درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۸: اشتغال ۹

 

جيّدا (١).

[تنبيهات حول مسألة الأقلّ والأكثر]

وينبغي التنبيه على امور :

[التنبيه] الأوّل : [حكم دوران الأمر بين المشروط وغيره أو بين الخاصّ والعامّ]

أنّه ظهر ممّا مرّ (٢) حال دوران الأمر بين المشروط بشيء ومطلقه (٣) ، وبين الخاصّ ـ كالإنسان ـ وعامّه ـ كالحيوان (٤) ـ ، وأنّه لا مجال هاهنا للبراءة

__________________

ـ نسبة المستثنى إلى المستثنى منه ، فيقيّد إطلاق الأدلّة الدالّة على جزئيّة الأجزاء ـ مثل السورة ـ بحديث الرفع ، فهو بعد ضمّها إلى تلك الأدلّة يكون دالّا على اختصاص أدلّة جزئيّة مثل السورة بحال العلم والتذكّر. وأمّا في حال الجهل بجزئيّتها ـ سواء جهل بأصل جزئيّتها في أيّ حال ، أو جهل بجزئيّتها حال النسيان ـ فلا تدلّ تلك الأدلّة على جزئيّتها ، بل يدلّ حديث الرفع على صحّة الامتثال بالأقلّ الخالي عن الجزء المشكوك.

(١) وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ تبعا للمحقّق العراقيّ بأنّ حديث الرفع لا يصلح لأن يكون ناظرا إلى نفي فعليّة التكليف عن الجزء المشكوك واقعا ، إذ مفاد الحديث هو مجرّد الرفع الظاهريّ الثابت في المرتبة المتأخّرة عن الجهل بالواقع ، ومثله لا يصلح لتقييد إطلاق الجزئيّة الواقعيّة المحفوظة حتّى بمرتبة فعليّتها في المرتبة السابقة عن تعلّق الجهل بها. أنوار الهداية ٢ : ٣٠٦ ، نهاية الأفكار ٣ : ٣٩٠ ـ ٣٩١.

ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ قرّب جواز الرجوع إلى البراءة الشرعيّة بوجه آخر. وأورد عليه أيضا المحقّق العراقيّ. وتركنا كلامهما خوفا من التطويل المملّ. وإن شئت فراجع فوائد الاصول وهامشه ٤ : ١٦٢ ـ ١٦٣.

(٢) في مبحث دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

(٣) كما إذا دار الأمر بين أن يكون متعلّق التكليف هو الصلاة متستّرا أو مطلق الصلاة ، أو دار الأمر بين أن يكون المكلّف به هو عتق مطلق الرقبة أو عتق الرقبة المؤمنة.

(٤) كما إذا دار الأمر بين تعلّق التكليف بالتيمّم بالتراب أو تعلّقه بمطلق الأرض الشامل للرمل والحجر وغيرهما ، أو دار الأمر بين تعلّق التكليف بإطعام الحيوان من دون خصوصيّة أو تعلّقه بإطعام الحيوان المتميّز بفصل الناطقيّة.

عقلا ، بل كان الأمر فيهما (١) أظهر ، فإنّ الانحلال المتوهّم في الأقلّ والأكثر لا يكاد يتوهّم هاهنا ، بداهة أنّ الأجزاء التحليليّة لا تكاد تتّصف باللزوم من باب المقدّمة عقلا ، فالصلاة ـ مثلا ـ في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصّة موجودة بعين وجودها وفي ضمن صلاة اخرى فاقدة لشرطها أو خصوصيّتها تكون متباينة للمأمور بها ، كما لا يخفى.

نعم ، لا بأس بجريان البراءة النقليّة في خصوص دوران الأمر بين المشروط وغيره ، دون الدوران بين الخاصّ وغيره (٢) ، لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطيّة ما شكّ في شرطيّته ؛ وليس كذلك خصوصيّة الخاصّ ، فإنّها إنّما تكون منتزعة عن نفس الخاصّ ، فيكون الدوران بينه و [بين] (٣) غيره من قبيل الدوران بين المتباينين (٤) ، فتأمّل

__________________

(١) أي : في دوران الأمر بين المشروط ومطلقه ودورانه بين الخاصّ والعامّ.

(٢) وفي بعض النسخ : «دون دوران الأمر بين الخاصّ وغيره».

(٣) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ ، وانّما أثبتناه تصحيحا للمتن.

