درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۲: اشتغال ۳

 

تنبيهات

[حول المقام الأوّل]

الأوّل : [مانعيّة الاضطرار إلى بعض الأطراف عن فعليّة الحكم المعلوم]

انّ الاضطرار كما يكون مانعا عن العلم بفعليّة التكليف لو كان إلى واحد معيّن ، كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معيّن ، ضرورة أنّه (١) مطلقا موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف (٢) أو تركه (٣) تعيينا أو تخييرا (٤) ، وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا.

وكذلك لا فرق (٥) بين أن يكون الاضطرار كذلك (٦) سابقا على حدوث العلم

__________________

ـ الأطراف من الامور الّتي تقدر المكلّف على ارتكابها في الحال.

والتحقيق : أنّ مراد المصنّف قدس‌سره من العبارة هو الوجه الثالث.

وتوضيحه : أنّه لو علم فعليّة التكليف لكان منجّزا ووجبت موافقته ، سواء كانت أطراف العلم الإجماليّ ممّا يتمكّن المكلّف من ارتكابها أيّها شاء في الحال ، فيتعلّق التكليف بها في الحال ، كما إذا علم بحرمة وطء إحدى المرأتين في هذا اليوم أو علم بحرمة شرب أحد الماءين في الحال ، أو كان بعضها ممّا يمكن للمكلّف إرادة ارتكابه في الحال وبعض آخر ممّا يمكن له إرادة ارتكابه في المستقبل ، كما إذا علم بتعلّق النذر بإعطاء درهم إلى الفقير في أحد اليومين من الأحد والاثنين ، وكذا علم بتعلّق العهد بترك إعطائه إلى الفقير في أحد اليومين من الأحد والاثنين ، فلا يعلم أنّ إعطاء الدرهم واجب في يوم الأحد وحرام في الاثنين أو بالعكس ، ومعلوم أنّ أحد العطاءين ـ وهو العطاء في يوم الاثنين ـ أمر استقباليّ لا يتمكّن المكلّف من إرادة فعله في الحال ـ أي في يوم الأحد ـ. والوجه في التنجّز أنّ التدرّج لا يمنع عن فعليّة التكليف المعلوم التامّ الفعليّة ، ضرورة أنّ التكليف كما يصحّ تعلّقه بأمر حاليّ كذلك يصحّ تعلّقه بأمر استقباليّ ، كالحج في الموسم للمستطيع.

وما ذكره المصنّف قدس‌سره في فوائده من المثال يؤيّد حمل كلامه على الوجه الثالث. فراجع فوائد الاصول (للمصنّف) : ٩٧.

(١) أي : الاضطرار.

(٢) في الشبهة التحريميّة.

(٣) في الشبهة الوجوبيّة.

(٤) أمّا تعيينا : ففي الاضطرار إلى المعيّن. وأمّا تخييرا : ففي الاضطرار إلى غير المعيّن.

(٥) في عدم تنجيز العلم الإجماليّ.

(٦) أي : تعيينا أو تخييرا.

أو لاحقا ، وذلك لأنّ التكليف المعلوم بينها من أوّل الأمر كان محدودا بعدم عروض الاضطرار (١) إلى متعلّقة (٢) ، فلو عرض على بعض أطرافه لما كان التكليف به معلوما ، لاحتمال أن يكون هو (٣) المضطرّ إليه فيما كان الاضطرار إلى المعيّن أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين (٤).

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. ولكن لا تساعد عليه اللغة. والصحيح أن يقول : «عدم عرض الاضطرار».

(٢) لا يخفى : أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، وأمّا لو كان إلى أحدهما المعيّن فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجّز ، لعدم منعه عن العلم بفعليّة التكليف المعلوم إجمالا المردّد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف أو المطلق [أي : المستمرّ] في الطرف الآخر ، ضرورة عدم ما يوجب عدم فعليّة مثل هذا المعلوم أصلا ، وعروض الاضطرار إنّما يمنع عن فعليّة التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه ، لا عن فعليّة المعلوم بالإجمال المردّد بين التكليف المحدود في طرف المعروض والمطلق في الآخر بعد العروض. وهذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، فإنّه يمنع عن فعليّة التكليف في البين مطلقا ، فافهم وتأمّل. منه [أعلى الله مقامه].

