درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۹: اشتغال ۱۰

 

الثاني : [حكم الجزء أو الشرط المتروك نسيانا]

أنّه لا يخفى أنّ الأصل فيما إذا شكّ في جزئيّة شيء أو شرطيّته في حال نسيانه عقلا ونقلا (١) ما ذكر في الشكّ في أصل الجزئيّة أو الشرطيّة ؛ فلو لا مثل حديث الرفع مطلقا و «لا تعاد» في الصلاة (٢) لحكم عقلا بلزوم إعادة ما اخلّ بجزئه أو شرطه نسيانا ، كما هو الحال فيما ثبت شرعا جزئيّته أو شرطيّته مطلقا ، نصّا (٣) أو إجماعا (٤).

ثمّ لا يذهب عليك (٥) : أنّه كما يمكن رفع الجزئيّة أو الشرطيّة في هذا الحال

__________________

ـ تفصيل كلامه في دراسات في الاصول ٣ : ٤٣٦ ـ ٤٤٦.

(١) قيدان لقوله : «الأصل».

(٢) أي : ومثل حديث لا تعاد في الصلاة. وإليك نصّ الحديث : «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود». تهذيب الأحكام ٢ : ١٦١ ، الحديث ٥٩٧ ؛ وسائل الشيعة ١ : ٢٦٠ ، الباب ٣ من أبواب الوضوء ، الحديث ٨.

(٣) كالخمسة المستثناة في حديث «لا تعاد».

(٤) كتكبيرة الإحرام ، فإنّها ممّا قام الإجماع على اعتباره ، ويعمّ معقده جميع الحالات.

(٥) لا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره بقوله : «ثمّ لا يذهب عليك» تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ. وتوضيح وجه التعريض موقوف على بيان محلّ البحث وذكر ما ذهب إليه الشيخ الأعظم وإيضاح ما أفاده المصنّف قدس‌سره في المقام.

أمّا محلّ البحث : فهو في أنّه إذا ثبت جزئيّة شيء أو شرطيّته ودار الأمر بين كون الجزئيّة مطلقة ليبطل العمل بفقدانه ولو في حال النسيان وبين كونها مختصّة بحال الذكر ليختصّ البطلان بصورة تركه عمدا ، فهل القاعدة تقتضي الإطلاق ما لم يثبت التقييد بدليل خاصّ أو تقتضي الاختصاص بحال الذكر ما لم يثبت الإطلاق بدليل خاصّ؟ ومنشأ النزاع أنّه هل يمكن تعلّق التكليف وتوجيه الخطاب بالناقص إلى الناسي ، فيصر الواجب ما عدا الجزء أو الشرط المنسيّ ، ولا يجب إعادته بعد التذكّر ، أو لا يمكن توجيه التكليف إليه كذلك ، بل التكليف ساقط عنه وإذا التفت وجب عليه إعادة المأمور به؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى استحالة تعلّق التكليف بالناسي بعنوان الناسي. واستدلّ عليه بأنّ الناسي لا يمكن أن يلتفت إلى نسيانه في حال النسيان ، بل بمجرّد الالتفات إلى نسيانه يزول النسيان وينقلب إلى الذاكر. وبما أنّ التكليف إليه لا يمكن أن يكون باعثا ومحرّكا للعبد نحو ـ

بمثل حديث الرفع ، كذلك يمكن تخصيصها (١) بهذا الحال بحسب الأدلّة الاجتهاديّة ؛ كما إذا وجّه الخطاب على نحو يعمّ الذاكر والناسي بالخالي عمّا شكّ في دخله مطلقا ، وقد دلّ دليل آخر على دخله في حقّ الذاكر ؛ أو وجّه إلى الناسي خطاب يخصّه بوجوب الخالي بعنوان آخر عامّ أو خاصّ ، لا بعنوان الناسي كي يلزم استحالة إيجاب ذلك عليه بهذا العنوان ، لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة ؛ كما توهّم لذلك استحالة تخصيص الجزئيّة أو الشرطيّة بحال الذكر وإيجاب العمل الخالي عن المنسيّ على الناسي ، فلا تغفل(٢).