(٤) ويتحصّل ما أفاده المصنّف قدس‌سره ذيل امور :

الأوّل : أنّ للمصنّف قدس‌سره دعويين : (إحداهما) عدم جريان البراءة العقليّة في كلا الموردين. (ثانيتهما) جريان البراءة النقليّة في المورد الأوّل دون المورد الثاني.

الثاني : أنّ الوجه في عدم جريان البراءة العقليّة في الموردين عدم وجود القدر المتيقّن في البين لينحلّ العلم الإجماليّ وتجري أصالة البراءة. بخلاف موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، حيث تجري فيها البراءة ، لانحلال العلم الإجماليّ بكون الأقلّ متيقّنا على كلّ تقدير. بيان ذلك : أنّ الأجزاء في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر أجزاء خارجيّة يمكن أن تتّصف بالوجوب على كلّ تقدير ، فتتّصف بالوجوب النفسيّ إذا لم يكن الجزء المشكوك واجبا ، فإنّ الأقلّ حينئذ مقدّمة للأكثر ؛ وحينئذ يمكن دعوى انحلال العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ بوجوب الأقلّ وشكّ بدويّ في وجوب الأكثر. بخلاف الأجزاء في المقام ، فإنّها أجزاء تحليليّة لا ميز لها في الخارج ، ولا وجود لها مستقلّا ، فلا تتّصف بالوجوب النفسيّ ، كما أنّ بعضها ليس مقدّمة لبعض آخر كي تتّصف بالوجوب الغيريّ ، ضرورة أنّ ذاتي المطلق والعامّ ليستا مقدّمتين للمقيّد والخاصّ كي تكونا واجبتين على كلّ تقدير ، بل يعدّ واجد الجزء التحليليّ ـ كالصلاة متستّرا ـ وفاقده ـ أي : الصلاة عريانا ـ من المتباينين ، لا من الأقلّ والأكثر. ـ

جيّدا (١).

__________________

ـ الثالث : أنّ بين المشروط ومطلقه وبين الخاصّ وعامّه فرقا ، وهو يوجب الحكم بجريان البراءة النقليّة في الأوّل وعدمه في الثاني.

وحاصل الفرق بينهما : أنّ الشرطيّة خصوصيّة تنتزع من أمر الشارع ، فتكون قابلة للوضع والرفع بتبع منشأ انتزاعها ـ أي : أمر الشارع ـ ، فلا مانع من نفيه بحديث الرفع عند الشكّ فيه. بخلاف خصوصيّة الخاصّ ، كخصوصيّة الناطقيّة للحيوان ، فإنّها منتزعة عن ذات المأمور به ، لا من أمر خارج عنه كي تكون قابلة للرفع ، وحينئذ يدور الأمر بين وجوب الخاصّ ووجوب العامّ ، فيكونان من قبيل المتباينين ، والاشتغال اليقينيّ يقتضي الإتيان بالخاصّ احتياطا.

(١) لا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف في هذا التنبيه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، فإنّه ذهب إلى جريان البراءة في كلا الموردين. راجع فرائد الاصول ٢ : ٣٥٧.

ولا يخفى أيضا : أنّ الأعلام الثلاثة والسيّدين العلمين خالفوا المصنّف قدس‌سره في المقام :

أمّا المحقّق النائينيّ : فذهب إلى جريان البراءة العقليّة والنقليّة في دوران الأمر بين المشروط ومطلقه ، بدعوى أنّ كلّا من الشرط والجزاء ممّا تناله يد الوضع والرفع التشريعيّين ، ولو بوضع منشأ انتزاعهما ورفعه.

وذهب إلى عدم جريان البراءة في دوران الأمر بين الخاصّ وعامّه. واستدلّ عليه تارة برجوعه إلى دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، لأنّه لا معنى للقول بأنّ تعلّق التكليف بالجنس متيقّن ، فإنّ الجنس لا تحصّل له في الخارج إلّا في ضمن الفصل ، فلا يعقل تعلّق التكليف به إلّا إذا كان متميّزا بفصل ، فتقيّده بالفصل متيقّن ، وإنّما الشكّ في تقيّده بفصل معيّن ـ كالناطقيّة ـ كي يكون المكلّف به هو الحيوان الخاصّ ، أو بفصل من فصوله كي يكون المكلّف به هو الحيوان العامّ ، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير ، والعقل يحكم بالتعيين ، فلا مجال للبراءة. وتارة اخرى بأنّ الترديد بين الجنس والنوع وإن كان بالتحليل العقليّ من الأقلّ والأكثر ، إلّا أنّه بنظر العرف يكون من الترديد بين المتباينين. فوائد الاصول ٤ : ٢٠٨.