(٣) أي : المكلّف به.

(٤) توضيح ما أفاده : أنّه لو اضطرّ المكلّف إلى بعض أطراف العلم الإجماليّ فتارة يكون الاضطرار إلى طرف معيّن ، واخرى يكون الاضطرار إلى غير معيّن. وعلى كلا التقديرين تارة يحصل الاضطرار قبل العلم الإجماليّ ، واخرى يحصل بعد العلم الإجماليّ ، وثالثة يحصل مقارنا للعلم الإجماليّ. وعلى جميع التقادير تارة يكون الاضطرار بعد تعلّق التكليف ، واخرى يكون قبله ، فللمسألة صور :

الاولى : أن يحصل الاضطرار إلى طرف معيّن قبل التكليف وقبل العلم الإجماليّ به ، كما لو اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مثلا ، ثمّ علم بوقوع النجاسة في أحدهما بعد الاضطرار.

الثانية : أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد تعلّق التكليف بأحدها وقبل العلم الإجماليّ به ، كما إذا كان أحد الماءين نجسا في الواقع ، ولكنّه لم يكن عالما به ، فاضطرّ إلى شرب أحدهما ثمّ علم بأنّ أحدهما كان نجسا قبل الاضطرار.

الثالثة : أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد التكليف وبعد العلم به ، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائعين ، فاضطرّ إلى شرب أحدهما لرفع العطش.

الرابعة : أن يحصل الاضطرار إلى واحد معيّن مقارنا للعلم الإجماليّ ، كما لو أصاب النجس أحد الإنائين في الساعة الاولى ، وحصل له العلم بذلك في الساعة الثانية مقارنا ـ

لا يقال : الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلّا كفقد بعضها ؛ فكما لا إشكال

__________________

ـ للاضطرار إلى شرب أحدهما المعيّن.

الخامسة والسادسة والسابعة : أن يحدث الاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم الإجماليّ أو بعده أو مقارنا له. وأمثلتها واضحة.

هذه رءوس الصور المتصوّرة في المقام. ويتّضح حكم غيرها بعد بيان حكم هذه الصور.

ذهب المصنّف قدس‌سره إلى أنّ الاضطرار مانع عن تنجيز العلم الإجمالي في جميع الصور ، فلا يجب في الصور كلّها الاجتناب عن الأطراف الأخر.

نعم ، كلماته في حكم الصورة الثالثة مضطربة ، فذهب في متن الكتاب وفوائد الاصول : ٩٥ إلى عدم تنجيز العلم الإجماليّ في هذه الصورة أيضا. وعدل عنه في هامش الكتاب ـ كما مرّ ـ والتزم ببقاء التنجيز في الطرف غير المضطرّ إليه.

واستدلّ على مدّعاه في متن الكتاب بأنّ تنجّز التكليف يدور مدار المنجّز حدوثا وبقاء ، والمفروض أنّ المنجّز هو العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ ، وهو ينتفي بطروء الاضطرار ، لأنّ الاضطرار من حدود التكليف المعلوم بين الأطراف ، بمعنى أنّه مشروط من أوّل الأمر بعدم طروء الاضطرار إلى متعلّقه ، فلو عرض الاضطرار إلى بعض أطرافه ينتفي العلم بالتكليف الفعليّ المنجّز ، وإذا انتفى العلم به ينتفي التكليف المنجّز ، ولا مقتضي لوجوب الاجتناب عن سائر الأطراف.

وأمّا في الهامش فقرّب التنجيز في الطرف غير المضطرّ إليه بأنّ العلم الإجماليّ تعلّق بالتكليف المردّد بين المحدود والمطلق ، لأنّ التكليف في أحد الطرفين ـ وهو المضطرّ إليه ـ محدود بطروء الاضطرار ، وهو في الطرف الآخر ـ على تقدير ثبوته ـ مطلق ومستمرّ ، فيكون المقام من قبيل تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بين القصير والطويل ، نظير ما إذا علم بوجوب الجلوس في هذا المسجد ساعة أو في ذلك المسجد ساعتين. وحينئذ يكون الاضطرار إلى طرف معيّن موجبا لانتهاء التكليف في ذلك الطرف بانتهاء أمده لأجل الاضطرار ، وهذا لا يوجب انتهائه في الطرف الآخر.

