درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱: اصل برائت ۱

 

[مقدّمة]

[في تعريف الاصول العمليّة]

وهي الّتي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل ، ممّا دلّ عليه حكم العقل أو عموم النقل (١).

__________________

(١) قوله : «ممّا دلّ عليه حكم العقل أو عموم النقل» بيان لقوله : «الّتي ينتهي إليها المجتهد».

والمراد بالموصول «ما» هو الأحكام الكلّيّة الّتي دلّ عليها حكم العقل كالبراءة العقليّة ، فإنّها حكم كلّيّ يدلّ عليها حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، أو عموم النقل كالبراءة الشرعيّة ، فإنّها حكم كلّي يدلّ عليها مثل حديث الرفع.

وغرض المصنّف رحمه‌الله من هذه العبارة أمران : إدراج الاصول العمليّة في المسائل الاصوليّة ، وإخراجها عن القواعد الفقهيّة.

أمّا الأوّل : فلأنّ الاصول العمليّة وظائف مجعولة للجاهل بالحكم الشرعيّ في مقام العمل بعد اليأس عن الظفر بدليل على حكم موضوع ، فلا تقع في طريق استنباط الأحكام. فلا بدّ من تعميم القواعد الاصوليّة لما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص عن الدليل على الحكم وعدم الظفر به كي تندرج الاصول العمليّة في المسائل الاصوليّة. فحاول المصنّف رحمه‌الله إدراجها في المسائل الاصولية بتعميم القواعد الاصوليّة والقول ب «أنّها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو الّتي ينتهي إليها في مقام العمل». راجع الجزء الأوّل : ٢٤.

وأمّا الثاني : فلأنّ القواعد الفقهيّة وظائف ابتدائيّة للعمل ، فلا ينتهي إليها الفقيه بعد الفحص عن الدليل على حكم العمل ، لعدم ترتّبها على الشيء بما أنّه مجهول الحكم. بخلاف الاصول العلميّة ، فإنّها وظائف ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص عن الدليل وعدم الظفر به ، بحيث يكون الشيء مجهول الحكم. ـ

والمهمّ منها أربعة ، فإنّ مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكميّة (١)

__________________

ـ ولا يخفى : أنّ تفصيل البحث عن كون الاصول العلميّة من المسائل الاصوليّة أو من القواعد الفقهيّة لا يسعه المقام ، بل خارج عن المقصود. ويمكن أن يقال : إنّ إكمال الدين وإتمام النعمة على العالمين بإنزال القرآن الكريم وإرسال الرسول الخاتم يقتضي رفع تحيّر المكلّفين في مقام العمل بالأحكام الشرعيّة. ومعلوم أنّ كلّ مكلّف ـ لو خلّي وطبعه ـ كان جاهلا بالأحكام الشرعيّة والوظائف الفعليّة ، كما كان جاهلا بغيرها من المعلومات. وهو بما يكون متشرّعا يعلم علما إجماليّا بتوجّه تكاليف فعليّة شرعيّة إليه ، فيجب عليه ـ بمقتضى حكم العقل بلزوم إطاعة المولى الّتي لا تتحقّق إلّا بامتثال تلك التكاليف الفعليّة الثابتة له ـ أن يسعى إلى تحصيل المعرفة بها ، فيجب عليه تعلّمها بالفحص عن أدلّتها من الكتاب والسنّة والإجماع إذا تمكّن من الفحص ، وإلّا يجب عليه تقليد من يطمئنّ إليه من المجتهد أو العمل بالاحتياط.

وإذا سعى إلى تعلّم الأحكام وفحص عن أدلّتها إمّا أن يظفر بما يدلّ على ثبوت أحكام خاصّة لموضوعات خاصّة ، وهي «المسائل الفقهيّة» ، ويجب العمل بها ؛ وإمّا أن يظفر بما يدلّ على ثبوت أحكام كلّيّة فعليّة يمكن انطباقها على مصاديق متعدّدة ، وهي «القواعد الفقهيّة».

غاية الأمر أنّ القواعد الفقهيّة ـ وهي الأحكام الشرعيّة الكلّيّة والوظائف العمليّة ـ قسمان :

الأوّل : الوظائف الفعليّة المجعولة الّتي تثبت للموضوعات ابتداء بالظفر بأدلّتها من العمومات والإطلاقات ، كما هو حال أكثر القواعد الفقهيّة.

