درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۳: اصل برائت ۱۳

 

الأصحاب (١).

والجواب : أنّ العقل وإن استقلّ بذلك (٢) ، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، وقد انحلّ هاهنا ، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا بثبوت طرق واصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد ، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعليّة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العمليّة (٣).

__________________

(١) كما هو الظاهر من كلام المحقّق القمّي في قوانين الاصول ٢ : ٢٥ ، وصاحب المدارك في مدارك الأحكام ١ : ١٠٧ ، والمحقّق السبزواريّ في ذخيرة المعاد : ١٣٨.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في تقرير هذا الدليل العقليّ يختلف عما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

أمّا المصنّف رحمه‌الله : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام مطلق التكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة ، فأدرج الشبهات الوجوبيّة والتحريميّة في محلّ النزاع.

وأمّا الشيخ الأعظم : فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام خصوص التكاليف الإلزاميّة التحريميّة في الشبهات التحريميّة ، فأخرج الشبهات الوجوبيّة عن محلّ النزاع. وتبعه على ذلك المحقّقان : النائينيّ والعراقيّ. راجع فرائد الاصول ٢ : ٨٧ ، فوائد الاصول ٣ : ٣٧٨ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٤٨.

ولعلّ السرّ فيما أفاده الشيخ الأعظم ومن تبعه أنّ الأخباريّين لم يتمسّكوا بالعلم الإجماليّ في الشبهات الوجوبيّة ولم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيها ، فلا نزاع معهم إلّا في الشبهات التحريميّة الناشئة من فقد النص ، فلا جدوى في إدراج الشبهات الوجوبيّة في محلّ النزاع.

(٢) أي : بلزوم الاحتياط.

(٣) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة من الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة المثبتة في موارد الطرق والأمارات» ، أو يقول : «غير التكاليف الفعليّة في موارد الطرق والاصول المثبتة».

وتوضيح الجواب : أنّ لنا علمين إجماليّين :

الأوّل : العلم الإجماليّ الكبير ، وهو ما يكون أطرافه جميع المشتبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة. فنعلم إجمالا بوجود تكاليف شرعيّة فيها ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف ، ولا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع.

الثاني : العلم الإجماليّ الصغير ، وهو ما يكون أطرافه خصوص موارد قيام الأمارات ـ

إن قلت : نعم ، لكنّه (١) إذا لم يكن العلم بها (٢) مسبوقا بالعلم بالتكاليف (٣).

__________________

ـ المعتبرة ، فإنّا نعلم إجمالا بمطابقة جملة من الأمارات المعتبرة للواقع. ومعلوم أنّ العقل يحكم بلزوم الاحتياط في أطراف الشبهات إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، وإلّا فلا يحكم به. وقد انحلّ العلم الإجماليّ الكبير هاهنا. والوجه في انحلاله انّا نعلم بالعلم الإجماليّ الصغير بمطابقة جملة من مؤدّيات الأمارات المعتبرة للواقع ، ونعلم أيضا أن لا يكون المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير ، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الإجماليّ الكبير بمقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير لم يبق لنا علم إجماليّ في بقيّة الأطراف. مثلا : إذا علمنا إجمالا بوجود مائة حكم ـ مثلا ـ في جميع المشتبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة ، وعلمنا بوجود هذا العدد ـ أو أزيد ـ أيضا في الأمارات المعتبرة ، لم يبق لنا علم إجماليّ بثبوت تكاليف في غير موارد الأمارات المعتبرة ، لإمكان انطباق المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير ـ وهو مائة حكم ـ على المعلوم بالإجمال في الصغير ـ وهو أيضا مائة حكم ـ ؛ فحينئذ نعلم تفصيلا بثبوت تلك المائة من التكاليف في الأمارات المعتبرة الّتي نعلم اجمالا بصدور كثير منها ، ونشكّ في ثبوتها في غيرها شكّا بدويّا ، فلا يجب الاحتياط إلّا في أطراف العلم الاجماليّ الصغير ـ وهو موارد الأخبار والأمارات المعتبرة ـ ، وأمّا أطراف العلم الاجماليّ الكبير ـ من الشبهات وموارد الأمارات غير المعتبرة ـ فلا يجب الاحتياط فيها.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف رحمه‌الله هاهنا في تقرير وجه الانحلال يختلف عما أفاده في تقريره في الوجه الأوّل من الوجوه العقليّة الّتي اقيمت على حجّيّة خبر الواحد ، فإنّه جعل هناك أطراف العلم الإجماليّ الصغير خصوص موارد الأخبار المعتبرة ، وجعل هنا أطرافه الأمارات والاصول المعتبرة ـ كالأخبار والشهرة والسيرة ـ.

