درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۴: اصل برائت ۴

 

فإنّه يقال : هذا إذا لم يكن إيجابه (١) طريقيّا ، وإلّا فهو (٢) موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول ، كما هو الحال في غيره من الإيجاب والتحريم الطريقيّين ، ضرورة أنّه كما يصحّ أن يحتجّ بهما (٣) صحّ أن يحتجّ به ويقال : «لم أقدمت مع إيجابه؟» ، ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان كما يخرج بهما.

وقد انقدح بذلك : أنّ رفع التكليف المجهول كان منّة على الامّة حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيّته من إيجاب الاحتياط ، فرفعه (٤) ،

__________________

ـ الاحتياط ، ولا يوجب رفع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول. وذلك لأنّ هنا حكمين : (أحدهما) التكليف الواقعيّ المجهول. و (ثانيهما) وجوب الاحتياط في ظرف الجهل بالحكم الواقعيّ. ولمّا كانت المؤاخذة معلولا لوجوب الاحتياط فكان رفع وجوبه علّة لارتفاع المؤاخذة على نفس وجوب الاحتياط ، لا لارتفاع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول. فلا يكون رفع وجوب الاحتياط دليلا على رفع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ. وإذن فلا يصحّ مخالفة التكليف الواقعيّ المجهول.

(١) أي : إيجاب الاحتياط.

(٢) الضمير يرجع إلى إيجاب الاحتياط. والأولى أن يقول : «هذا إذا كان إيجابه نفسيّا ، وإلّا فهو ...» أي : عدم كون إيجاب الاحتياط مستتبعا لاستحقاق المؤاخذة على مخالفة التكليف الواقعيّ المجهول موجّه فيما إذا كان إيجاب الاحتياط نفسيّا ، فيقال بثبوت المؤاخذة على مخالفة نفسه. وأمّا إذا لم يكن إيجابه نفسيّا بل كان طريقيّا ـ كما هو الحقّ ـ فإيجابه إنّما يوجب استحقاق المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول ، لا على مخالفة نفسه ، إذ الوجوب الطريقيّ تابع للواقع ولا يترتّب عليه غير ما يترتّب على موافقة الواقع ومخالفته.

ولا يخفى عليك : أنّ كون إيجابه طريقيّا ـ بمعنى إيجابه لأصل التحفّظ على الواقع وعدم الوقوع في مخالفة الحرام أو الوجوب ـ لا يخلو من الإشكال. وذلك لما مرّ من أنّ الاصول العمليّة ليست إلّا قواعد فقهيّة ووظائف فعليّة مجعولة تثبت للموضوعات بعد عدم الظفر بما يدلّ على ما يصدر لها من الحكم ابتداء ، لا الدليل الظنيّ ولا الدليل القطعيّ ، فوجوب الاحتياط حكم فعليّ ثبت لمن تتبّع عن حكم موضوع ولم يظفر بدليل عليه ، بحيث ليست وظيفته الفعليّة الحقيقيّة في الحال إلّا الاحتياط.

(٣) بأن يقول المولى : «لم ما طهرت حتّى تصلّي؟» أو يقول : «لم ألقيت نفسك من السطح حتّى تقتل؟».

(٤) أي : أنّ الحكم الواقعيّ يقتضي إيجاب الاحتياط في ظرف الجهل ، فإيجاب الاحتياط ـ

فافهم (١).

ثمّ لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير «المؤاخذة» ولا غيرها من الآثار الشرعيّة في «ما لا يعلمون» (٢) ، فإنّ ما لا يعلم من التكليف مطلقا ـ كان في الشبهة الحكميّة

__________________

ـ من آثار التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل به ، وكان له تعالى وضع التكليف الواقعيّ المجهول على العباد بوضع ما يقتضيه من إيجاب الاحتياط ، فرفع التكليف الواقعيّ المجهول برفع مقتضاه ـ أي رفع إيجاب الاحتياط ـ ، وهذا منّة منه على العباد.

