درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۱: اشتغال ۲

 

لوجب عقلا موافقته مطلقا ، ولو كانت أطرافه غير محصورة.

وإنّما التفاوت بين المحصورة وغيرها هو أنّ عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعليّة المعلوم (١) مع كونه فعليّا لولاه (٢) من سائر الجهات.

وبالجملة : لا يكاد يرى العقل تفاوتا بين المحصورة وغيرها في التنجّز وعدمه فيما كان المعلوم إجمالا فعليّا يبعث المولى نحوه فعلا أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه.

والحاصل : أنّ اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتا في ناحية العلم. ولو أوجب تفاوتا فإنّما هو في ناحية المعلوم في فعليّة البعث أو الزجر مع الحصر وعدمها مع عدمه (٣) ؛ فلا يكاد يختلف العلم الإجماليّ باختلاف الأطراف قلّة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعليّة وعدمها بذلك ؛ وقد عرفت آنفا أنّه لا تفاوت بين التفصيليّ والإجماليّ في ذلك (٤) ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم أيضا (٥) ، فتأمّل تعرف (٦).

وقد انقدح : أنّه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعيّة مع حرمة مخالفتها (٧) ، ضرورة أنّ التكليف المعلوم إجمالا لو كان فعليّا لوجبت موافقته

__________________

(١) كما أنّ عدم الحصر قد يلازم الخروج عن الابتلاء أو الاضطرار إلى ارتكابه ، وهما مانعان عن صيرورة الحكم المعلوم بالإجمال تامّ الفعليّة.

(٢) أي : لو لا ما يلزمه عدم الحصر من المانع عن فعليّة المعلوم ، كالخروج عن محلّ الابتلاء ونحوه.

(٣) وفي بعض النسخ : «وعدمهما مع عدمه». والصحيح ما أثبتناه.

(٤) أي : في التنجيز.

(٥) هكذا في النسخ. والظاهر زيادة كلمة «أيضا».

(٦) لا يخفى عليك : أنّ ما أفاده في المقام تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث فصّل بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة ، فذهب إلى تنجيز العلم الإجماليّ ولزوم رعاية الاحتياط في الاولى وعدم تنجيزه في الثانية ، بل نقل الإجماع عليه. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٥٧.

(٧) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «مع حرمة المخالفة القطعيّة».

قطعا (١) ، وإلّا لم تحرم مخالفته كذلك أيضا (٢).

ومنه (٣) ظهر : أنّه لو لم يعلم فعليّة التكليف مع العلم به إجمالا ـ إمّا من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه (٤) ، أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معيّنا أو

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لوجب موافقته قطعا». والأولى ما أثبتناه.

(٢) ولعلّ هذا الكلام أيضا تعريض بالشيخ الأعظم ، حيث اختار جواز ترك الموافقة الفعليّة بدعوى أنّ للشارع أن يقنع بالموافقة الاحتماليّة وأن يرخّص في بعض أطراف الشبهة بعد جعل البدل ـ كما في فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤ ـ أو بدون جعل البدل ـ كما نقله المحقّق الآشتيانيّ في بحر الفوائد ٢ : ٨٨ ـ ٨٩ ـ.

وتوضيح المقام يتوقّف على بيان ما أفاده الشيخ الأعظم أوّلا ، وإيراد المصنّف قدس‌سره عليه ثانيا.

أمّا الشيخ الأعظم : فحاصل ما أفاده أنّ للشارع أن يكتفي في مقام الامتثال بترك أحد الطرفين ، بأن يجعل الطرف الآخر بدلا عن الحرام الواقعيّ إذا كان ما ارتكبه نفس المحرّم الواقعيّ المعلوم بالإجمال ، فله أن يقول للعبد : «إنّني أقنع منك بترك بعض الأطراف وأبيح لك الأطراف الأخر». وعليه فيجوز ترك الموافقة القطعيّة والاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة في بعض موارد العلم الإجماليّ. هذا ما يظهر من كلامه في فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤.

ونقل المحقّق الآشتيانيّ عن الشيخ أنّه اختار في مجلس درسه جواز ترخيص الشارع في بعض الأطراف من دون جعل بدل. راجع بحر الفوائد ٢ : ٨٨ ـ ٨٩.

