نوع التكليف فهو غير معلوم ، لا إجمالا ولا تفصيلا ، فلا بيان بالنسبة إليه ، وحينئذ يرجع إلى البراءة العقليّة بالنسبة إلى نوع التكليف ويحكم بالبراءة وعدم العقاب.

وأجاب عن المحقّق العراقيّ بما لفظه : «إنّ حكم العقل بالتخيير في الرتبة المتأخّرة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان في طرفي الفعل والترك ، وإلّا فلو فرض عدم قبحه بالنسبة إلى خصوص أحد الطرفين لم يحكم بالتخيير بالضرورة ، فالاضطرار لا يكون إلّا لواحد منهما ، وأمّا بخصوص كلّ منهما فلا يكون مضطرّا ، فلو فرض كونه واجبا بحسب الواقع وترك المكلّف مع قدرته على فعله بالضرورة لم يكن عدم العقاب للاضطرار وعدم القدرة ، بل لقبح العقاب بلا بيان». راجع هامش أنوار الهداية ٢ : ١٧٤ ـ ١٧٥.

وأفاد في الجواب عن كلام آخر للمحقّق النائينيّ من نفي البراءة الشرعيّة بما حاصله : أنّ مورد دوران الأمر بين المحذورين يكوّن مصداقين لحديث الرفع : (أحدهما) الوجوب ، و (ثانيهما) الحرمة ، فإنّهما غير معلومين ، فيكونا مرفوعين. وأمّا المجموع من حيث المجموع ـ أي أصل التكليف الإلزاميّ ـ فلا يكون مفاد دليل الرفع ، ضرورة أنّ المجموع من حيث المجموع غير قابل للوضع ، وما لا يمكن وضعه لا يمكن رفعه. بخلاف الوجوب والحرمة ، فإنّهما قابلان للوضع ، وما يمكن وضعه يمكن رفعه. أنوار الهداية ٢ : ١٧٠ ـ ١٧٩.

ومن هنا يظهر جوابه عمّا أفاد المحقّق الأصفهانيّ في مقام نفي البراءة الشرعيّة. وحاصل الجواب : أنّ ما كان عدم تنجّزه من ناحية عدم التمكّن من الامتثال هو أصل التكليف الإلزاميّ ، فإنّه أمر انتزاعيّ ، وليس بمجعول شرعيّ ، فلا يكون موضوعا كي يرفع بدليل الرفع. وأمّا نوع التكليف ـ أي نفس الوجوب والحرمة ـ فهو قابل للوضع ، ولا مانع من جريان دليل البراءة بالنسبة إليه.

ولا يخفى : أنّ ما ذكروه من الأدلّة والردود حول هذا الوجه قابل للنقض والإبرام ، ولكنّه خارج عن المقصود ، وفيما ذكرناه الكفاية.

الوجه الثاني : وجوب الأخذ بأحد الاحتمالين تعيينا ، لترجيح جانب الحرمة والبناء عليه في مرحلة الظاهر. واستدلّ عليه بوجوه ، تعرّض المصنّف قدس‌سره لبعضها في مسألة اجتماع الأمر والنهي في الجزء الثاني : ٦٣ ـ ٦٨ ، كما سيأتي التعرّض لأحدها والإجابة عنه في آخر هذا الفصل.

الوجه الثالث : وجوب الأخذ بأحدهما تخييرا ، ويعبّر عنه بالتخيير الشرعيّ. واستدلّ عليه بقياس المقام بتعارض الخبرين الدالّ أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب ، وسيأتي بطلانه. ـ

أوجهها الأخير ، لعدم الترجيح بين الفعل والترك ، وشمول مثل «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (١) له (٢) ، ولا مانع عنه عقلا ولا نقلا (٣).

__________________

ـ الوجه الرابع : التخيير بين الفعل والترك عقلا الثابت للعبد تكوينا من دون الحكم بشيء من التخيير أو الإباحة أو البراءة ، لا ظاهرا ولا واقعا.

