درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۹: اصل برائت ۱۹

 

الإطاعة (١) ، فإنّه نحو من الانقياد والطاعة.

وما قيل (٢) في دفعه : من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة (٣).

فيه : ـ مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها (٤) ، بداهة أنّه (٥) ليس باحتياط حقيقة ، بل هو أمر (٦) لو دلّ عليه دليل كان مطلوبا مولويّا نفسيّا عباديّا ؛ والعقل لا يستقلّ إلّا بحسن الاحتياط ، والنقل لا يكاد يرشد إلّا إليه. نعم ، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة لما كان محيص عن دلالته اقتضاء على أنّ المراد به ذاك المعنى بناء على عدم إمكانه فيها بمعناه حقيقة ، كما لا يخفى ـ أنّه التزام بالإشكال وعدم جريانه

__________________

(١) أي : بل يكون حال الاحتياط في حسنه وترتّب الثواب عليه حال الإطاعة.

(٢) والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٣) هذا هو الجواب الثالث من الأجوبة المذكورة في دفع إشكال الاحتياط في العبادة. وهو ما أفاد الشيخ الأعظم الأنصاريّ. وتوضيحه : أنّ في أوامر الاحتياط الواردة في الأخبار وجهين :

الأوّل : أن يكون المراد من الاحتياط المأمور به هو الاحتياط بمعناه الحقيقيّ ، وهو إتيان العمل بجميع ما يعتبر فيه من الأجزاء والشرائط حتّى نيّة التقرّب وقصد الأمر.

الثاني : أن يكون المراد من الاحتياط المأمور به هو الاحتياط بمعناه المجازيّ ، وهو إتيان العمل الجامع لتمام ما يعتبر فيه إلّا نيّة التقرّب وقصد الأمر.

والتحقيق أنّ محذور الدور إنّما يلزم على الوجه الأوّل ، ولكنّه غير مراد. وأمّا على الوجه الثاني ـ وهو المراد من الاحتياط في الروايات الآمرة به ـ فلا يستلزم محذور الدور ، إذ لا يكون قصد القربة ـ أي قصد الأمر ـ دخيلا في موضوع الأمر بالاحتياط ، بل كان موضوعه مجرّد إتيان الفعل بجميع أجزائه وشرائطه عدا نيّة القربة. وحينئذ يمكن تحقّق عنوان الاحتياط في العبادة بالإتيان بالعمل بتمام أجزائه وشرائطه ـ عدا نيّة القربة ـ ولو مع الجهل بتعلّق الأمر به ، بل يكفي احتمال الأمر به شرعا. وعليه فيمكن للمكلّف أن يقصد التقرّب بهذا العمل بنفس الأمر بالاحتياط. فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٤) أي : حسن الاحتياط في العبادات بالمعنى المجازيّ.

(٥) أي : الاحتياط بالمعنى المجازيّ.

(٦) أي : بل مجرّد إتيان المركّب بجميع أجزائه وشرائطه عدا نيّة القربة فعل لو دلّ عليه ...

فيها (١) ، وهو كما ترى.

[الجواب الصحيح عن الإشكال المذكور]

قلت : لا يخفى أنّ منشأ الإشكال هو تخيّل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها ممّا يتعلّق بها الأمر المتعلّق بها ، فيشكل جريانه حينئذ ، لعدم التمكّن من جميع ما اعتبر فيها (٢) ، وقد عرفت (٣) أنّه فاسد (٤) ، وإنّما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لأجل أنّ الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه ، وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان ، ضرورة التمكّن من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله ؛ غاية الأمر أنّه لا بدّ أن يؤتى به على نحو لو كان مأمورا به لكان مقرّبا ، بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوبا له تعالى ، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالا لأمره تعالى ، وعلى تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك وتعالى ، ويستحقّ الثواب على كلّ حال إمّا على الطاعة أو

__________________

(١) أي : والتزام بعدم جريان الاحتياط في العبادة.

(٢) وفي بعض النسخ : «لعدم التمكّن من قصد القربة المعتبر فيها».

(٣) راجع الجزء الأوّل : ١٣٩ ـ ١٤٠.

(٤) هذا. مع أنّه لو اغمض عن فساده لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الإشكال فيها. فكما يلتزم في دفعه بتعدّد الأمر فيها ليتعلّق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره كذلك فيما احتمل وجوبه منها كان على هذا احتمال أمرين كذلك ، أي أحدهما كان متعلّقا بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الأمر ، فيتمكّن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي رجاء أمره واحتماله ، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجبا ، وانقيادا لو لم يكن كذلك. نعم ، كان بين الاحتياط هاهنا وفي التوصّليّات فرق ، وهو أنّ المأتيّ به فيها قطعا كان موافقا لما احتمل وجوبه مطلقا ، بخلافه هاهنا ، فإنّه لا يوافق إلّا على تقدير وجوبه واقعا ، لما عرفت من عدم كونه عبادة إلّا على هذا التقدير ، ولكنّه ليس بفارق ، لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه وكونه واجبا. ودعوى عدم كفاية الإتيان برجاء الأمر في صيرورته عبادة أصلا ولو على هذا التقدير مجازفة ، ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالا لأمره على نحو العبادة لو كان ، وهو الحاكم في باب الإطاعة والعصيان ، فتأمّل جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].

الانقياد (١).

وقد انقدح بذلك أنّه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلّق أمر بها ، بل لو فرض تعلّقه بها لما كان من الاحتياط بشيء ، بل [كان] (٢) كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها ، كما لا يخفى.

[حول الجواب عن الإشكال بقاعدة التسامح في أدلّة السنن]

فظهر أنّه لو قيل (٣) ب «دلالة أخبار (من بلغه ثواب) (٤) على استحباب

__________________

(١) والحاصل : أنّ الإشكال المذكور في المتن انّما يلزم بناء على أنّ عباديّة العبادة متوقّفة على الإتيان بها بقصد الأمر الجزميّ. وليس الأمر كذلك ، بل يكفي في عباديّة العمل مجرّد إتيانه بداع قربيّ إلهيّ ، فيكفي أن يؤتى بالعمل برجاء المطلوبيّة أو المحبوبيّة مع احتمال تعلّق أمر المولى به. وحينئذ فإن كان المأتيّ به مأمورا به في الواقع صار المكلّف مطيعا ، وإن لم يكن مأمورا به صار منقادا.

وهذا الجواب تشبّث به كثير من المتأخّرين ، فراجع فرائد الاصول ٣ : ٤٠ ـ ٤١ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٧٤ ، أنوار الهداية ٢ : ١٢٥ ، مصباح الاصول ٢ : ٣١٦.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) كما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٤) وهي أخبار كثيرة يستدلّ بها على قاعدة التسامح في أدلّة السنن :

منها : صحيحة هشام بن سالم الآتية في المتن آنفا.

ومنها : ما روي عن صفوان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنّه قال : «من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله». وسائل الشيعة ١ : ٥٩ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ١.

ومنها : خبر محمّد بن مروان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «من بلغه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان له ذلك الثواب ، وإن كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله». وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٤.

ومنها : خبره الآخر ، قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : «من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه». المصدر السابق ، الحديث ٧.

ومنها : خبر آخر عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «من سمع شيئا من الثواب ـ