واختار الشيخ الأعظم الأنصاريّ تنجيز العلم الإجماليّ في هذه الصورة والصور الخامسة والسادسة والسابعة. وتبعه المحقّقون : النائينيّ والعراقيّ والحائريّ والخمينيّ والخوئيّ. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٤٢٥ ، فوائد الاصول ٤ : ٩٤ ـ ١٠٢ ، مقالات الاصول ٢ : ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٠٩ ـ ٢١٠ ، الهداية في الاصول ٣ : ٣٩٧ و ٤٠١ ، درر الفوائد ٢ : ١١٩.

واتّفقوا أيضا على عدم التنجيز في الصورة الرابعة. ولعلّه لم يذكره المصنّف قدس‌سره في المقام. فراجع فوائد الاصول ٤ : ٩٥ ، نهاية الأفكار ٣ : ٣٥٠ ، أجود التقريرات ٢ : ٢٦٦ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٠٩ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٦٣ ، وغيرها من المطوّلات.

في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان ، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار ، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجا عن عهدة ما تنجّز عليه قبل عروضه.

فإنّه يقال : حيث إنّ فقد المكلّف به ليس من حدود التكليف به وقيوده ، كان التكليف المتعلّق به مطلقا ، فإذا اشتغلت الذمّة به كان قضيّة (١) الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك ، وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه (٢) ، فإنّه من حدود التكليف به وقيوده ، ولا يكون الاشتغال به من الأوّل إلّا مقيّدا بعدم عروضه (٣) ، فلا يقين باشتغال الذمّة بالتكليف به إلّا إلى هذا الحدّ ، فلا يجب رعايته فيما بعده ، ولا يكون إلّا من باب الاحتياط في الشبهة البدويّة ، فافهم وتأمّل ، فإنّه دقيق جدّا (٤).

الثاني : [شرطيّة الابتلاء بتمام الأطراف في تنجيز العلم الإجماليّ] (٥)

أنّه لمّا كان النهي عن الشيء (٦) إنّما هو لأجل أن يصير داعيا للمكلّف نحو

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «كانت قضيّة ...».

(٢) أو إلى ارتكابه.

(٣) أي : عدم طروء الاضطرار.

(٤) وأورد السيّد الإمام الخمينيّ على ما أفاده في كلّ من المتن والهامش. فراجع أنوار الهداية ٢ : ٢١٢ ـ ٢١٣.

(٥) لا يخفى : أنّه لا ريب في اعتبار القدرة العقليّة على جميع أطراف العلم الإجماليّ في منجّزيّته واستحقاق العقوبة على مخالفته. وانّما الكلام في أنّه هل يعتبر في توجّه الخطاب إلى المكلّف وتنجّزه إمكان الابتلاء عادة بجميع الأطراف أم لا يعتبر؟

ذهب بعضهم إلى اعتباره في خصوص النهي والشبهات التحريميّة دون الأمر والشبهات الوجوبيّة ، كالشيخ الأعظم والمحقّق النائينيّ. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٢٣٣ ، فوائد الاصول ٤ : ٥١.

وذهب بعض آخر ـ كالمصنّف قدس‌سره في المقام والمحقّق العراقيّ ـ إلى اعتباره في النهي والأمر. راجع ما يأتي في حاشية الكتاب ، ونهاية الأفكار ٣ : ٣٣٨.

وذهب بعض آخر ـ كالمحقّق الاصفهانيّ والسيّدين العلمين : الخوئيّ والخمينيّ ـ إلى عدم اعتباره أصلا. راجع نهاية الدراية ٢ : ٦٠١ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٩٥ ، أنوار الهداية ٢ : ٢١٤ ـ ٢١٩.

(٦) كما أنّه إذا كان فعل الشيء الّذي كان متعلّقا لغرض المولى ممّا لا يكاد عادة أن يتركه ـ

تركه لو لم يكن له داع آخر ، ولا يكاد يكون ذلك إلّا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به ، وأمّا ما لا ابتلاء به بحسبها ، فليس للنهي عنه موقع أصلا (١) ، ضرورة أنّه (٢) بلا فائدة ولا طائل ، بل يكون من قبيل طلب الحاصل ، كان (٣) الابتلاء بجميع الأطراف ممّا لا بدّ منه في تأثير العلم ، فإنّه بدونه لا علم بتكليف فعليّ ، لاحتمال تعلّق الخطاب بما لا ابتلاء به (٤).

