درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۶: اصل برائت ۶

 

إلّا أنّه ربما يشكل بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف ، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلّقت عنايته تعالى بمنع اطّلاع العباد عليه لعدم أمر رسله بتبليغه ، حيث إنّه بدونه لما صحّ إسناد الحجب إليه تعالى (١).

ومنها : [حديث الحلّ]

قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه ...» الحديث (٢). حيث دلّ على حلّيّة ما لم تعلم (٣) حرمته مطلقا (٤) ، ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته.

__________________

ـ الثاني : أنّه يدلّ على أنّ كلّ حكم يكون المكلّف محجوبا عنه لا بتقصير منه ـ بل بالأسباب الخارجة عن قدرته ـ فهو مرفوع عنه.

(١) هذا الإشكال من الشيخ الأعظم الانصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٤١. وتبعه على ذلك المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات ٢ : ١٨١. وأوضحه المحقّق الاصفهانيّ ببيان آخر في نهاية الدراية ٢ : ٤٤٥ ـ ٤٤٦.

(٢) لا يخفى : أنّ الحديث لم يوجد بهذا النص في جوامع الأخبار ، بل هو مضمون روايات الحلّ ، وهي كثيرة :

منها : رواية عبد الله بن سنان ، عن الصادق عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». وسائل الشيعة ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث١.

ومنها : رواية عبد الله بن سليمان ، قال سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الجبن ... قال : «سأخبرك عن الجبن وغيره ، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف بعينه فتدعه». وسائل الشيعة ١٧ : ٩١ ، الباب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث ١.

ومنها : موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سمعته يقول : «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ...». وسائل الشيعة ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٣) وفي بعض النسخ : «ما لم يعلم». والأولى ما أثبتناه.

(٤) سواء كان منشأ الجهل فقدان النص ـ كما في الشبهات الحكميّة ـ أو كان منشؤه الاشتباه في الامور الخارجيّة ـ كما في الشبهات الموضوعيّة ـ ، وسواء كانت الشبهة تحريميّة أم وجوبيّة. ـ

__________________

ـ ثمّ لا يخفى : أنّ الأعلام من المحقّقين من المعاصرين اختلفوا في دلالة الحديث على البراءة وعدمه. فمنهم من خالفه وذهب إلى اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة ، كالمحقّق النائينيّ والمحقّق الاصفهانيّ والسيّد الخوئيّ ؛ ومنهم من خالفه في موضع ووافقه فى موضع آخر ، كالمحقّق العراقيّ ؛ ومنهم من خالفه في جهة ووافقه في جهة اخرى ، كالسيّد الإمام الخمينيّ.

أمّا المحقّق النائينيّ : فأفاد ما حاصله : أنّ الحديث لا يدلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة ، إذ فيه قرينتان تقتضيان اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة :

إحداهما : كلمة «فيه» ـ أو «منه» على اختلاف النسخ ـ في قوله : «فيه حلال وحرام» ، فإنّها ظاهرة في الانقسام الفعليّ ، بمعنى كون الشيء بالفعل منقسما إلى الحلال والحرام ، بأن يكون قسم منه حلالا وقسم منه حراما واشتبه الحلال منه بالحرام ولم يعلم أنّ المشكوك فيه من القسم الحلال أو من الحرام ، كاللحم المشكوك كونه من الميتة أو المذكّى ، فإنّ اللحم بالفعل منقسم إلى ما يكون حلّا وما يكون حراما. وذلك لا يتصوّر إلّا في الشبهات الموضوعيّة كما مثّلنا. وأمّا الشبهات الحكميّة فلا تكون القسمة فيها فعليّة ، بل إنّما تكون القسمة فيها فرضيّة ، بمعنى احتمال الحرمة والحلّيّة ، فإنّ شرب التتن المشكوك حلّيّته وحرمته ليس له قسمان : قسم حلال وقسم حرام ، بل هو إمّا أن يكون حراما وإمّا أن يكون حلالا ، فلا يصحّ أن يقال : إنّ شرب التتن فيه حلال وحرام. فكلمة «فيه» ظاهرة في اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعيّة.