ثمّ أنّه تعرّض لأقسام دوران الأمر بين التعيين والتخيير واختار في جميعها الحكم بالتعيين. فراجع فوائد الاصول ٣ : ٤١٧ ـ ٤٣٥.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فإنّه أيضا فصّل بين دوران الأمر بين المشروط ومطلقه وبين دورانه بين الخاصّ وعامّه ، فذهب إلى جريان البراءة ـ عقلا ونقلا ـ في الأوّل وعدم جريانها في الثاني.

واستدلّ على الأوّل بأنّ مرجع الشكّ في شرطيّة شيء للمأمور به إلى الشكّ في أنّ موضوع التكليف النفسيّ هل هو ذات الشيء أو الشيء مقيّدا بشيء آخر ، وحينئذ تجري البراءة.

واستدلّ على الثاني بعدم تحقّق ملاك الأقلّ والأكثر فيه ، فإنّ الملاك هو كون الأقلّ على ـ

__________________

ـ نحو يكون سوى حدّه الأقلّيّة محفوظا في ضمن الأكثر ، وهو مفقود في المقام ، لأنّ الطبيعيّ المطلق بما هو جامع الحصص لا يكون محفوظا في ضمن زيد مثلا ، بل انّما المحفوظ في ضمنه هو الحصّة الخاصّة من الطبيعيّ ، فلا يندرج في الأقلّ والأكثر ويرجع إلى الاحتياط. نهاية الأفكار ٣ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧.

وفصّل بينهما المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٦٥٤ ـ ٦٥٧.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى جريان البراءة في كلا الموردين. واستدلّ عليه بما لفظه : «أنّ ملاك جريان البراءة موجود في جميع الموارد المتقدّمة ، فإنّ جميع الأمثلة في الوجود الخارجيّ موجودة بوجود واحد ، وفي الانحلال العقليّ تنحلّ إلى المعلوم والمشكوك فيه ، فالصلاة المشروطة بالطهارة عين الصلاة في الخارج ، كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه ، والإنسان عين الحيوان ؛ وإنّما الفرق في التحليل العقليّ ، وهو أيضا في جميعها على السواء ، فكما تنحلّ الصلاة المشروطة بالصلاة والاشتراط كذا ينحلّ الإنسان بالحيوان والناطق. ففي جريان البراءة وعدم تماميّة الحجّة بالنسبة إلى الزائد لا فرق بين جميع الموارد». أنوار الهداية ٢ : ٣١٤ ، تهذيب الاصول ٢ : ٤٠١.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فذهب إلى جريان البراءة العقليّة والنقليّة في دوران الأمر بين المشروط ومطلقه ، سواء كان ما يحتمل دخله في المأمور به على نحو الشرطيّة موجودا مستقلّا ، كما إذا احتمل دخل التستّر في الصلاة ، أو لم يكن موجودا مستقلّا عن المأمور به بل كان من مقوّماته الداخلة في حقيقته ، كما إذا احتمل اعتبار الإيمان في عتق الرقبة.

وأمّا في دوران الأمر بين الخاصّ والعامّ فبعد تسليم رجوع دوران الأمر بينهما إلى دوران الأمر بين التخيير والتعيين أشار إلى حكم ما ذكره المحقّق النائينيّ من الأقسام الثلاثة لدوران الأمر بين التخيير والتعيين :

القسم الأوّل : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مرحلة الجعل في الأحكام الواقعيّة ، كما إذا شكّ في أنّ صلاة الجمعة في عصر الغيبة هل هي واجب تعيينيّ أو تخييريّ. فالمرجع حينئذ هو البراءة عن وجوب الإتيان بخصوص ما يحتمل كونه واجبا تعيينا.

القسم الثاني : ما إذا دار الأمر بينهما في مرحلة الجعل في الأحكام الظاهريّة ومقام الحجّيّة ، كما إذا شكّ في أنّ تقليد الأعلم واجب تعيينيّ أو واجب تخييريّ. والحقّ فيه هو الحكم بالتعيين.

القسم الثالث : ما إذا دار الأمر بينهما في مقام الامتثال لأجل التزاحم ، كما إذا كان هناك غريقان يحتمل كون أحدهما بعينه نبيّا ، ولم نتمكّن إلّا من إنقاذ أحدهما ، فيدور الأمر بين وجوب إنقاذه تعيينا أو تخييرا بينه وبين الآخر. والحكم حينئذ هو التعيين أيضا. راجع ـ