__________________

ـ العمل إلّا مع الالتفات إليه وإلى موضوعه ، وما لم يمكن الانبعاث لا يمكن البعث بالضرورة ، فلا يمكن توجيه التكليف إليه فعلا. فرائد الاصول ٢ : ٣٦٣.

ولكن ذهب المصنّف قدس‌سره إلى إمكان توجيه التكليف بالناقص إلى الناسي لا بعنوان الناسي ، بل بأحد طريقين :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «كما إذا وجّه الخطاب ...». وحاصله : أن يتعلّق التكليف بما عدا الجزء المنسيّ ، سواء كان المكلّف ذاكرا أو ناسيا ، ثمّ يتعلّق تكليف آخر لخصوص الذاكر بالجزء الّذي يذكره ، فيختصّ الناسي بالتكليف بما عدا الجزء المنسيّ بعنوان أنّه مكلّف لا بعنوان أنّه ناس.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «أو وجّه إلى الناسي ...». وحاصله : أن يوجّه الخطاب بالناقص إلى الناسي لا بعنوان الناسي ، بل بعنوان آخر ملازم للنسيان واقعا ، كقليل الحافظة أو بلغمي المزاج وغيرهما ، فيكون الخطاب باعثا ومحرّكا حال النسيان.

والحاصل : أنّه يمكن اختصاص الجزئيّة أو الشرطيّة بحال الذكر وتخصيصها بحال النسيان ، فيقال : «لا يعتبر الجزء والشرط في المأمور به إلّا في حال النسيان».

وممّا ذكرنا يظهر أنّه يمكن الجمع بين كلام الشيخ وكلام المصنّف قدس‌سره ، بأن يقال : «توجّه التكليف إلى الناسي بعنوان الناسي محال ، وبعنوان آخر ممكن».

(١) وفي بعض النسخ : «تخصيصهما». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) وقد وقع كلام الشيخ والمصنّف مورد النقض والإبرام عند المحقّقين من الأعلام ، فذكروا وجوها أخر في إثبات إمكان توجيه التكليف إلى الناسي وجريان البراءة في الجزء أو الشرط المنسيّ. فراجع فوائد الاصول ٤ : ٢١٠ ، نهاية الأفكار ٣ : ٤٢٠ ـ ٤٢٢ ، نهاية الدراية ٢ : ٦٥٩ ـ ٦٦٦ ، أجود التقريرات ٢ : ٣٠٤ ـ ٣١٠ ، درر الفوائد ٢ : ١٤١ ـ ١٤٣ ، أنوار الهداية ٢ : ٣٣٣ ـ ٣٤٧ ، مصباح الاصول ٢ : ٤٦٠ ـ ٤٦٥ ، مجمع الأفكار ٣ : ٥٦٢ ـ ٥٦٦.

الثالث : [حكم زيادة الجزء عمدا أو سهوا]

انّه ظهر ممّا مرّ حال زيادة الجزء إذا شكّ في اعتبار عدمها شرطا أو شطرا في الواجب مع عدم اعتباره في جزئيّته (١) ، وإلّا لم يكن من زيادته بل من نقصانه ، وذلك لاندراجه في الشكّ في دخل شيء فيه جزءا أو شرطا ، فيصحّ لو أتى به مع الزيادة عمدا تشريعا ، أو جهلا ـ قصورا أو تقصيرا أو سهوا ، وإن استقلّ العقل ـ لو لا النقل (٢) ـ بلزوم الاحتياط لقاعدة الاشتغال (٣).

