درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲: اصل برائت ۱۲

 

مع أنّ هناك قرائن دالّة على أنّه (١) للإرشاد (٢) ، فيختلف إيجابا واستحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه.

ويؤيّده أنّه لو لم يكن للإرشاد لوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعا ، مع أنّه آب عن التخصيص قطعا ؛ كيف لا يكون قوله : «قف عند الشبهة ، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة» (٣) للإرشاد! مع أنّ المهلكة ظاهرة في العقوبة ، ولا عقوبة في الشبهة البدويّة قبل إيجاب الوقوف والاحتياط ، فكيف يعلّل إيجابه بأنّه خير من الاقتحام في المهلكة؟! (٤).

__________________

(١) أي : الأمر بالتوقّف والاحتياط.

(٢) والقرائن الدالّة عليه كثيرة :

منها : أنّه لو لم يكن الأمر للإرشاد يلزم تخصيص الأكثر ، ضرورة أنّ موضوع الأمر بالتوقّف والاحتياط هو عنوان «الشبهة» ، وهو يصدق على كلّ شبهة. فإذا حملنا الأمر بالاحتياط على ظاهره من الأمر المولويّ اللزوميّ يستلزم شموله بظاهره للشبهات مطلقا. ومن المعلوم أنّ جريان البراءة في غير الشبهة الحكميّة التحريميّة من المتّفق عليه بين الأخباريّ والاصوليّ ، فيخصّص الأمر بالاحتياط بالشبهة الحكميّة الوجوبيّة والشبهة الموضوعيّة بكلا قسميه ، فيلزم حينئذ تخصيص الأكثر ، وهو مستهجن.

ومنها : بيان حكمة طلب التوقّف في بعض الروايات من أنّه سبب للتحرّز عن المحذور.

ومنها : ظهور قوله عليه‌السلام : «فمن ارتكب الشبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم» في ترتّب الهلكة على ارتكاب الشبهة ، لا على مخالفة الأمر بالتوقّف.

ومنها : ما أشار إليه في المتن من إباء سياق الروايات من التخصيص.

(٣) هذا مضمون الرواية. وإليك نصّها : عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة ، وقفوا عند الشبهة ... فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة». وسائل الشيعة ١٨ : ١١٦ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥.

(٤) فإنّ الهلكة ـ وهي علّة لإيجاب الاحتياط ـ مقدّمة عليها رتبة ، فإذا ترتّبت الهلكة على إيجاب الاحتياط ـ بدعوى ترتّبها على تركه ـ كانت مؤخّرة عنه ، فيلزم أن يكون كلّ منهما مقدّما على صاحبه ومؤخّرا عنه في آن واحد ، وهو محال. فلا بدّ من القول بعدم ترتّبها على الأمر بالتوقّف والاحتياط ، وإذا لم تترتّب عليه كان للإرشاد.

لا يقال (١) : نعم ، ولكنّه يستكشف منه (٢) على نحو الإنّ (٣) إيجاب الاحتياط من قبل (٤) ، ليصحّ به العقوبة على المخالفة.

فإنّه يقال : إنّ مجرّد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحّح العقوبة ، ولا يخرجها عن أنّها بلا بيان ولا برهان ، فلا محيص عن اختصاص مثله (٥) بما يتنجّز فيه المشتبه ـ لو كان ـ ، كالشبهة قبل الفحص مطلقا أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ ، فتأمّل جيّدا (٦).

[الدليل الثالث ، والجواب عنه]

[التقرير الأوّل : العلم الإجماليّ]

وأمّا العقل : فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته ـ حيث علم إجمالا بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته ممّا لم يكن هناك حجّة على حكمه ـ تفريغا للذمّة بعد اشتغالها ؛ ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إلّا من بعض

__________________

(١) هذا الإشكال تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاريّ وأجاب عنه بما أشار إليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «لا يصغى إلى ما قيل». وأوضحنا الإشكال والجواب عنه ذيل التعليقة (٥) من الصفحة : ٤٦.

(٢) أي : من التعليل الوارد في الروايات المذكورة.

(٣) وهو العلم بالعلّة من العلم بالمعلول. والمراد من العلّة في المقام هو إيجاب الاحتياط ، ومن المعلول هو الهلكة.

(٤) أي : من قبل ورود هذا الحديث وتشريع إيجاب الاحتياط في الشبهات البدويّة.

(٥) أي : مثل هذا التعليل الوارد في الروايات.

(٦) ولا يخفى عليك : أنّ الأعلام من المتأخّرين المعاصرين قد ذكروا طوائف مختلفة من الروايات الّتي يستدل بها على الاحتياط ، ثمّ أجابوا عنها بوجوه أخر غير ما ذكره المصنّف رحمه‌الله في المتن. فلا نطيل الكلام بذكر ما أفادوه. وإن شئت فراجع نهاية الأفكار ٣ : ٢٤٢ ـ ٢٤٧ ، وفوائد الاصول ٣ : ٣٧٢ ـ ٣٧٨.

الأصحاب (١).

والجواب : أنّ العقل وإن استقلّ بذلك (٢) ، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، وقد انحلّ هاهنا ، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا بثبوت طرق واصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد ، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعليّة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العمليّة (٣).

__________________

(١) كما هو الظاهر من كلام المحقّق القمّي في قوانين الاصول ٢ : ٢٥ ، وصاحب المدارك في مدارك الأحكام ١ : ١٠٧ ، والمحقّق السبزواريّ في ذخيرة المعاد : ١٣٨.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في تقرير هذا الدليل العقليّ يختلف عما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

أمّا المصنّف رحمه‌الله : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام مطلق التكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة ، فأدرج الشبهات الوجوبيّة والتحريميّة في محلّ النزاع.

وأمّا الشيخ الأعظم : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام خصوص التكاليف الإلزاميّة التحريميّة في الشبهات التحريميّة ، فأخرج الشبهات الوجوبيّة عن محلّ النزاع. وتبعه على ذلك المحقّقان : النائينيّ والعراقيّ. راجع فرائد الاصول ٢ : ٨٧ ، فوائد الاصول ٣ : ٣٧٨ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٤٨.

ولعلّ السرّ فيما أفاده الشيخ الأعظم ومن تبعه أنّ الأخباريّين لم يتمسّكوا بالعلم الإجماليّ في الشبهات الوجوبيّة ولم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيها ، فلا نزاع معهم إلّا في الشبهات التحريميّة الناشئة من فقد النص ، فلا جدوى في إدراج الشبهات الوجوبيّة في محلّ النزاع.

(٢) أي : بلزوم الاحتياط.

(٣) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة من الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة في موارد الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة في موارد الطرق والاصول المثبتة».

وتوضيح الجواب : أنّ لنا علمين إجماليّين :

الأوّل : العلم الإجماليّ الكبير ، وهو ما يكون أطرافه جميع المشتبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة. فنعلم إجمالا بوجود تكاليف شرعيّة فيها ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف ، ولا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع.

الثاني : العلم الإجماليّ الصغير ، وهو ما يكون أطرافه خصوص موارد قيام الأمارات ـ