درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۹: تخییر ۲

 

[عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان]

ولا مجال هاهنا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فإنّه لا قصور فيه هاهنا ، وإنّما يكون عدم تنجّز التكليف لعدم التمكّن من الموافقة القطعيّة كمخالفتها (١) ، والموافقة الاحتماليّة حاصلة لا محالة ، كما لا يخفى (٢).

__________________

ـ كلا الاحتمالين حكم الشارع بالتخيير بينهما. وهذا الملاك بعينه موجود في المقام ، فيحكم بالتخيير بينهما والأخذ بأحدهما.

إذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ مقايسة المقام بالخبرين المتعارضين بالتقريب الأوّل باطل. وذلك لأنّ منشأ الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو حجّيّتهما أو حجّيّة أحدهما تعيينا أو تخييرا ، فإنّ الأخبار إمّا أن تكون حجّة من باب السببيّة أو تكون حجّة من باب الطريقيّة ، فعلى الأوّل يحدث في مؤدّى الخبر الدالّ على الوجوب مصلحة ملزمة وفي مؤدّى الآخر مفسدة ملزمة ، ولمّا كان المفروض كون كلّ منهما جامعا لشرائط الحجّيّة وكان العمل بكلّ منهما غير مقدور فيقع التزاحم بين الطلبين : طلب الفعل وطلب الترك. وحينئذ يحكم العقل بالتخيير. فيكون الحكم بالتخيير على القاعدة. وعلى الثاني فيكون الخبران واجدين لمناط الطريقيّة ـ وهو كون كلّ منهما كاشفا عن الواقع واحتمال إصابة مؤدّى كلّ منهما للواقع مع اجتماع سائر الشرائط ـ ، ولمّا لم يمكن الجمع بينهما في الحجّيّة الفعليّة فجعل الشارع أحدهما حجّة تخييرا مع التكافؤ ، وأحدهما تعيينا مع المزيّة.

وبالجملة : فالمناط في الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين كونهما حجّتين فعليّتين ـ على السببيّة ـ أو كونهما مقتضيا للحجّيّة ـ على الطريقيّة ـ. وهذا المناط لم يوجد في الاحتمالين المتعارضين ، ضرورة أنّه لم يدلّ دليل على مطلوبيّة كلا الاحتمالين ، ولا على اقتضائهما للمطلوبيّة ، بل يكون المطلوب هنا هو الأخذ بخصوص ما صدر واقعا ، والأخذ بالواقع بالمقدار الممكن ـ من الموافقة الاحتماليّة ـ حاصل إذا حكمنا بالإباحة الظاهريّة.

هذا كلّه بناء على الاحتمال الأوّل في تقريب المقايسة. وأمّا بناء على الاحتمال الثاني فكان القياس في محلّه ، لوجود مناط الحكم بالتخيير في المقام أيضا ، وهو واضح.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كالمخالفة القطعيّة» أو يقول : «ولا المخالفة القطعيّة» ، أو يقول : «لعدم التمكّن من الموافقة والمخالفة القطعيّتين».

(٢) وقد مرّ بعض الكلام حول ما أفاده الأعلام في جريان القاعدة المذكورة. فراجع التعليقة (١) من الصفحة : ٨٢.

[تعميم محلّ النزاع]

ثمّ إنّ مورد هذه الوجوه وإن كان ما إذا لم يكن واحد من الوجوب والحرمة على التعيين تعبّديّا ، إذ لو كانا تعبّديّين أو كان أحدهما المعيّن كذلك لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الاباحة ، لأنّها (١) مخالفة عمليّة قطعيّة ـ على ما أفاد شيخنا الأستاذ «قدس‌سره» (٢) ـ ، إلّا أنّ الحكم أيضا فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلا بين إتيانه على وجه قربيّ ـ بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه ـ وتركه كذلك ، لعدم الترجيح ، وقبحه بلا مرجّح.

فانقدح أنّه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصّليّين بالنسبة إلى ما هو المهمّ في المقام ، وإن اختصّ بعض الوجوه (٣) ، كما لا يخفى.

[تقديم محتمل الأهميّة]

ولا يذهب عليك أنّ استقلال العقل بالتخيير إنّما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين. ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيّنه (٤) ، كما هو الحال في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في غير المقام (٥). ولكنّ الترجيح إنّما

__________________

(١) تعليل لقوله : «لم يكن إشكال». والضمير يرجع إلى الإباحة.

(٢) فرائد الاصول ٢ : ١٧٩.

(٣) وهو القول بالإباحة الظاهريّة.

(٤) أي : استقلال العقل بتعيّن محتمل الترجيح.

