درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۴: اشتغال ۵

 

البين قطعا ولو لم يجتنب عمّا يلاقيه ، فإنّه على تقدير نجاسته لنجاسته كان فردا آخر من النجس قد شكّ في وجوده ، كشيء آخر شكّ في نجاسته بسبب آخر (١).

ومنه ظهر : أنّه لا مجال لتوهّم أنّ قضيّة تنجّز الاجتناب عن المعلوم هي الاجتناب عنه أيضا ، ضرورة أنّ العلم به إنّما يوجب تنجّز الاجتناب عنه ، لا تنجّز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه ، وإن احتمل (٢).

واخرى يجب الاجتناب عمّا لاقاه دونه (٣) فيما لو علم إجمالا بنجاسته (٤) أو

__________________

(١) والحاصل : أنّه إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائعين المفروض أحدهما في ظرف أبيض والآخر في ظرف أحمر ، ثمّ علم بملاقاة ثوب لما في الأبيض ـ مثلا ـ. فحينئذ وجب الاجتناب عن الملاقى (ما في الأبيض) دون الملاقي (الثوب) ، لأنّ الملاقي (الثوب) على تقدير نجاسته بسبب نجاسة الملاقى (المائع) يكون فردا آخر من أفراد النجس قد شكّ في نجاسته ، كما يشكّ في نجاسة فرد آخر بسبب آخر غير الملاقاة ، فكما لا يجب الاجتناب عن الفرد المشكوك النجاسة بسبب آخر كذلك لا يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب). وأمّا وجوب الاجتناب عن الملاقى فلأنّ المفروض فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال بالنسبة إليه.

(٢) والحاصل : أنّ هاهنا وهم ودفع :

محصّل الوهم : أنّه كما يجب الاجتناب عن الملاقى يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب). والوجه في ذلك أنّ الملاقي من شئون الملاقى ، فيكون الاجتناب عن الملاقي من شئون الاجتناب عن الملاقى ، وحينئذ يكون تنجّز الاجتناب عن الملاقى مقتضيا لتنجّز الاجتناب عن الملاقي.

ومحصّل الدفع : أنّ الموجب لتنجّز الاجتناب هو العلم التفصيليّ أو الإجماليّ بنجاسة الشيء. ولا شكّ في أنّ العلم الإجماليّ انّما يتعلّق بنجاسة أحد ما في الأبيض أو الأحمر. والملاقي لأحدهما فرد من النجس إذا كان الملاقى نجسا واقعا ، وليس بفرد له إذا كان الملاقى طاهرا واقعا. وبما أنّ الملاقاة بعد العلم الإجماليّ بأنّ النجس بينهما فلا يشمل العلم الإجماليّ هذا الفرد الّذي حدوثه غير معلوم ، بل لا يكون في البين إلّا مجرّد الاحتمال. وحينئذ فالعلم إجمالا بنجاسة أحد المائعين واقعا انّما يوجب تنجّز الاجتناب عن المعلوم ـ وهو المائعان ـ ، لا تنجّز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه ـ وهو الملاقى ـ.

(٣) أي : يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب) دون الملاقى (المائع المردّد).

(٤) أي : نجاسة ما لاقاه (الملاقي).

نجاسة شيء آخر ، ثمّ حدث العلم بالملاقاة (١) والعلم بنجاسة الملاقى أو ذاك الشيء أيضا (٢) ، فإنّ حال الملاقى (٣) في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة السابقة في عدم كونه طرفا للعلم الإجماليّ (٤) وأنّه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعا غير معلوم النجاسة أصلا ، لا إجمالا ولا تفصيلا.

وكذا لو علم بالملاقاة ثمّ حدث العلم الإجماليّ ، ولكن كان الملاقى خارجا عن محلّ الابتلاء في حال حدوثه (٥) وصار مبتلى به بعده (٦).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ثمّ حدث الملاقاة». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) مثاله : ما إذا علمنا يوم السبت إجمالا بنجاسة الثوب أو المائع الموجود في الإناء الأبيض ، ثمّ علمنا يوم الأحد بأمرين : (أحدهما) علمنا تفصيلا بملاقاة الثوب للإناء الأحمر في يوم الجمعة.

(ثانيهما) علمنا إجمالا بنجاسة ما في الإناء الأبيض أو ما في الإناء الأحمر في يوم الجمعة.

والمصنّف قدس‌سره حكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي (الثوب) دون الملاقى (ما في الإناء الأحمر). وذلك لأنّ العلم الإجماليّ الأوّل ـ أي العلم الإجماليّ الحادث يوم السبت ـ يوجب تنجّز التكليف ـ وهو النجاسة ـ في طرفيه ـ أي الثوب والإناء الأبيض ـ ، فيجب الاجتناب عن الثوب (الملاقي) والإناء الأبيض. وأمّا الملاقى ـ وهو الإناء الأحمر ـ فهو متعلّق العلم الإجماليّ الثاني ـ أي العلم الإجماليّ الحادث يوم الأحد ـ ، وهو غير منجّز بعد تنجيز العلم الإجماليّ الأوّل الحادث يوم السبت ، فيصير الملاقى مشكوك النجاسة بالشكّ البدويّ ولا مانع من إجراء أصالة الطهارة أو غيرها فيه.

