درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۵: اصل برائت ۱۵

 

[التقرير الثاني : أصالة الحظر]

وربما استدلّ (١) بما قيل (٢) من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضروريّة قبل الشرع ، ولا أقلّ من الوقف وعدم استقلاله (٣) ، لا به ولا بالإباحة ، ولم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته ، فإنّ ما دلّ على الإباحة معارض بما دلّ على وجوب التوقّف أو الاحتياط.

وفيه : أوّلا : أنّه لا وجه للاستدلال بما هو محلّ الخلاف والإشكال (٤) ، وإلّا لصحّ الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة.

وثانيا : أنّه ثبتت الإباحة شرعا ، لما عرفت من عدم صلاحيّة ما دلّ على

__________________

ـ البراءة في الطرف الآخر.

ثمّ لا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ أورد على ما ذكره المصنّف قدس‌سره من المثال. وذلك لوجود الفرق بين المقام وبين المثال المذكور ، إذ المعلوم بالإجمال في المثال أمر معيّن خاصّ ، فقيام الأمارة على تعيينه في طرف ينفي كونه في الطرف الآخر. بخلاف المقام ، فإنّ المعلوم بالإجمال فيه أحكام لا تعيّن لها بوجه ، وليس لها عنوان وعلامة ، فقيام الأمارة على ثبوت التكليف في بعض الموارد لا ينفي ثبوته في غيرها.

ثمّ أجاب عن الاستدلال بوجهين : (أحدهما) : النقض بالشبهات الوجوبيّة والموضوعيّة ، فإنّ هذا العلم لو كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة كان مانعا عن الرجوع إليها فيها أيضا ، مع أنّ الأخباريّين لا يقولون بوجوب الاحتياط فيها. و (ثانيهما) : أنّ العلم الإجماليّ بالتكاليف الواقعيّة ينحلّ واقعا بقيام الأمارات على تكاليف الزاميّة بمقدار المعلوم بالإجمال. مصباح الاصول ٢ : ٣٠٤ ـ ٣٠٨.

(١) هذا الدليل ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٩٠.

(٢) نسبه الشيخ والمحقّق إلى طائفة من الإماميّة. راجع العدّة ٢ : ٧٤٢ ، معارج الاصول : ٢٠٣.

(٣) كما عليه الشيخان : المفيد والطوسيّ. راجع التذكرة باصول الفقه : ٤٣ ، والعدّة ٢ : ٧٤٢.

(٤) فإنّ هذه المسألة محلّ الخلاف ومعركة الآراء ، كما قال الشيخ في العدّة : «وذهب كثير من البغداديّين وطائفة من أصحابنا الإماميّة إلى أنّها على الحظر ، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء. وذهب أكثر المتكلّمين من البصريّين ـ وهي المحكيّ عن أبي الحسن وكثير من الفقهاء ـ إلى أنّها على الإباحة ، وهو الّذي يختاره سيّدنا المرتضى. وذهب كثير من الناس إلى أنّها على الوقف». العدّة ٢ : ٧٤٢.

التوقّف أو الاحتياط للمعارضة لما دلّ عليها.

وثالثا : أنّه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة ، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة ، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

[التقرير الثالث : وجوب دفع الضرر المحتمل]

وما قيل (١) من «أنّ الإقدام على ما لا تؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما تعلم فيه المفسدة».

ممنوع (٢) ، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فإنّ المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا ، ضرورة أنّ المصالح والمفاسد الّتي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضارّ ، بل ربّما تكون المصلحة فيما فيه الضرر ، والمفسدة فيما فيه المنفعة. واحتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف (٣) غالبا لا يعتنى به قطعا.

مع أنّ الضرر ليس دائما ممّا يجب التحرّز عنه عقلا ، بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان المترتّب عليه أهمّ في نظره ممّا في الاحتراز عن ضرره مع القطع به فضلا عن احتماله(٤).

[تنبيهات البراءة]

بقي امور مهمّة لا بأس بالإشارة إليها :

__________________

(١) والقائل شيخ الطائفة في العدّة ٢ : ٧٤٢.

(٢) خبر قوله : «وما قيل».

(٣) قوله : «ضرر» اسم «أن يكون» ، وقوله : «ضعيف» خبر «واحتمال».

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يأتي قوله : «مع القطع به فضلا عن احتماله» قبل قوله : «فيما كان المترتّب عليه».

[التنبيه] الأوّل : [اشتراط جريانها بعدم وجود أصل موضوعيّ في موردها]

أنّه إنّما تجري أصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعيّ (١) مطلقا ، ولو كان موافقا لها (٢) ، فإنّه معه لا مجال لها أصلا ، لوروده عليها (٣) ـ كما يأتي تحقيقه ـ.

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ المصنّف قدس‌سره ـ تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١٠٩ و ١٢٧ ـ عبّر عن هذا الأصل بالأصل الموضوعيّ. وليس مرادهما من الأصل الموضوعيّ خصوص الأصل الجاري في الموضوع ، بل المراد منه كلّ أصل مقدّم على البراءة ، سواء كان جاريا في الموضوع ، كما لو علم بخمريّة مائع ثمّ شكّ في انقلابه خلّا ، فإنّ استصحاب الخمريّة يرفع موضوع أصالة البراءة عن حرمة شربه ، أو كان جاريا في الحكم ، كما إذا شكّ في جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال ، فإنّ جريان استصحاب الحرمة السابقة يمنع عن التمسّك بأصالة البراءة.

ويشهد بذلك ما أفاده الشيخ الأعظم في مقام التفريع على الشرط المذكور بقوله : «استصحاب الحرمة حاكمة على أصالة الحرمة». فرائد الاصول ٢ : ١٢٧.

ولعلّ وجه التعبير بالأصل الموضوعيّ هو التسالم على جريان الاستصحاب في الموضوع ووقوع الخلاف في جريانه في الأحكام.

وعن المحقّق النائينيّ أيضا أنّ مراد الشيخ والمصنّف من الأصل الموضوعيّ كلّ أصل متكفّل لتنزيل مؤدّاه منزلة الواقع بحسب الجري العمليّ ، سواء كان المؤدّى موضوعا خارجيّا أو حكما شرعيّا ، فإنّه كان حاكما على البراءة في كلتا الصورتين. فوائد الاصول ٣ : ٣٨٠ ، وأجود التقريرات ٢ : ١٩٣.

وعلى ما ذكر فكان الأولى أن يقول : «فيما لم يكن هناك أصل وارد ...».

(٢) توضيحه : أنّ عدم جريان أصالة البراءة فيما إذا جرى الأصل المقدّم لا يختصّ بما إذا كان مفاد الأصل المقدّم منافيا لما يقتضيه أصل البراءة ـ كما إذا اقتضى الاستصحاب خمريّة مائع شكّ في انقلابه خلّا فيكون شربه حراما ، واقتضى أصل البراءة جواز شربه ـ ، بل يعمّ ما إذا كان مفاده موافقا لأصل البراءة ، كما إذا اقتضى الاستصحاب خلّيّة مائع شكّ في انقلابه خمرا فيكون شربه حلالا ، واقتضى أصل البراءة حلّيّته أيضا.

(٣) قوله : «لوروده» تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، فانّه جعل الوجه في تقدّم الأصل الموضوعيّ ـ بالمعنى الأعمّ ـ على البراءة هو الحكومة. راجع فرائد الاصول ٢ : ١٠٩ و ١٢٧.

وأمّا الوجه في وروده على البراءة أنّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان ، كما أنّ ـ