وهذا الوجه نسبه المحقّق الأصفهانيّ إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ ، بل هو صريح عبارته في بعض نسخ فرائد الاصول. راجع نهاية الدراية ٢ : ٥٦٩ ، وفرائد الاصول ٢ : ١٨٣.

واختاره المحقّقان العلمان : النائينيّ والعراقيّ أيضا على ما في فوائد الاصول ٣ : ٤٤٤ و ٤٤٨ ، ونهاية الأفكار ٣ : ٢٩٢ ـ ٢٩٣.

واستدلّا عليه بوجهين :

أحدهما : أنّه لا فائدة في جعل حكم ظاهريّ في المقام ، لعدم خلوّ المكلّف من الفعل أو الترك ، فلا يترتّب على جعله أثر شرعيّ ، بل يكون جعله لغوا.

وثانيهما : سقوط العلم الإجماليّ عن التأثير في التنجيز ، لعدم قدرة المكلّف على مراعات العلم الإجماليّ بالاحتياط.

وقد مرّ بعض الكلام حول ما أفاداه والمناقشة فيه.

الوجه الخامس : الحكم بالتخيير بين الترك والفعل عقلا مع الحكم عليه بالإباحة الشرعيّة. وهذا ما ذهب إليه المصنّف قدس‌سره وسيأتي الاستدلال عليه.

(١) هذا مضمون ما ورد لإثبات قاعدة الحلّ ، وقد ذكرنا نصّه في أدلّة البراءة. راجع الصفحة : ٣١ من هذا الجزء.

(٢) حيث كان مختار المصنّف قدس‌سره مركّبا من دعويين : التخيير عقلا ، والإباحة الظاهريّة شرعا :

فاستدلّ على الاولى بقوله : «لعدم الترجيح». وتوضيحه : أنّ في اختيار كلّ من الفعل والترك احتمال الموافقة والمخالفة ، وحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح ، وهو قبيح.

واستدلّ على الثاني بقوله : «وشمول مثل ...». وتوضيحه : أنّ مدلول مثل حديث الحلّ هو حلّيّة المشكوك حرمته ظاهرا ، سواء دار أمر الشيء بين حرمته وإباحته ، أو بين حرمته ووجوبه ، أو بين حرمته واستحبابه ، فإنّ الشيء يكون مشكوك الحرمة في جميع هذه الموارد ، فإذا دار الأمر بين حرمة الشيء ووجوبه يصدق عليه أنّه مشكوك الحرمة ، فيشمله مثل حديث الحلّ ويحكم بإباحته ظاهرا.

(٣) أمّا المانع عقلا : فمثل ما يمنع عن جريان قاعدة الحلّ في الشبهة المحصورة ، فإنّ العقل يمنع عن جريانها في أطرافها ، بل يحكم بالاجتناب عن جميعها. ـ

وقد عرفت (١) أنّه لا تجب موافقة الأحكام التزاما ، ولو وجب لكان الالتزام إجمالا بما هو الواقع معه ممكنا (٢).

__________________

ـ وأمّا المانع شرعا : فمثل ما يمنع عن جريانها في الشبهة البدويّة ، فإنّ الشرع يمنع عن جريانها فيها بناء على تقديم أخبار الاحتياط.

وغرض المصنّف قدس‌سره أنّه لا مانع من شمول قاعدة الحلّ للمقام ، لا عقلا ولا شرعا.

ولكن أورد عليه المحقّق النائينيّ بوجوه :

الأوّل : أنّ أدلّة الإباحة الشرعيّة مختصّة بالشبهات الموضوعيّة ، فلا تجري فيما إذا دار الأمر بين المحذورين في الشبهات الحكميّة.

الثاني : عدم شمول دليلها لصورة دوران الأمر بين المحذورين ، فإنّه يختصّ بما إذا كان طرف الحرمة الإباحة والحلّ ، لا الوجوب ، كما هو الظاهر من قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال».