__________________

ـ العبد وأن لا يكون له داع إليه لم يكن للأمر به والبعث إليه موقع أصلا ، كما لا يخفى. منه [أعلى الله مقامه].

(١) ولا يخفى : أنّ الظاهر من هذه العبارة اختصاص اعتبار هذا الشرط بخصوص النهي والشبهات التحريميّة ، كما هو ظاهر عبارة الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٢ : ٢٢٣. وتبعهما المحقّق النائينيّ ، فصرّح بعدم اعتباره في الأمر والشبهات الوجوبيّة ، فقال : «وانّما زيد هذا القيد في خصوص النواهي ، ولم يعتبر في الأوامر التمكّن العاديّ من الفعل مضافا إلى التمكّن العقليّ ، لأنّ الأمر بالفعل انّما يكون لأجل اشتمال الفعل على مصلحة لازمة الاستيفاء في عالم التشريع ، ولا يقبح من المولى التكليف بإيجاد ما اشتمل على المصلحة بأيّ وجه أمكن ولو بتحصيل الأسباب البعيدة الخارجة عن القدرة العادية مع التمكن العقليّ من تحصيلها». فوائد الاصول ٤ : ٥١ ـ ٥٢.

ولكنّ المصنّف قدس‌سره أشار في حاشية الكتاب إلى عدم اعتباره في الأوامر والشبهات الوجوبيّة أيضا ، كما مرّت حاشيته ذيل التعليقة (٦) من الصفحة السابقة.

ووسّعه المحقّق العراقيّ أيضا واستدلّ على اعتباره كذلك بأنّ توجيه النهي أو الأمر بما خارج عن الابتلاء مستهجن ، لأنّ البعد عن العمل بمثابة يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيّا عنه ، بحيث لا يحسنون توجيه الخطاب نحوه. راجع نهاية الأفكار ٣ : ٣٣٨ ، وهامش فوائد الاصول ٤ : ٥٢.

(٢) أي : النهي عمّا لا ابتلاء به بحسب العادة.

(٣) قوله : «كان» جواب لقوله : «لمّا».

(٤) حاصل ما أفاده في الاستدلال على اعتبار الابتلاء بجميع الأطراف أمران :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «ضرورة أنّه بلا فائدة ولا طائل». وحاصله : أنّ توجيه الخطاب إلى غير مورد الابتلاء لغو ، إذ غرض الشارع من النهي إيجاد الداعي إلى الترك ، كما أنّ غرضه من الأمر إيجاد الداعي إلى الفعل ، وهو لا يتحقّق فيما إذا كان الفعل خارجا عن محلّ الابتلاء ، فتوجيه الخطاب إليه لغو. ولغويّة الخطاب وإن كان أمرا ممكنا ذاتا إلّا أنّه مستحيل على الحكيم عقلا ، لمنافاته للحكمة.

ومنه قد انقدح : أنّ الملاك في الابتلاء المصحّح لفعليّة الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلا ، هو ما إذا صحّ انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطّلاعه على ما هو عليه من الحال.

__________________

ـ الثاني : ما أشار إليه بقوله : «بل يكون من قبيل طلب الحاصل». وحاصله : أنّ الغرض من النهي ليس إلّا ترك المنهي عنه ، وهو في غير مورد الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء ، فطلب تركه بالنهي عنه طلب الحاصل ، وهو ممتنع ذاتا.

وقد مرّ أنّ المحقّق العراقيّ قد استدلّ على اعتبار الابتلاء بوجه آخر. فراجع التعليقة (١) من الصفحة السابقة.

ثمّ إنّه قد استدلّ على عدم اعتبار الابتلاء بامور :

الأوّل : ما استدلّ به المحقّق الاصفهانيّ ، وحاصله : أنّ حقيقة التكليف جعل ما يمكن أن يكون داعيا ويصلح لأن يكون باعثا ، بحيث لو انقاد العبد للمولى لانقدح الداعي في نفسه بدعوة البعث أو الزجر ، فيفعل أو يتحرّك بسبب جعل الداعي. وهذه الصفة محفوظة ، سواء كان للمكلّف داع إلى الفعل كما في التوصّلي الّذي يأتي به بداعي هواه ، أو كان له داع إلى تركه كما في العاصي ، أو لم يكن له داع إلى الفعل من قبل نفسه كما في ما نحن فيه. وعليه فمجرّد كونه خارجا عن مورد الابتلاء لا يرجع إلى محصّل. نهاية الدراية ٢ : ٦٠٢ ـ ٦٠٣.