الثاني : الوظائف الفعليّة المجعولة الّتي تثبت للموضوعات بالظفر بما يدلّ على ثبوتها حين عدم قيام دليل خاصّ أو دليل عامّ عليها ابتداء ، كالظفر بأدلّة البراءة أو الظفر بأدلّة الاحتياط أو الظفر بأدلّة الاستصحاب وهكذا ...

وبالجملة : يمكن اندراج الاصول العمليّة في القواعد الفقهيّة ، لأنّها ليست إلّا أحكام كلّيّة ووظائف فعليّة عمليّه لمن تتّبع عن حكم موضوع وظفر بالدليل عليها ، كسائر القواعد الفقهيّة. فلا امتياز للاصول العمليّة عن القواعد الفقهيّة.

(١) لا يقال : إنّ قاعدة الطهارة مطلقا تكون قاعدة في الشبهة الموضوعيّة ، فإنّ الطهارة والنجاسة من الموضوعات الخارجيّة الّتي يكشف عنها الشرع.

فإنّه يقال : أوّلا : نمنع ذلك ، بل إنّهما من الأحكام الوضعيّة الشرعيّة. ولذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما ، كما لا يخفى. وثانيا : إنّهما لو كانتا كذلك فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على إحداهما كانت حكميّة ، فإنّه لا مرجع لرفعها إلّا الشارع ، وما كانت كذلك ليست إلّا حكميّة. منه [أعلى الله مقامه].

وإن كان ممّا ينتهي إليها (١) فيما لا حجّة على طهارته ولا على نجاسته ، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ ، حيث إنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض وإبرام. بخلاف الأربعة ـ وهي البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب ـ ، فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب ، ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان ومئونة حجّة وبرهان ، هذا. مع جريانها في كلّ الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها (٢) ، فافهم (٣).

__________________

(١) قوله : «وإن كان ممّا ينتهي إليه ...» مشعر بأنّ المجتهد قد ينتهي إلى غير أصل الطهارة فيما لا حجّة على طهارته ولا على نجاسته ، فإنّ المجتهد حينئذ قد ينتهي إلى قاعدة الطهارة وهو فيما إذا لم يكن للمكلّف حالة سابقة معلومة ، وقد ينتهي إلى قاعدة الاستصحاب ، وهو فيما إذا كان للمكلّف حالة سابقة معلومة.

(٢) والحاصل : أنّ مثل قاعدة الطهارة وإن كان ممّا ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل ، فكان من المسائل الاصوليّة ، ولكن لم يتعرّضوا لها ـ بل حصروا الاصول في الأربعة ـ لوجهين :

الأوّل : أنّ مثل قاعدة الطهارة ثابتة عند الكلّ من دون خلاف فيها ، فلا تحتاج إلى النقض والإبرام ، بخلاف الاصول العمليّة ، فإنّها محلّ البحث وتحتاج إلى النقض والإبرام.

الثاني : أنّ مثل هذه القاعدة مختصّ ببعض أبواب الفقه ـ أي باب الطهارة ـ ، بخلاف الاصول الأربعة ، فإنّها عامّة لجميع أبواب الفقه.

وكان الأولى سوق العبارة هكذا : «فإنّ مثل قاعدة الطهارة ... وإن كان ما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل ، إلّا أنّ البحث عن مثله ليس بمهمّ ، حيث كان ثابتا بلا خلاف من دون حاجة إلى النقض والإبرام. بخلاف الاصول الأربعة ... هذا. مع اختصاص مثل تلك القاعدة ببعض أبواب الفقه وجريان الاصول الأربعة في كلّ الأبواب».

(٣) لعلّه إشارة إلى ما في الوجهين :

أمّا الأوّل : فلأنّ كثيرا من القواعد الّتي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل يحتاج إلى النقض والإبرام ، كقاعدة الحلّيّة وقاعدة اليد وقاعدة الفراش وأمثالها ، فإنّ فيها مباحث دقيقة علميّة ، كما لا يخفى.

وأمّا الثاني : فلأنّ الكلام ليس في خصوص ما لا يجري إلّا في باب واحد أو بابين كقاعدة الطهارة وقاعدة الفراغ ، بل الكلام في أمثالها من القواعد الّتي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل. ولا شكّ أنّ كثيرا منها يجري في جميع أبواب الفقه ، كقاعدة لا حرج وقاعدة لا ضرر وقاعدة التقيّة وغيرها.