الثالث : أنّه لا يمكن جعل الإباحة الظاهريّة مع العلم بجنس الإلزام ، فإنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقيّ تنافي المعلوم بالإجمال ، لأنّ مفادها الرخصة في الفعل والترك ، وهو ينافي العلم بالإلزام. فوائد الاصول ٣ : ٤٤٥.

والسيّد المحقّق الخوئيّ وإن اختار جريان البراءة في المقام ، إلّا أنّه لمّا اعتقد بوجود الفرق بين أصالة الحلّ وأصالة الإباحة ، فلا يكون الإيراد على أحدهما عنده إيرادا على الآخر ، فتبع استاذه وأورد على دلالة حديث الحلّ بالوجهين الأوّلين. فراجع مصباح الاصول ٢ : ٢٧٦.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى نفي الفرق بين أصالة الإباحة وأصالة البراءة ، فكان الإيراد على أصالة الإباحة إيرادا على أصالة البراءة عنده ، ولذا أجاب عن تلك الوجوه الثلاثة :

أمّا الوجه الأوّل : فلعدم اختصاص مفاد حديث الحلّ بالشبهات الموضوعيّة.

وأمّا الوجه الثاني : فلانّه مناف لما أفاده ثالثا من كون مفاد أصالة الحلّ الرخصة في الفعل والترك ، فإنّ جعل الرخصة في الفعل والترك انّما هو فيما إذا كانت الشبهة في الوجوب والحرمة جميعا ، ضرورة أنّه لو كان طرف الحرمة عدم الوجوب بأن يشكّ في الحرمة والحلّيّة فلا معنى للرخصة في الترك.

وأمّا الوجه الثالث : فلأنّ التنافي بين الإباحة الظاهريّة والإلزام الواقعيّ ليس إلّا كتنافي الأحكام الواقعيّة والظاهريّة ، والجمع بينهما هو الجمع بينهما. أنوار الهداية ٢ : ١٧٦ ـ ١٧٧.

(١) في الجزء الثاني : ٢٥٧ ، حيث قال : «هل تنجّز التكليف بالقطع ...».

(٢) هذا إشارة إلى وهم ودفع :

توضيح الوهم : أنّه تجب موافقة الأحكام التزاما ـ أي اعتقادا ـ بعقد القلب عليها كما ـ

والالتزام التفصيليّ بأحدهما لو لم يكن تشريعا محرّما لما نهض على وجوبه دليل قطعا(١).

[الفرق بين المقام وبين الخبرين المتعارضين]

وقياسه بتعارض الخبرين الدالّ أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب باطل ، فإنّ التخيير بينهما على تقدير كون الأخبار حجّة من باب السببيّة يكون على القاعدة ومن جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين (٢) ، وعلى تقدير أنّها (٣)

__________________

ـ تجب موافقتها عملا ، والحكم بإباحة كلّ من الترك والفعل ظاهرا ينافي الالتزام القلبىّ بما هو معلوم عند المكلّف من الحكم الواقعيّ الدائر بين الوجوب والحرمة ، فلا تجري أصالة الحلّ في المقام.

وتوضيح الدفع : أنّه قد عرفت في الأمر الخامس من مباحث القطع عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة ، ضرورة عدم دليل عقليّ ولا نقليّ على لزوم الإطاعة الاعتقاديّة. مضافا إلى أنّه لا منافاة بين وجوب الموافقة الالتزاميّة وبين جريان أصالة الحلّ ، لإمكان الالتزام القلبيّ الإجماليّ بالحكم الواقعيّ على ما هو عليه وإن لم يعلم بشخصه فعلا.