الثاني : ما استدلّ به السيّد المحقّق الخوئيّ ، وحاصله : أنّ الغرض من الأوامر والنواهي الشرعيّة غير الغرض من الأوامر والنواهي العرفيّة ، فإنّ الغرض من العرفيّة ليس إلّا تحقّق الفعل أو تركه خارجا ، وحينئذ كان الأمر بشيء حاصل بنفسه لغوا وطلبا للحاصل. بخلاف الأوامر والنواهي الشرعيّة ، فإنّ الغرض منها ليس مجرّد تحقّق الفعل خارجا ، بل الغرض صدور الفعل استنادا إلى أمر المولى وكون الترك مستندا إلى نهيه ليحصل لهم بذلك الكمال النفسانيّ. وحينئذ لا قبح في الأمر بشيء حاصل بنفسه عادة ، ولا في النهي عن شيء متروك بنفسه ، فلا يعتبر في تنجيز العلم الإجماليّ عدم كون بعض الأطراف خارجا من محلّ الابتلاء. مصباح الاصول ٢ : ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

الثالث : ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ ، ومحصّله : أنّ قبح التكليف بالخارج عن الابتلاء انّما هو في الخطاب الشخصيّ إلى آحاد المكلّفين. وأمّا الخطابات الكلّيّة المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين فلا يقدح فيها عجز بعضهم عن الامتثال ، بل انّما يقدح فيما إذا كان العموم غير متمكّن عادة ، فالخطاب فعليّ ولو كان بعضهم عاجزين من جهة كون بعض الموارد خارجا عن محلّ الابتلاء ، غاية الأمر يكون العاجز معذورا في تركه مع الاضطرار الفعليّ. أنوار الهداية ٢ : ٢١٤ ـ ٢١٩.

ولو شكّ في ذلك (١) كان المرجع هو البراءه ، لعدم القطع بالاشتغال ، لا إطلاق الخطاب ، ضرورة أنّه لا مجال للتشبّث به إلّا فيما إذا شكّ في التقييد

__________________

(١) أي : في الابتلاء.

وهذا شروع في بيان حكم الشكّ في الابتلاء. وتوضيح محلّ البحث : أنّه لا شكّ في فعليّة التكليف مع العلم بكون مورد في معرض الابتلاء ، كما لا شكّ في عدم فعليّته مع العلم بكونه خارجا عن محلّ الابتلاء. وانّما الكلام فيما إذا شكّ في مورد هل يكون داخلا في محلّ الابتلاء أو يكون خارجا عنه؟ فهل يرجع إلى إطلاقات أدلّة التكليف ويحكم بشموله للمشكوك أو يرجع إلى أصل البراءة أو يرجع إلى أصل الاحتياط؟

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى الأوّل. وتبعه المحقّق النائينيّ بدعوى أنّ إطلاق ما دلّ على حرمة شرب الخمر ـ مثلا ـ يشمل كلتا صورتي الابتلاء به وعدمه ، والقدر الثابت من التقييد والخارج عن الإطلاق عقلا هو ما إذا كان الخمر خارجا عن مورد الابتلاء ، بحيث يلزم استهجان النهي عنه بنظر العرف ، فإذا شكّ في استهجان النهي وعدمه في مورد الشكّ في إمكان الابتلاء به وعدمه فالمرجع هو إطلاق الدليل. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٣٨ ، فرائد الاصول ٤ : ٥٥ ـ ٥٨.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى الثاني. وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ في أنوار الهداية ٢ : ٢٢١.

واستدلّ المصنّف قدس‌سره عليه بأنّ فعليّة التكليف منوطة بالابتلاء بالمتعلّق ، فإذا شكّ في الابتلاء به يشكّ في التكليف الفعليّ ، وهو مجرى أصالة البراءة.