فصل

[في أصالة البراءة]

لو شكّ في وجوب شيء أو حرمته (١) ولم تنهض حجّة عليه ، جاز شرعا

__________________

(١) لا يخفي : أنّ جمع الوجوب والحرمة في فصل وعدم عقد فصل لكلّ منهما على حدة ، وكذا جمع فقد النصّ وإجماله في عنوان عدم الحجّة إنّما هو لأجل عدم الحاجة إلى ذلك بعد الاتّحاد فيما هو الملاك وما هو العمدة من الدليل على المهمّ. واختصاص بعض شقوق المسألة بدليل أو بقول لا يوجب تخصيصه بعنوان على حدة. وأمّا ما تعارض فيه النصّان فهو خارج عن موارد الاصول العمليّة المقرّرة للشاكّ على التحقيق فيه من الترجيح أو التخيير ، كما أنّه داخل فيما لا حجّة فيه ، بناء على سقوط النصّين عن الحجّيّة. وأمّا الشبهة الموضوعيّة فلا مساس لها بالمسائل الاصوليّة ، بل فقهيّة ، فلا وجه لبيان حكمها في الاصول إلّا استطرادا ، فلا تغفل. منه [أعلى الله مقامه].

حاصل ما أفاده المصنّف في الهامش تعريض بما صنعه الشيخ الأعظم الأنصاريّ من تقسيم الشكّ في التكليف إلى أقسام ثمانية والتعرّض للبحث عن كلّ قسم مستقلّا ، فأفاد أنّ الشبهة إمّا تحريميّة أو وجوبيّة ، وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون منشأ الشكّ فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصّين أو الامور الخارجيّة. فرائد الاصول ٢ : ١٧ ـ ١٨.

وخالفه المصنّف رحمه‌الله في المقام ، فجعل البحث عامّا لمطلق الشكّ في التكليف الجامع بين جميع الأقسام المذكورة ، إلّا فرض تعارض النصّين ، فأخرجه من هذا البحث بدعوى عدم كونه من مجاري أصالة البراءة ، بل يكون من مباحث التعادل والتراجيح ، فيرجع فيه إلى المرجّحات ، ومع فقدها يتخيّر.

واختلفت الأعلام من المعاصرين في المقام. فبعضهم وافق الشيخ الأنصاريّ وتعرّض للبحث عن كلّ قسم مستقلّا ، كالمحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٣ : ٣٢٨. وبعض آخر ـ

وعقلا ترك الأوّل (١) وفعل الثاني (٢) ، وكان مأمونا من عقوبة مخالفته ، كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ (٣) ، أو إجماله واحتماله الكراهة أو الاستحباب ، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح ، بناء على التوقّف في مسألة تعارض النصّين فيما لم يكن ترجيح في البين ؛ وأمّا بناء على التخيير ـ كما هو المشهور ـ فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها ، لمكان وجود الحجّة المعتبرة وهو أحد النصّين فيها ، كما لا يخفى.

[أدلّة جريان البراءة في الشكّ في التكليف]

[الدليل الأوّل : الكتاب]

وقد استدلّ على ذلك بالأدلّة الأربعة :

أمّا «الكتاب» : فبآيات (٤) ، أظهرها : قوله تعالى : ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ

__________________

ـ منهم وافق المصنّف رحمه‌الله ورجّح تعميم البحث لمطلق الشكّ في التكليف وتعنونه بعنوان واحد ، كالسيّدين العلمين ـ الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ـ في أنوار الهداية ٢ : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ، ومصباح الاصول ٢ : ٢٥٢ ـ ٢٥٣.

(٢) وهو ما شكّ في حرمته مع العلم بعدم وجوبه.

(٣) الأولى أن يقول : «فقدان الدليل».

(٤) منها : قوله تعالى : ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ الاسراء / ١٥. وسيأتي البحث عن دلالتها.

ومنها : قوله تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها﴾ الطلاق / ٧. وهذه الآية وقعت معركة الآراء ومورد النقض والإبرام بين الأعلام.

ويمكن الاستدلال بها بأحد التقريبين :

الأوّل : أنّ المراد من «الموصول» في قوله تعالى : ﴿ما آتاها﴾ هو التكليف ، كما أنّ المراد من قوله ﴿آتاها﴾ هو الإيصال والإعلام. فيكون معنى الآية : لا يكلّف الله نفسا إلّا بتكليف أعلمه الله وأوصله إلى المكلّف. ومعلوم أنّ في حال الجهل لا يكون التكليف واصلا ، فلا تكليف به.