نعم ، لو كان عبادة وأتى به كذلك على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه (٤) ، لكان باطلا مطلقا ، أو في صورة عدم دخله فيه (٥) ، لعدم قصد الامتثال (٦) في هذه الصورة ، مع استقلال العقل بلزوم الإعادة مع اشتباه الحال ،

__________________

(١) أي : مع عدم اعتبار عدم زيادة الجزء في جزئيّة الجزء. والمراد أنّه يعتبر أن لا يكون الجزء الزائد الّذي شكّ في اعتبار عدم زيادته مقيّدا بقيد الوحدة ، كالركوع ، فإنّه يعتبر في جزئيّة الركوع قيد الوحدة ، بحيث لو أتى به مرّتين صدق عليه نقص الجزء ، لأنّ إتيانه مرّتين يوجب بطلانه رأسا ، فيصدق أنّ الصلاة فاقدة للركوع.

(٢) وفي بعض النسخ : «لولاه».

(٣) والحاصل : أنّ المجرى فيه أصالة البراءة الشرعيّة دون العقليّة ، فلولا البراءة النقليّة القاضية بعدم مانعيّة الزيادة كان مقتضى الاحتياط العقليّ بطلان الواجب ولزوم إعادته.

(٤) أي : نعم ، إذا لم يكن الواجب توصّليّا بل كان عبادة وأتى به مع الزيادة ـ عمدا تشريعا أو جهلا أو سهوا ـ بقصد كونها جزءا للواجب بحيث لو لم تكن الزيادة جزءا للواجب ودخيلا فيه لم يكن وجوب الواجب داعيا ومحرّكا للمكلّف إلى الواجب.

(٥) أي : عدم دخل الزائد في الواجب.

ولعلّ الوجه في ترديد المصنّف قدس‌سره أنّه على القول باعتبار الجزم في النيّة يكون الواجب باطلا مطلقا ، لعدم تحقّقه على كلّ حال ، ضرورة أنّه لم يقصد امتثال الأمر ، فلم يحقّق الجزم.

وعلى القول بعدم اعتبار الجزم في النيّة يكون الواجب باطلا في خصوص صورة عدم دخله واقعا ، إذ في صورة الدخل لا قصور في الامتثال ، لوجود قصد الأمر في المأتيّ به.

(٦) وفي بعض النسخ : «لعدم قصور الامتثال». والصحيح ما أثبتناه ، أو ما في بعض النسخ : «ولعدم تصوّر الامتثال».

لقاعدة الاشتغال. وأمّا لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أيّ حال ، كان صحيحا ، ولو كان مشرّعا في دخله الزائد فيه بنحو مع عدم علمه بدخله ، فإنّ تشريعه في تطبيق المأتيّ مع المأمور به ، وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرّب به على كلّ حال (١).

ثمّ إنّه ربّما تمسّك لصحّة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحّة (٢). وهو

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ كلام المصنّف قدس‌سره في المقام ناظر إلى ما أفاده الشيخ الأعظم والإيراد عليه.

توضيحه : أنّ الشيخ الأعظم ـ بعد ما أشار إلى اعتبار قصد الجزئيّة في صدق الزيادة وأنّ الإتيان بصورة الجزء بلا قصد الجزئيّة لا يحقّق الزيادة ـ ذكر أنّ الزيادة العمديّة تتصوّر على وجوه ثلاثة :

الأوّل : أن يأتي بالجزء الزائد بقصد كونه جزءا مستقلّا ، كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا أنّ الواجب في كلّ ركعة ركوعان.

الثاني : أن يأتي به بقصد كون المجموع من المزيد والمزيد عليه جزءا واحدا ، كما لو اعتقد أنّ الواجب في الصلاة جنس الركوع الصادق على الواحد والمتعدّد.

الثالث : أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد عليه.

ثمّ حكم بفساد العبادة في الصورة الاولى مطلقا ، وعدم فسادها في الصورتين الأخيرتين.

واستدلّ على الفساد في الصورة الاولى بأنّ ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد. راجع فرائد الاصول ٢ : ٣٧٠ ـ ٣٧١.