وأمّا المصنّف قدس‌سره : فأورد عليه بأنّه لا تنفكّ حرمة المخالفة القطعيّة عن وجوب الموافقة القطعيّة ، ضرورة أنّه إذا كان الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال فعليّا من جميع الجهات ـ بحيث تتعلّق إرادة المولى به على كلّ تقدير ـ يمتنع جعل الحكم الظاهريّ على خلافه في تمام الأطراف أو في بعضها ، فتجب موافقته كما تحرم مخالفته. وإذا لم يكن فعليّا من جميع الجهات فلا مانع من جعل الحكم الظاهريّ على خلافه في بعض الأطراف أو في جميعها ، فجازت مخالفته القطعيّة ولم تجب موافقته كذلك.

وأورد على جعل البدل كثير من المتأخّرين ، منهم المحقّق العراقيّ والمحقّق الاصفهانيّ والسيّد الإمام الخمينيّ. فراجع نهاية الأفكار ٣ : ٣١٣ ـ ٣١٤ ، مقالات الاصول ٢ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ ، نهاية الدراية ٢ : ٥٨٦ ـ ٥٨٧ ، أنوار الهداية ٢ : ٣٠٦.

(٣) أي : ممّا ذكرنا من أنّ المناط في وجوب الموافقة القطعيّة بالاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ هو كون المعلوم بالإجمال تامّ الفعليّة ، سواء كانت أطرافه محصورة أو غير محصورة.

(٤) كما إذا علم بحرمة إحدى الامرأتين ، إحداهما في بلده وثانيتهما في أقصى بلاد الدنيا مع عدم ابتلائه بها عادة.

مردّدا (١) ، أو من جهة تعلّقه بموضوع يقطع بتحقّقه إجمالا في هذا الشهر ، كأيّام حيض المستحاضة مثلا (٢) ـ لما وجبت موافقته بل جازت مخالفته.

وأنّه (٣) لو علم فعليّته ولو كان بين أطراف تدريجيّة لكان منجّزا ووجبت موافقته ، فإنّ التدرّج لا يمنع عن الفعليّة ، ضرورة أنّه كما يصحّ التكليف بأمر حاليّ كذلك يصحّ بأمر استقباليّ ، كالحجّ في الموسم للمستطيع ، فافهم (٤).

__________________

(١) أمّا الاضطرار إلى أحد الأطراف معيّنا فكما إذا كان في أحد الإنائين المشتبهين ماء وفي الآخر ماء الرمّان ، واضطرّ إلى شرب ماء الرّمان للتداوي.

وأمّا الاضطرار إليه مردّدا فكما إذا علم بنجاسة أحد الماءين ، واضطرّ إلى شرب أحدهما لرفع العطش.

(٢) أي : كالمرأة الّتي ترى الدم من أوّل الشهر إلى آخره مستمرّا وتعلم بأنّ الدم في إحدى ثلاثة أيّام متوالية من الشهر دم حيض وفي غيرها استحاضة ، فإنّه لا يجب عليها وعلى زوجها ترتيب أحكام الحيض في أيّام الشهر ، إذ تعلّق علمها الإجماليّ بموضوع يقطع بتحقّقه إجمالا في هذا الشهر ولم تعلم أنّه فيما مضى أو في الحال أو فيما يأتي ، وهذا يمنع عن فعليّة العلم الإجماليّ.

(٣) أي : وممّا ذكرنا يظهر أنّه ...

(٤) لا يخفى : أنّ في قوله : «أطراف تدريجيّة» وجوه :

الأوّل : أن يكون المراد منه كون الأطراف ممّا ينطبق على قطعة من الزمان ، في قبال ما لا ينطبق على قطعة من الزمان ، بل يكون آنيّ الحصول. وعليه يكون معنى العبارة : «أنّ التكليف المعلوم إجمالا لو كان تامّ الفعليّة لكان منجّزا ووجبت موافقته مطلقا ، سواء كان تمام أطرافه أو بعضها من الامور الزمانيّة الّتي لا تتحقّق إلّا بعد مضيّ قطعة من الزمان أو كان تمامها أو بعضها من الامور الآنيّة الحصول».