(١) لعلّه إشارة إلى ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ. وحاصله : أنّ إيجاب الاحتياط ليس من مقتضيات التكليف الواقعيّ وآثاره ، لا بمعنى المسبّب بالإضافة إلى سببه ، لأنّ السبب الفاعليّ لكلّ حكم هو الحاكم ، ولا بمعنى ذي الغاية بالإضافة إلى الغاية الداعية إليه ، لأنّ التكليف الواقعيّ المجهول ليس من الفوائد المترتّبة على إيجاب الاحتياط كي يكون اقتضائه له بهذا النحو من الاقتضاء ، ولا بمعنى مطلق الأثر المترتّب الشامل للحكم بالإضافة إلى موضوعه ، لأنّ إيجاب الاحتياط ليس حكما متعلّقا بالتكليف الواقعيّ المجهول. بل المعقول أنّ الغرض الباعث على التكليف كما يدعو إلى جعل التكليف كذلك يدعو إلى إيصاله بإيجاب الاحتياط الواصل المبلّغ له إلى مرتبة الفعليّة والتنجّز ، فكلا الإيجابين من مقتضيات الموضوع ، لأنّ أحدهما من مقتضيات الآخر. نهاية الدراية ٢ : ٤٣٤ ـ ٤٣٥.

ويمكن أن يقال : إنّ إيجاب الاحتياط ليس من مقتضيات التكليف الواقعيّ المجهول ، بل هو الحكم الثابت للمكلّف حال عدم الظفر بدليل عليه ، كما أنّ الحكم الظّنيّ هو وظيفته بعد الظفر بالدليل الظّنيّ عليه. فليس أحدهما من آثار الآخر ، بل كلاهما من مقتضيات الجهل بالحكم الواقعيّ.

(٢) هذا تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ. وتوضيحه يبتني على بيان ما أفاده الشيخ أوّلا ، وتوضيح تعريض المصنّف رحمه‌الله به ثانيا.

أمّا ما أفاده الشيخ : فحاصله : أنّ الظاهر من الموصول في : «ما لا يعلمون» ـ بقرينة وحدة السياق ـ هو الموضوع والفعل الصادر من المكلّف في الخارج ، فإنّ المراد من الموصول في سائر الفقرات هو الفعل الّذي لا يطيقون أو يكرهون عليه أو يضطرّون إليه ، ضرورة أنّه لا معنى لتعلّق الإكراه والاضطرار بالحكم ، فيكون المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو الفعل الصادر منه الّذي لا يعلم عنوانه ، كما إذا شرب مائعا ولا يعلم أنّه شرب خمرا أو شرب ماء. وإذا اسند الرفع ـ بقرينة وحدة السياق ـ إلى الفعل الخارجيّ الصادر من المكلّف فلا محيص عن التقدير ، لعدم صحّة إسناد الرفع التشريعيّ إلى الفعل الخارجيّ التكوينيّ ، فإنّ الرفع إنّما يتعلّق بما كان رفعه ووضعه بيد الشارع ، والفعل الخارجيّ التكوينيّ ليس كذلك. ـ

أو الموضوعيّة ـ بنفسه قابل للرفع والوضع شرعا ، وإن كان في غيره لا بدّ من

__________________

ـ وعليه فلا بدّ في الاستدلال بالرواية من التقدير. والمقدّر في الرواية ـ باعتبار دلالة الاقتضاء ـ إمّا جميع الآثار في كلّ واحد من التسعة ، وهو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقيّ ؛ وإمّا الأثر الظاهر المناسب لكلّ واحد من التسعة ؛ وإمّا خصوص المؤاخذة في الكلّ ، وهذا أقرب عرفا من الأوّل وأظهر من الثاني. فرائد الاصول ٢ : ٢٨ ـ ٢٩.

وأمّا تعريض المصنّف به : فتوضيحه : أنّ في المراد من الموصول في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما لا يعلمون» وجوه ثلاثة :

الأوّل : أن يكون المراد بالموصول هو الحكم المجهول مطلقا ، سواء كان منشأ الجهل بالحكم فقدان النص أم إجماله ـ كما في الشبهات الحكميّة ـ أم الاشتباه في الامور الخارجيّة ـ كما في الشبهات الموضوعيّة ـ.

الثاني : أن يكون المراد به خصوص الفعل الخارجيّ المجهول عنوانه ، كشرب المائع الّذي لا يعلم الشارب هل هو خمر أو ماء.

الثالث : أن يراد به الفعل والحكم.