وثانيتهما : كلمة «بعينه» ، حيث قال : «حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» ، فإنّ معرفة الشيء بعينه إنّما يكون في الموضوعات الخارجيّة ، إذ لا يتصوّر العلم بالحرام لا بعينه في الشبهات الحكميّة ، ضرورة أنّه لا معنى لأن يقال : «حتّى تعرف الحكم بعينه». فوائد الاصول ٣ : ٣٦٣ ـ ٣٦٤.

وصرّح المحقّق الاصفهانيّ باختصاصه بالشبهة الموضوعيّة بقرينة أنّ الإمام عليه‌السلام طبّق القضيّة الكلّيّة «كلّ شيء هو لك حلال ...» على الشبهة الموضوعيّة بقوله عليه‌السلام : «وذلك مثل ...». نهاية الدراية ٢ : ٤٤٩.

والمحقّق الخوئيّ تبع هذين العلمين وأفاد ما أفاداه. مصباح الاصول ٢ : ٢٧٣ ـ ٢٧٧.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فوافق المصنّف رحمه‌الله على ما في تقريرات درسه «نهاية الأفكار» وما في «مقالات الاصول» ، فإنّه تعرّض فيهما للقرينة الاولى من القرينتين اللتين ذكرهما المحقّق النائينيّ ودفع قرينيّتها بدعوى إمكان تصوّر الانقسام الفعليّ في الشبهات الحكميّة أيضا ، كما في كلّيّ اللحم ، فإنّا إذا علمنا بحلّيّة لحم نوع من الحيوان ـ كالغنم ـ فيحكم بحليّته ، وإذا علمنا بحرمة لحم نوع آخر من الحيوان ـ كالأرنب ـ فيحكم بحرمته ، وإذا شككنا ـ

وبعدم الفصل قطعا بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه (١) وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة يتمّ المطلوب (٢) ؛ مع إمكان أن يقال : «ترك

__________________

ـ في لحم نوع ثالث من الحيوان ـ كالحمير ـ فيحكم بحلّيّته ما لم يعلم أنّه حرام بمقتضى هذا الحديث ، إذ يصدق عليه أنّ فيه حلالا وحراما. نهاية الأفكار ٣ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ ، مقالات الاصول ٢ : ١٧٣.

ودفع أيضا قرينيّة القرينة الثانية الّتي ذكرهما المحقّق النائينيّ ، فقال في هامش فوائد الاصول : «معنى معرفة الحرام بعينه تشخيص الحرام من الحلال ، لا تشخيصه خارجا ، فلا قصور في شمول الحديث ـ لو لا الأمثلة في ذيلها ـ للشبهات الحكميّة. هذا مع إمكان حمل «بعينه» على بيان التأكيد لموضوع الحرمة وأنّه حقيقة معروضها ، لا أنّه من توابع المعروض ، فيرتفع حينئذ الإشكال رأسا». راجع هامش فوائد الاصول ٣ : ٣٦٤.

هذا كلّه بالنسبة إلى القرينتين اللّتين ذكرهما المحقّق النائينيّ. وأمّا القرينة الّتي ذكرها المحقّق الاصفهانيّ : فالظاهر من كلام المحقّق العراقيّ في هامش فوائد الاصول أنّه سلّم قرينيّتها ، لكن لا على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة ، بل على عدم دلالة الحديث على البراءة ، فقال : «نعم ، العمدة في هذه الرواية الأمثلة الواقعة في ذيلها. والّذي يسهل الخطب أنّ هذه الأمثلة لا يناسب قاعدة الحلّيّة ، حتّى على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة ، فلا بدّ من التفصّي عنها على كلا التقديرين ، كما لا يخفى». راجع هامش فوائد الاصول ٣ : ٣٦٤.