(٥) والحاصل : أنّ التخيير العقليّ في المقام مقيّد بما إذا لم يحتمل مزيّة أحدهما على الآخر ، فضلا عن العلم بها ، وإلّا فلا يبعد دعوى استقلال العقل بتعيّن محتمل الأهمّيّة ، فضلا عن معلومها.

وخالفه الأعلام الثلاثة ، بل السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ.

فاختار الأعلام الثلاثة الحكم بالتخيير في المقام ، واختار السيّد الخوئيّ الحكم بالبراءة مطلقا ، واختار السيّد الإمام الخمينيّ جريان البراءة عن التعيينيّة إلّا فيما إذا كان أقوائيّة المحتمل بحيث يكون لازم الاحتياط عقلا أو شرعا ، كما لو دار الأمر بين كون المرأة زوجته الّتي حلف على وطئها وبين كونها أمّه ، فحينئذ يجب الاحتياط. راجع فوائد الاصول ٣ : ٤٥ ، ـ

يكون لشدّة الطلب في أحدهما وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الإخلال بها في صورة المزاحمة ، ووجب الترجيح بها. وكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزيّة في صورة الدوران.

[بطلان ترجيح احتمال الحرمة]

ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقا (١) ، لأجل (٢) أنّ دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة ، ضرورة أنّه ربّ واجب يكون مقدّما على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام ، فكيف يقدّم على احتماله في صورة الدوران بين مثليهما؟! فافهم (٣).

__________________

ـ نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٥ ، نهاية الدراية ٢ : ٥٧١ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٣٢ ـ ٣٣٣ ، أنوار الهداية ٢ : ١٨٠ ـ ١٨١.

(١) إشارة إلى القول الثاني من الأقوال في مسألة دوران الأمر بين المحذورين ، وهو وجوب الأخذ بأحدهما تعيينا بترجيح جانب الحرمة. فناقش فيه المصنّف قدس‌سره بأنّ غاية ما يمكن أن يقال في الاستدلال على ترجيح احتمال الحرمة هو أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

وهو مردود ، لأنّ ربّ واجب ـ كالصلاة ـ يكون مقدّما على الحرام في صورة المزاحمة.

(٢) تعليل لقوله : «لترجيح ...».

(٣) تتمّة :

قد مرّت الإشارة إلى أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره في الكتاب يختصّ بما إذا دار الأمر بين المحذورين مع وحدة الواقعة ، سواء كان الدوران بينهما في التوصّليّات أو في التعبّديّات. وأمّا إذا دار الأمر بينهما مع تعدّد الواقعة فلم يتعرّض له المصنّف قدس‌سره في المقام. فينبغي التعرّض له تتميما للبحث ، فنقول :

إذا تعدّدت الواقعة في دوران الأمر بين المحذورين كما إذا علم إجمالا بتعلّق التكليف الإلزاميّ بصلاة الجمعة في كلّ جمعة ، ودار أمره بين الفعل والترك ، فهل يكون التخيير بدويّا ، فلا يجوز للمكلّف أن يختار في الواقعة الثانية غير ما اختاره في الواقعة الاولى ، أو يكون استمراريّا ، فيجوز له أن يختار في الواقعة الثانية غير ما اختاره في الواقعة الاولى؟ مثلا : في مثل صلاة الجمعة الّتي دار أمرها بين الوجوب والحرمة هل يجوز للمكلّف أن يختار في الجمعة الاولى إتيان صلاة الجمعة ويختار في الجمعة الثانية تركها ، فيكون التخيير ـ

__________________

ـ استمراريّا ، أو لا يجوز له ذلك ، بل يجب عليه الإتيان بها في الثانية والثالثة وهكذا ، كما يجب عليه تركها في الجمعات الآتية فيما إذا اختار تركها في الجمعة الاولى ، فيكون التخيير بدويّا؟

الظاهر من كلام المصنّف في حاشية الرسائل هو كونه استمراريّا. وذهب إليه أيضا المحقّقون : العراقيّ والنائينيّ والإمام الخمينيّ. راجع درر الفوائد : ٢٣٥ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٦ ، فوائد الاصول ٣ : ٤٥٣ ـ ٤٥٥ ، أنوار الهداية ٢ : ١٨١.

وذهب السيّد الخوئيّ إلى أنّ التخيير هاهنا بدويّ ، لتنجّز العلم الإجماليّ من حيث المخالفة القطعيّة. مصباح الاصول ٢ : ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

فصل

[في أصالة الاشتغال]

لو شكّ في المكلّف به مع العلم بالتكليف من الإيجاب أو التحريم (١) فتارة

__________________

(١) لا يخفى : أنّ العلم بالتكليف والإلزام قد يكون علما تفصيليّا وقد يكون علما إجماليّا. وعلى الثاني قد يكون علما بنوع التكليف والإلزام وقد يكون علما بجنسه. وعلى الثاني قد يكون متعلّقا بفعل واحد وقد يكون متعلّقا بفعلين متعدّدين.