والمصنّف قدس‌سره لم يذهب إلى الفساد في الصورة الاولى بقول مطلق ، بل فصّل في المقام بأنّ الواجب لو كان توصّليّا فالعمل صحيح في جميع الصور المذكورة ، وأمّا لو كان عبادة فلا يخلو : إمّا أن يأتي المكلّف بالمركّب المشتمل على الجزء الزائد بداعي الأمر المتعلّق بهذا المركّب ، بنحو لو كان الأمر متعلّقا بالمركّب الخالي عن الجزء الزائد لم يكن في مقام امتثاله ، فحينئذ يكون العمل باطلا ، إذ المكلّف لم يقصد الأمر الواقعيّ على ما هو عليه ، بل قصد أمرا لا ثبوت له في الواقع.

وإمّا أن يأتي بالمركّب بداعى الأمر الواقعيّ المتعلّق به ، فيقصد إتيان العمل العباديّ على ما هو عليه في الواقع ، غاية الأمر يعتقد أنّ الأمر الواقعيّ هو الأمر المتعلّق بالمركّب المشتمل على الزائد من جهة الخطأ أو التشريع في مقام التطبيق. فحينئذ يكون العمل صحيحا ، لأنّه أتى بالواجب الواقعيّ على ما هو عليه ، وقصد الزيادة من جهة الخطأ في التطبيق ، وهو لا يضرّ في قصد الامتثال والتقرّب.

(٢) تمسّك به الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٢٧٣. وصحّحه المحقّق العراقيّ وذهب إلى جريانه. راجع نهاية الأفكار ٣ : ٤٦٧ و ٤ : ٢٤١.

لا يخلو من كلام ونقض وإبرام خارج عمّا هو المهمّ في المقام ، ويأتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب إن شاء الله تعالى (١).

الرابع : [حكم الشكّ في كون الجزء أو الشرط ركنا]

[المختار : البراءة عن الباقي]

أنّه لو علم بجزئيّة شيء أو شرطيّته في الجملة ودار الأمر بين (٢) أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا ولو في حال العجز عنه ، وبين أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكّن منه ـ فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأوّل ، لعدم القدرة حينئذ على المأمور به ، لا على الثاني فيبقى متعلّقا بالباقي (٣) ـ ، ولم يكن هناك ما يعيّن أحد الأمرين من إطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا ، أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله ، لاستقلّ (٤) العقل بالبراءة عن الباقي ، فإنّ العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان.

لا يقال : نعم ، ولكنّ قضيّة مثل حديث الرفع عدم الجزئيّة أو الشرطيّة إلّا في حال التمكّن منه (٥).

فإنّه يقال : إنّه لا مجال هاهنا لمثله ، بداهة أنّه ورد في مقام الامتنان ، فيختصّ بما يوجب نفي التكليف ، لا إثباته.

__________________

(١) لا يخفى : أنّ المصنّف قدس‌سره لم يتعرّض لتحقيقه في مبحث الاستصحاب. وإن شئت تحقيق المطلب فراجع نهاية الدراية ٢ : ٦٧٧ ـ ٦٩٣ ، فوائد الاصول ٤ : ٢٣٢ ـ ٢٣٣.

(٢) وفي بعض النسخ : «ودار بين».

(٣) وفي بعض النسخ : «معلّقا بالباقي». والأولى ما أثبتناه.

(٤) جواب قوله : «لو علم ...».

(٥) وبما أنّ المكلّف متعذّر من إتيان الجزء فيرفع جزئيّة الجزء المتعذّر في حال التعذّر ويثبت ما عدا المتعذّر من الأجزاء والشرائط.

وأجاب المحقّق الاصفهانيّ عن الإشكال المذكور بوجهين آخرين أيضا. فراجع نهاية الدراية ٢ : ٦٩٥ ـ ٦٩٦.