وبالجملة : فالمحقّق العراقيّ وافق المصنّف رحمه‌الله على ما في نهاية الأفكار ومقالات الاصول ، وخالفه على ما في هامش فوائد الاصول.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فوافق المصنّف رحمه‌الله في تعميم مدلول الحديث للشبهات الحكميّة ، لعدم قرينيّة قوله عليه‌السلام : «بعينه» على اختصاصه بالشبهات الموضوعيّة ، فإنّه تأكيد لقوله عليه‌السلام : «تعرف» ، ومفاده كناية عن وقوف المكلّف على الأحكام وقوفا علميّا. وخالفه في تعميمه للشبهات التحريميّة البدويّة ، بدعوى ظهور قوله عليه‌السلام : «بعينه» في مقابل المعلوم بالإجمال ، فيكون الحديث بعدد الترخيص في ارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال حتّى يعرف بعينه ـ أي تفصيلا ـ ، ويكون وزانه وزان قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه» ، فإنّ مفاده الترخيص في التصرّف بالمال المختلط بالحرام.

وعليه فيكون الحديثان أجنبيّين عن الشبهات التحريميّة البدويّة. راجع تهذيب الاصول ٢ : ٢٤١ و ٣١٣ ، أنوار الهداية ٢ : ٧٢ ـ ٧٤.

(١) هذا الضمير وضمير «إباحته» راجعان إلى ما لم يعلم حرمته.

(٢) والأولى سوق العبارة هكذا : «يتمّ المطلوب بعدم الفصل بين إباحة الشيء المشكوك ـ

ما احتمل وجوبه ممّا لم يعرف حرمته فهو حلال» (١) ، تأمّل (٢).

ومنها : [حديث السعة]

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس في سعة ما لا يعلمون» (٣).

فهم في سعة ما لم يعلم أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته (٤) ؛ ومن الواضح أنّه

__________________

ـ حرمته وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة وبين إباحة الشيء المشكوك وجوبه وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة».

(١) والحاصل : أنّ الحديث وإن كان بحسب ظهوره الأوّلي مختصّا بالشبهة التحريميّة ، إلّا أنّه يمكن تعميم الحكم للشبهة الوجوبيّة بأحد وجهين :

الأوّل : عدم الفصل قطعا بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة.

الثاني : أنّ ترك ما احتمل وجوبه محتمل الحرمة ، إذا الترك على تقدير الوجوب محرّم ، فيكون ترك الواجب المحتمل من مصاديق ما لم يعرف حرمته ، فيشمله الحديث ويحكم بحلّيّته.

(٢) قال المحقّق الاصفهانيّ : «وجهه أنّ كلّ حكم إيجابيّ أو تحريميّ لا ينحلّ إلى حكمين إيجابيّ وتحريميّ فعلا وتركا ، بل ترك الواجب ـ من حيث أنّه ترك الواجب ـ يستحقّ عليه العقاب ، لا أنّه حرام. وكذلك في طرف الحرام». نهاية الدراية ٢ : ٤٤٩.

(٣) لم أجد الحديث بهذا النص في جوامع الحديث.

نعم ، رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي هكذا : وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا». عوالى اللئالي ١ : ٤٢٤.

ورواه السكونيّ عن أبي عبد الله ، عن أمير المؤمنين عليهما‌السلام ذيل رواية السفرة المرويّة بألفاظ ثلاثة :

أحدها : قوله عليه‌السلام : «هم في سعة حتّى يعلموا» ، كما في وسائل الشيعة ١٧ : ٣٧٢ ، الباب ٢٣ من كتاب اللقطة ، الحديث ١.

وثانيها : قوله عليه‌السلام : «هم في سعة من أكلها ما لم يعلموا حتّى يعلموا» ، كما في الجعفريّات : ٢٧.

وثالثها : قوله عليه‌السلام : «هم في سعة ما لم يعلموا» ، كما في نوادر الراونديّ : ٥٠.

(٤) إشارة إلى أنّ في الحديث وجهين :

الأوّل : أن تكون كلمة «ما» موصولة ، اضيفت إليها كلمة «سعة». وعليه يكون مفاد الحديث : «إنّ الناس في سعة الّذي لا يعلمون».