الثاني : أن يكون المراد من الأطراف التدريجيّة هو الامور الّتي يتمكّن المكلّف من إيجادها في زمان واحد ، في قبال الامور الّتي لا يتمكّن المكلّف من إتيانها إلّا شيئا فشيئا في أزمنة متعدّدة. وعليه يكون معنى العبارة : «لو علم فعليّة التكليف لكان منجّزا ووجبت موافقته مطلقا ، سواء كانت أطراف العلم الإجماليّ من الامور الّتي يتمكّن المكلّف من إيجادها في زمان واحد كشرب الماءين المشتبهين أو النظر إلى المرأتين المشتبهين ، أو كانت من الامور الّتي لا يتمكّن من إيجادها إلّا في أزمنة متعدّدة كوطى المرأتين المشتبهين».

الثالث : أن يكون المراد من الأطراف التدريجيّة ما إذا كانت الأطراف ـ تمامها أو بعضها ـ من الامور المستقبلة الّتي لا تقدر المكلّف على ارتكابها في الحال ، في قبال ما إذا كانت ـ

تنبيهات

[حول المقام الأوّل]

الأوّل : [مانعيّة الاضطرار إلى بعض الأطراف عن فعليّة الحكم المعلوم]

انّ الاضطرار كما يكون مانعا عن العلم بفعليّة التكليف لو كان إلى واحد معيّن ، كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معيّن ، ضرورة أنّه (١) مطلقا موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف (٢) أو تركه (٣) تعيينا أو تخييرا (٤) ، وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا.

وكذلك لا فرق (٥) بين أن يكون الاضطرار كذلك (٦) سابقا على حدوث العلم

__________________

ـ الأطراف من الامور الّتي تقدر المكلّف على ارتكابها في الحال.

والتحقيق : أنّ مراد المصنّف قدس‌سره من العبارة هو الوجه الثالث.

وتوضيحه : أنّه لو علم فعليّة التكليف لكان منجّزا ووجبت موافقته ، سواء كانت أطراف العلم الإجماليّ ممّا يتمكّن المكلّف من ارتكابها أيّها شاء في الحال ، فيتعلّق التكليف بها في الحال ، كما إذا علم بحرمة وطء إحدى المرأتين في هذا اليوم أو علم بحرمة شرب أحد الماءين في الحال ، أو كان بعضها ممّا يمكن للمكلّف إرادة ارتكابه في الحال وبعض آخر ممّا يمكن له إرادة ارتكابه في المستقبل ، كما إذا علم بتعلّق النذر بإعطاء درهم إلى الفقير في أحد اليومين من الأحد والاثنين ، وكذا علم بتعلّق العهد بترك إعطائه إلى الفقير في أحد اليومين من الأحد والاثنين ، فلا يعلم أنّ إعطاء الدرهم واجب في يوم الأحد وحرام في الاثنين أو بالعكس ، ومعلوم أنّ أحد العطاءين ـ وهو العطاء في يوم الاثنين ـ أمر استقباليّ لا يتمكّن المكلّف من إرادة فعله في الحال ـ أي في يوم الأحد ـ. والوجه في التنجّز أنّ التدرّج لا يمنع عن فعليّة التكليف المعلوم التامّ الفعليّة ، ضرورة أنّ التكليف كما يصحّ تعلّقه بأمر حاليّ كذلك يصحّ تعلّقه بأمر استقباليّ ، كالحج في الموسم للمستطيع.

وما ذكره المصنّف قدس‌سره في فوائده من المثال يؤيّد حمل كلامه على الوجه الثالث. فراجع فوائد الاصول (للمصنّف) : ٩٧.

(١) أي : الاضطرار.

(٢) في الشبهة التحريميّة.

(٣) في الشبهة الوجوبيّة.

(٤) أمّا تعيينا : ففي الاضطرار إلى المعيّن. وأمّا تخييرا : ففي الاضطرار إلى غير المعيّن.

(٥) في عدم تنجيز العلم الإجماليّ.

(٦) أي : تعيينا أو تخييرا.