ثمّ أشار بقوله : «لا إطلاق الخطاب» إلى عدم صحّة ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ من الرجوع إلى الإطلاقات والحكم بالاجتناب عن المشكوك خروجه عن محلّ الابتلاء. وحاصل ما أفاده : أنّ التمسّك بالإطلاق يتفرّع على صحّة الإطلاق في نفسه ثبوتا ، ومع الشكّ في إمكان الإطلاق ثبوتا لا أثر للإطلاق إثباتا. وهو في المقام مشكوك فيه ، فإذا شكّ في دخول مورد في محلّ الابتلاء يرجع إلى الشكّ في إمكان الإطلاق بالنسبة إليه ، ومع الشكّ في إمكانه ثبوتا لا ينفع الرجوع إلى الإطلاق في مقام الإثبات.

وذهب المحقّق العراقيّ إلى الثالث ، بدعوى رجوع الشكّ المزبور إلى الشكّ في القدرة المحكوم عقلا بوجوب الاحتياط ، فإنّه بعد تماميّة مقتضيات التكليف من طرف المولى وعدم دخل قدرة المكلّف بكلا قسميها ـ من الفعليّة والعاديّة ـ في ملاكات الأحكام يستقلّ العقل بلزوم رعاية الملاك بالاحتياط. نهاية الأفكار ٣ : ٣٤٢.

ثمّ فصّل السيّد المحقّق الخوئيّ بين الشبهة المفهوميّة وبين الشبهة المصداقيّة ، فوافق الشيخ في الاولى والمصنّف في الثانية. مصباح الاصول ٢ : ٣٩٧ ـ ٤٠٠.

بشيء (١) بعد الفراغ عن صحّة الإطلاق بدونه (٢) ، لا فيما شكّ في اعتباره في صحّته (٣) ، تأمّل لعلّك تعرف إن شاء الله تعالى.

الثالث : [تنجيز العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة]

أنّه قد عرفت أنّه مع فعليّة التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة (٤).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في التقييد به».

(٢) أي : بدون ذلك الشيء المشكوك.

(٣) نعم ، لو كان الإطلاق في مقام يقتضي بيان التقييد بالابتلاء لو لم يكن هناك ابتلاء مصحّح للتكليف كان الإطلاق وعدم بيان التقييد دالّا على فعليّته ووجود الابتلاء المصحّح لهما ، كما لا يخفى ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

ولا يخفى : أنّ العبارة غامضة ، والأولى أن يقول : «لا فيما إذا شكّ في وجود ما اعتبر في صحّة الإطلاق».

(٤) فتجب الموافقة القطعيّة برعاية الاحتياط كما تحرم المخالفة القطعيّة. بخلاف ما عن الشيخ الأعظم الأنصاريّ من التفصيل بين الموافقة القطعيّة فلا تجب وبين المخالفة القطعيّة فتحرم. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٥٧ و ٢٦٥ ، فوائد الاصول ٤ : ١١٩.

وفي المقام أقوال أخر لا بأس بالإشارة إليها :

منها : عدم وجوب الاحتياط مطلقا ، فلا تجب الموافقة القطعيّة ، بل تجوز المخالفة القطعيّة. ذهب إليه السيّد الإمام الخمينيّ في تهذيب الاصول ٢ : ٣٩٥ ، انوار الهداية ٢ : ٢٢٨.

ومنها : التفصيل بين الشبهات التحريميّة والشبهات الوجوبيّة ، بأنّ الحكم في الشبهة التحريميّة غير المحصورة هو جواز المخالفة القطعيّة وعدم وجوب الموافقة القطعيّة ، وهو في الشبهة الوجوبيّة لزوم الاحتياط في الجملة ووجوب الموافقة الاحتماليّة. وهذا مختار المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٤ : ١١٨ ـ ١١٩.

ومنها : عدم وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة. وهذا يظهر من المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٣٣١.

ومنها : التفصيل بين ما إذا تمكّن المكلّف من المخالفة القطعيّة دون الموافقة القطعيّة وبين ما إذا تمكّن من الموافقة القطعيّة دون المخالفة القطعيّة. فعلى الأوّل تحرم المخالفة القطعيّة وتجوز الموافقة القطعيّة. وعلى الثاني تجب الموافقة القطعيّة وإن لم تكن المخالفة القطعيّة حراما ، لعجز المكلّف عنها. وهذا مختار السيّد المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ٣٧٥ ـ ٣٧٦.