وأمّا العلم التفصيليّ بالتكليف فواضح.

وأمّا العلم الإجماليّ بنوع التكليف : فكما إذا علم بالوجوب وتردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة تماما أو الصلاة قصرا ، أو علم بالحرمة وتردّد بين أن يكون متعلّقها هذا المائع أو ذاك المائع ، أو علم بالوجوب وتردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة مع السورة أو الصلاة من دون السورة.

وأمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعل واحد : فكما إذا احرز صدور خطاب إلزاميّ من المولى ودار بين كونه وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وبين كونه حرمة الدعاء حينئذ.

وأمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعلين : فكما إذا علم بصدور خطاب إلزاميّ من المولى ودار أمره بين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وحرمة شرب التتن.

فالأقسام أربعة :

١ ـ العلم التفصيليّ.

٢ ـ العلم الإجماليّ بنوع التكليف.

٣ ـ العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمر واحد.

٤ ـ العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمرين أو امور.

ولا شكّ في خروج القسم الأوّل والثالث من محلّ البحث.

أمّا القسم الأوّل ، فواضح. وأمّا القسم الثالث فلأنّه من الشكّ في التكليف ويرجع فيه إلى البراءة.

لتردّده بين المتباينين (١) ، واخرى بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين (٢) ، فيقع الكلام في مقامين:

__________________

ـ ولا شكّ أيضا في دخول القسم الثاني في محلّ النزاع.

وإنّما الكلام في القسم الرابع. فهل يعدّ من الشكّ في التكليف كي يخرج من محلّ النزاع ، أو يعدّ من الشكّ في المكلّف به كي يدخل في محلّ النزاع؟

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى أنّ العلم بالجنس من الشكّ في التكليف ، لا المكلّف به ، فإنّه قال : «الموضع الثاني في الشكّ في المكلّف به مع العلم بنوع التكليف ، بأن يعلم الحرمة أو الوجوب ويشتبه الحرام أو الواجب». فرائد الاصول ٢ : ١٩٥.

وظاهر قول المصنّف قدس‌سره في المقام : «من الإيجاب أو التحريم» أيضا أنّ العلم بالجنس من الشكّ في التكليف ، فإنّ كلامه هذا بيان عن قوله : «مع العلم بالتكليف». ولكن سيصرّح بعد أسطر بدخول العلم بجنس التكليف في الشكّ في المكلّف به إذا كان متعلّقا بأمرين ، كما صرّح بذلك أيضا في درر الفوائد : ٢٣١.

(١) لا يخفى عليك : أنّ في التعبير عن هذا القسم ب «المتباينين» مسامحة ظاهرة ، لعدم اختصاص هذا القسم بما إذا كان الترديد ذا طرفين فقط ، بل يعمّ ما إذا كان الترديد ذا أطراف ، كما إذا علم بوجوب صلاة عليه ، وتردّد بين كونها صلاة الآيات أو صلاة الميّت أو صلاة القضاء. وعليه فكان الأولى أن يعبّر عن هذا القسم هكذا : «فتارة لتردّد المكلّف به بين المتباينين أو أكثر» أو : «فتارة لتردّد المكلّف به بين امور متبايية».

(٢) سواء كان الترديد ذا طرفين ، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر وتردّد بين كون الصلاة المكلّف بها هي الصلاة مع السورة أو هي من دون السورة ، أو كان الترديد ذا أطراف ، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر وشكّ في أنّها هل هي الصلاة مع السورة والقنوت أو الصلاة مع السورة دون القنوت أو الصلاة مع القنوت دون السورة أو الصلاة من دونهما. هذا في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وأمّا الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان ـ سواء كان ذا طرفين أو ذا أطراف ـ : فهو يرجع إلى الشكّ في التكليف بالنسبة إلى الأكثر ، إذ يعلم من أوّل الأمر بتعلّق التكليف بالأقلّ ويشكّ في تعلّقه بالزائد عليه ، فتجري البراءة.

ولا يخفى : أنّ الضابط في تشخيص كون أطراف الترديد هو التباين أو الأقلّ والأكثر الارتباطيّان أو الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان ما يلي :

فإن كان في أطراف الترديد ما يكون الإتيان به موجبا للعلم بحصول الامتثال وسقوط التكليف بالنسبة إلى الأطراف الأخر فيكون من الأقلّ والأكثر. وحينئذ لا يخلو : إمّا أن يكون الإتيان بسائر الأطراف أيضا موجبا للعلم بحصول الامتثال وسقوط التكليف بالنسبة إلى