والتحقيق ـ كما مرّ ـ هو الوجه الأوّل. وعليه يتمّ الاستدلال بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما لا يعلمون» على جريان البراءة في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة. ولا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأعظم من لزوم التقدير في «ما لا يعلمون» ، لأنّ التكليف غير المعلوم والحكم المجهول بنفسه قابل للوضع والرفع تشريعا ، سواء منشأ الجهل به فقدان النصّ أو إجماله ـ كما في الشبهات الحكميّة ـ أو الاشتباه في الامور الخارجيّة ـ كالشبهات الموضوعيّة ـ ، فيدلّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما لا يعلمون» على جريان البراءة في كلتا الشبهتين من دون حاجة إلى التقدير.

نعم ، دلالة الاقتضاء في غير : «ما لا يعلمون» من سائر الجمل المذكورة تقضي إمّا تقدير جميع الآثار أو الالتزام بالمجاز في الإسناد ـ بأن يسند الرفع إلى نفس تلك الامور وكان المقصود رفع المؤاخذة ونحوها ـ ، لاستلزام رفع نفس هذه العناوين للكذب ، لتحقّقها في الخارج قطعا.

هذا كلّه على الوجه الأوّل.

وأمّا على الوجه الثاني : فلا بدّ من تقدير أحد الامور الّتي ذكرها الشيخ أو الالتزام بالمجاز في إسناد الرفع إليه.

وأمّا الوجه الثالث : فهو ـ على ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في حاشية الرسائل : ١١٤ ـ ممنوع ، لأنّ إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له ، وإسناده إلى الموضوع إسناد إلى غير ما هو له ، والجامع بين الإسنادين غير معقول.

تقدير الآثار ، أو المجاز في إسناد الرفع إليه ، فإنّه ليس «ما اضطرّوا وما استكرهوا ...» ـ إلى آخر التسعة ـ بمرفوع حقيقة. نعم ، لو كان المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» ما اشتبه حاله ولم يعلم عنوانه لكان أحد الأمرين لا بدّ أيضا.

ثمّ لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة (١) بعد وضوح أنّ المقدّر في غير واحد غيرها (٢) ؛ فلا محيص عن أن يكون المقدّر هو الأثر الظاهر في كلّ منها ، أو تمام آثارها الّتي تقتضي المنّة رفعها. كما أنّ ما يكون بلحاظه الإسناد إليها مجازا هو هذا (٣) ، كما لا يخفى. فالخبر دلّ على رفع كلّ أثر تكليفيّ أو وضعيّ كان في رفعه منّة على الامّة (٤) ؛ كما استشهد الإمام عليه‌السلام بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق (٥).

__________________

(١) وهذا أيضا تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث استظهر أن يكون المقدّر في الكلّ خصوص المؤاخذة ، فقال : «وأن يقدّر المؤاخذة في الكلّ. وهذا أقرب عرفا من الأوّل وأظهر من الثاني أيضا ، لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد. فإذا اريد من (الخطاء) و (النسيان) و (ما اكرهوا عليه) و (ما اضطرّوا إليه) المؤاخذة على أنفسها كان الظاهر في (ما لا يعلمون) ذلك أيضا». فرائد الاصول ٢ : ٢٩.

فأورد عليه المصنّف قدس‌سره بأنّه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة في جميع الفقرات ، إذ المقدّر في بعضها ـ بقرينة استشهاد الإمام بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والعتاق ـ هو الحكم الوضعيّ من طلاق الزوجة وانعتاق العبد وصيرورة الأموال ملكا للفقراء ، فلا محيص عن أن يكون المقدّر هو الأثر الظاهر في كلّ منها أو جميع الآثار.

(٢) أي : غير المؤاخذة.

(٣) أي : كما أنّه لو لم نقدّر في الحديث شيئا بل التزمنا بأنّ إسناد الرفع إلى كلّ واحد من التسعة مجاز بلحاظ الآثار ، يلزم أن يكون الإسناد المجازيّ إلى التسعة بلحاظ الأثر الظاهر أو جميع الآثار ، لا بلحاظ رفع خصوص المؤاخذة.

(٤) فيعتبر في شمول حديث الرفع أن يكون في رفع المرفوع منّة على الامّة ، فلا يرتفع به ضمان الإتلاف المتحقّق بالاضطرار أو الإكراه ، لأنّ في رفعه خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك ؛ ولا يرفع به صحّة بيع المضطرّ ، فإنّ رفعها خلاف الامتنان.

(٥) عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعا عن أبي الحسن عليه‌السلام في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال عليه‌السلام : ـ