(١) هذا جواب عن إشكال مقدّر :

توضيح الإشكال : أنّ متعلّق وجوب الموافقة الالتزاميّة نفس متعلّق وجوب الموافقة العمليّة ، ومعلوم أنّ متعلّق وجوب الموافقة العمليّة ليس إلّا الحكم بعنوانه الخاصّ من الإيجاب أو التحريم ، فمتعلّق وجوب الموافقة الالتزاميّة ليس إلّا ذلك ، لا الحكم الواقعيّ على ما هو عليه. غاية الأمر أنّه تصل النوبة إلى الموافقة الاحتماليّة بعد تعذّر الموافقة الالتزاميّة القطعيّة ، كما هو كذلك مع تعذّر الموافقة العمليّة القطعيّة ، والموافقة الالتزاميّة الاحتماليّة انّما تحصل بالالتزام التفصيليّ بخصوص الوجوب أو الحرمة ، لا الالتزام الإجماليّ بالواقع على ما هو عليه.

وتوضيح الجواب : أنّ الالتزام التفصيليّ بأحدهما المعيّن مع فرض عدم العلم به تشريع محرّم. مضافا إلى أنّه لو سلّم عدم كونه تشريعا لم يقم دليل على وجوب هذا الالتزام التفصيليّ.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «من جهة التخيير بين الطلبين المتزاحمين» ، أو يقول : «من قبيل التخيير بين الواجبين المتزاحمين».

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وعلى تقدير كونها حجّة ...» ، أو يقول : «على تقدير أنّه ...» كي يرجع الضمير إلى كون الأخبار حجّة.

من باب الطريقيّة ، فإنّه (١) وإن كان على خلاف القاعدة (٢) إلّا أنّ أحدهما تعيينا أو تخييرا ـ حيث كان واجدا لما هو المناط للطريقيّة من احتمال الإصابة مع اجتماع سائر الشرائط ـ جعل (٣) حجّة في هذه الصورة بأدلّة الترجيح تعيينا أو التخيير تخييرا (٤) ؛ وأين ذلك ممّا إذا لم يكن المطلوب إلّا الأخذ بخصوص ما صدر واقعا ، وهو (٥) حاصل ، والأخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه بموصل.

نعم ، لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة وإحداثهما الترديد بينهما ، لكان القياس في محلّه ، لدلالة الدليل على التخيير بينهما على التخيير هاهنا ، فتأمّل جيّدا (٦).

__________________

(١) أي : فإنّ التخيير. والأولى أن يقول : «فهو ...».

(٢) لأنّ القاعدة الأوّليّة في تعارض الطرق هو التساقط.

(٣) وفي بعض النسخ : «صار».

(٤) أي : صار أحدهما حجّة تعيينا في صورة وجود المرجّح له ، كموافقته للكتاب وغيرها ، وصار أحدهما حجّة تخييرا في صورة عدم وجود المرجّح لأحدهما.

(٥) أي : الأخذ بخصوص ما صدر واقعا.

(٦) غرض المصنّف قدس‌سره ردّ الاستدلال على القول الثالث ، وهو الحكم بالتخيير الشرعيّ في دوران الأمر بين المحذورين.

حاصل الاستدلال : أنّ ما يوجب الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين الدالّ أحدهما على الوجوب والآخر على الحرمة يوجب الحكم بالتخيير في دوران الأمر بالمحذورين.

وتوضيح الردّ عليه : أنّ في تقريب هذه المقايسة احتمالين :

الأوّل : أن يقال : إنّ المناط في الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو كون كلّ واحد منهما جامعا لشرائط الحجّيّة ، فيحتمل كون مؤدّى كلّ منهما مطابقا للواقع ، وبما كان المكلّف متعذّرا من مراعاة الواقع بالقطع فحكم الشارع بلزوم الأخذ بأحدهما تخييرا. وهذا المناط بعينه موجود في المقام بطريق أولى ، إذ المفروض هو العلم بوجود الإلزام الواقعيّ ، غاية الأمر يدور أمره بين الوجوب والحرمة ، ولمّا لم يتمكّن المكلّف من موافقة الواقع تفصيلا فحكم الشارع بالموافقة الاحتماليّة ولزوم الأخذ بأحدهما تخييرا ، لا بالإباحة الظاهريّة.

الثاني : أن يقال : إنّ الملاك في الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة وإحداثهما الترديد بينهما ، ولمّا كان المكلّف متعذّرا من رعاية ـ