(٣) وإن لم يكن احتمال نجاسة ما لاقاه إلّا من قبل ملاقاته. منه [أعلى الله مقامه].

(٤) أي : عدم كونه طرفا للعلم الإجماليّ المنجّز ، وهو العلم الإجماليّ الأوّل.

(٥) أي : حال حدوث العلم.

(٦) هذا مورد آخر ممّا يجب فيه الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى. مثاله : ما إذا علمنا بغسل ثوب متنجّس بالماء الموجود في الإناء الأبيض ، ثمّ علمنا إجمالا بنجاسة الملاقى ـ أي الماء الموجود في الإناء الأبيض ـ أو نجاسة الماء الموجود في الإناء الأحمر ، لكن كان الملاقى ـ ما في الأبيض ـ حين حدوث العلم الإجماليّ خارجا عن محلّ الابتلاء ، ثمّ صار الإناء الأبيض مبتلى به. فحينئذ يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب) والإناء الأحمر دون الملاقى (الإناء الأبيض) ، لتنجّز نجاستهما بالعلم الإجماليّ الّذي حصل بعد العلم بالملاقاة ، ولوقوع المعارضة بين جريان أصالة الطهارة في الملاقي وجريانها في الماء الموجود في الإناء الأحمر ، فيتساقطان ، ويجب الاجتناب عن كلّ منهما مقدّمة لامتثال الخطاب الفعليّ المعلوم إجمالا. ـ

وثالثة يجب الاجتناب عنهما (١) فيما لو حصل العلم الإجماليّ بعد العلم بالملاقاة ، ضرورة أنّه حينئذ نعلم إجمالا إمّا بنجاسة الملاقي والملاقى أو بنجاسة الآخر كما لا يخفى ، فيتنجّز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين وهو الواحد أو الاثنين (٢).

__________________

ـ وأمّا الملاقى : فلا يكون طرفا للعلم الإجماليّ المنجّز ، ولا تجري فيه أصالة الطهارة ، لأنّ المفروض أنّه خارج عن محلّ الابتلاء ، وإذا كان خارجا عن محلّ الابتلاء لا يترتّب على جريان الأصل فيه أثر فعليّ عمليّ ، ويعتبر في جريان الأصل ترتّب الأثر العمليّ عليه. وعليه فلا يكون الملاقى عدلا للملاقي والطرف الآخر كي يقال : «إنّ أصالة الطهارة تجري فيه أيضا ، وتقع المعارضة بين جريانها فيه وبين جريانها في الملاقي والطرف الآخر ، وإذا تعارضت الاصول الثلاثة يجب الاجتناب عن الملاقي والطرف الآخر والملاقى مقدّمة لحصول امتثال التكليف المعلوم بالإجمال». نعم ، إذا رجع الملاقى إلى محلّ الابتلاء فتجري أصالة الطهارة فيه بلا معارض ، لسقوط الأصل في الطرف الآخر قبل رجوعه إلى محلّ الابتلاء.

وبالجملة : فلا يجب الاجتناب عن الملاقى.

وأورد عليه السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ تبعا للمحقّق العراقيّ بما حاصله : أنّ خروج الشيء عن محلّ الابتلاء لا يكون مانعا عن جريان الأصل فيه إذا كان له أثر فعليّ ، وما نحن فيه كذلك ، فإنّ الملاقى وإن كان خارجا من محلّ الابتلاء ، إلّا أنّه يترتّب على جريان أصالة الطهارة فيه الحكم بطهارة ملاقيه. وإذا جرت أصالة الطهارة فيه فيعارض جريانها في الطرف الآخر ـ أي ما في الإناء الأحمر في المثال السابق ـ ، وبعد سقوطهما يجب الاجتناب عن الملاقى والطرف الآخر ، وتصل النوبة إلى أصالة الطهارة الجارية في الملاقي (الإناء الأبيض) ، فتجري فيه لسقوط معارضها ـ وهو أصالة الطهارة الجارية في الطرف الآخر (الإناء الأحمر) ـ ، فلا يجب الاجتناب عن الملاقي. راجع نهاية الأفكار ٣ : ٣٦٣ ـ ٣٦٤ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٥١ ، مصباح الاصول ٢ : ٤٢٣.

(١) أي : عن الملاقي والملاقى.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «أو الاثنان».

ولا يخفى : أنّ المحقّق النائينيّ ـ تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ ذهب إلى عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة ـ بل في جميع الصور ـ ، بدعوى أنّ الأصل الجاري في الملاقي متأخّر رتبة عن الأصل الجاري في الملاقى ، إذ الشكّ في نجاسة الملاقي ناش عن الشكّ في نجاسة ما لاقاه ولا تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي الّا بعد سقوط الأصل فيما لاقاه ، وبعد سقوطه يجري الأصل في الملاقي بلا معارض. فرائد الاصول ٢ : ٢٤٠ ـ ٢٤٥ ، فوائد الاصول ٤ : ٨٢ ـ ٨٨ ، أجود التقريرات ٣ : ٤٤٦ و ٤٥٠ ـ ٤٥٣. ـ