(١) أي : الانحلال.

(٢) أي : العلم بالأحكام الّتي هي مؤدّيات الأمارات وموارد الاصول.

(٣) وفي بعض النسخ : «بالواجبات». والصحيح ما أثبتناه.

وتوضيح الإشكال : أنّ العلم الإجماليّ بثبوت تكاليف فعليّة في موارد الطرق والاصول العمليّة المعتبرة متأخّر عن العلم الإجماليّ بثبوتها في مطلق المشتبهات وموارد الأمارات والاصول العمليّة ، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ الكبير يحصل من أوّل البلوغ والالتفات إلى الشريعة ، والعلم الإجماليّ الصغير يحصل بعد التتبّع في موارد الطرق والاصول ، فالعلم الإجماليّ الصغير متأخّر عن العلم الإجماليّ الكبير ، والعلم الإجماليّ المتأخّر لا يؤثّر ـ

قلت : إنّما يضرّ السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا ، وأمّا إذا لم يكن كذلك ، بل ممّا ينطبق عليه ما علم أوّلا ، فلا محالة قد انحلّ العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ والشكّ البدويّ(١).

إن قلت : إنّما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإجمال ، ذلك (٢) إذا كان قضيّة قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا (٣). وأمّا بناء على أنّ قضيّة حجّيّته واعتباره شرعا ليست إلّا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا ـ وهو (٤) تنجّز ما أصابه والعذر عمّا أخطأ عنه ـ فلا انحلال لما علم بالإجمال أوّلا ، كما لا يخفى (٥).

__________________

ـ في انحلال العلم الإجماليّ المتقدّم ، بل انّما يؤثّر في انحلاله ويمنع من تأثيره فيما إذا كان متقدّما عليه أو مقارنا له.

(١) وتوضيح الجواب : أنّ المعتبر في الانحلال هو مطابقة المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير مع المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير ، لا مقارنة العلم الإجماليّ الصغير مع العلم الإجماليّ الكبير أو سبقه عليه ، فإذا تعلّق العلم الإجماليّ الكبير ـ مثلا ـ بإصابة قطرة دم بأحد الإنائين ، ثمّ تعلّق العلم الإجماليّ الصغير بوقوع تلك القطرة في الإناء الأبيض تحقّق انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير ، سواء كان متأخّرا عنه أو مقارنا له أو سابقا عليه. وكذلك في المقام ، لأنّا نعلم إجمالا بثبوت تلك المائة في موارد الأمارات والاصول المعتبرة ، فيحتمل انطباق المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير على المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير ، فيتّحد المعلومان وينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير مطلقا ، سواء تقدّم الصغير على الكبير أو قارنه أو تأخّر عنه.

(٢) مفعول لقوله : «يوجب». والمشار إليه هو الانحلال.

(٣) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «إذا كان قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا» ، أو يقول : «إذا كانت قضيّة قيام الطريق على تكليف ثبوته فعلا».

(٤) أي : ما للطريق المعتبر.

(٥) توضيح الإشكال يتوقّف على تقديم مقدّمة :

وهي : أنّ في حجّيّة الأمارات والطرق مذهبان : (أحدهما) : أنّها حجّة مجعولة على نحو السببيّة ، بمعنى أنّها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها وموجبا لكونه حكما فعليّا للمكلّف. (ثانيهما) : أنّها مجعولة على نحو الطريقيّة ، بمعنى أنّها مجعولة لتكون طريقا ـ