درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۲۲: اصل برائت ۲۲

 

الأخبار (١) ـ وإن كان انقيادا ، إلّا أنّ الثواب في الصحيحة إنّما رتّب على نفس العمل ، ولا موجب لتقييدها به ، لعدم المنافاة بينهما ، بل لو أتى به كذلك (٢) أو التماسا للثواب الموعود ـ كما قيّد به في بعضها الآخر (٣) ـ لاوتي الأجر والثواب على نفس العمل ، لا بما هو احتياط وانقياد ، فيكشف عن كونه بنفسه مطلوبا وإطاعة ، فيكون وزانه وزان «من سرّح لحيته أو من صلّى أو صام فله كذا». ولعلّه لذلك أفتى المشهور بالاستحباب ، فافهم وتأمّل.

[التنبيه] الثالث : [التفصيل في جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة](٤)

أنّه لا يخفى أنّ النهي عن شيء إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان ،

__________________

ـ ترتّب الثواب على نفس العمل ، غاية الأمر أنّ رجاء الثواب أو طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله داعي إلى تحقّق العمل وموجب للانقياد ، فلا منافاة بينه وبين الصحيحة.

والتحقيق هو الأخير كما مرّ.

(١) وهو خبر محمّد بن مروان. راجع وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادة ، الحديث٤.

(٢) أي : طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(٣) وهو خبر آخر عن محمّد بن مروان. وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادة ، الحديث٧.

(٤) لا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره في هذا التنبيه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ وناظر بما أفاده في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة. فإيضاح ما أفاده المصنّف قدس‌سره يتوقّف على بيان محلّ البحث ، والتعرّض لما أفاده الشيخ الأعظم ، ثمّ توضيح ما أفاده المصنّف قدس‌سره.

أمّا محلّ البحث : فهو جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة التحريميّة وعدمه. فهل تجري فيها مطلقا أو لا تجري فيها كذلك أو تجري في بعض الموارد ولا تجري في بعض آخر؟

وأمّا الشيخ الأعظم الأنصاريّ : فذهب إلى جريانها فيها مطلقا ، فإنّه قال : «المسألة الرابعة دوران الحكم بين الحرمة وغير الوجوب مع كون الشكّ في الواقعة الجزئيّة لأجل الاشتباه في بعض الامور الخارجيّة ، كما إذا شكّ في حرمة شرب مائع وإباحته للتردّد في أنّه خلّ أو خمر ، وفي حرمة لحم للتردّد بين كونه من الشاة أو من الأرنب. والظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل فيه الإباحة».

ثمّ تعرّض لتوهّم وأجاب عنه : ـ

__________________

ـ حاصل التوهّم : أنّ البراءة لا تجري في الشبهة التحريميّة الموضوعيّة ، لأنّ الشكّ فيها ليس شكّا في التكليف كي تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو يرجع إلى حديث الرفع ، ضرورة أنّ وظيفة الشارع ـ بما هو شارع ـ جعل الحكم بنحو الكلّيّ ، بأن يقول : «الخمر حرام ، والخلّ حلال». ومن المعلوم أنّه جعل الحكم بهذا النحو وبيّنه ووصل إلى المكلّف ، وانّما الشكّ في التطبيق وأنّ هذا المائع الخارجيّ هل يكون ممّا ينطبق عليه متعلّق الحرمة ـ أي : الخمر ـ أم لا؟ وإزالة هذا الشكّ ليس من وظيفة الشارع الأقدس ، بل إزالته على عهدة المكلّف نفسه. وحينئذ فاشتغال ذمّة المكلّف بالاجتناب عن الخمر يقينيّ ، والاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة ، وهي تحصل بالاحتياط والاجتناب عن المائع المردّد من باب المقدّمة العلميّة.

وحاصل الجواب : أنّ مجرّد العلم بجعل الحكم بنحو الكلّي ـ مثل : «الخمر حرام» ـ غير كاف في تنجّز التكليف على المكلّف ، بل الملاك في التنجّز ـ الّذي يمنع من جريان قاعدة القبح بلا بيان ـ هو العلم بحرمة الأفراد تفصيلا ـ كالعلم بأنّ هذا المائع الخارجيّ خمر حقيقة ـ أو إجمالا ـ كأن يعلم بأنّ أحد هذين الإنائين خمر ـ ، وأمّا الفرد المشتبه بالشبهة البدويّة ـ كما نحن فيه ـ فلا علم بحكمه ، لا تفصيلا ولا إجمالا ، فلا يكون التكليف بالنسبة إليه منجّزا. وعليه فلو ارتكبه المكلّف وصادف كونه خمرا واقعا فهو معذور ، لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١١٩ و ١٢١ ـ ١٢٢.

وأمّا المصنّف قدس‌سره : فمنع إطلاق كلام الشيخ وذهب إلى التفصيل بين ما إذا تعلّق النهي بترك الطبيعة رأسا في أيّ زمان أو مكان ، بحيث لو وجد فرد واحد منها في ذلك الزمان أو المكان لما حصل الامتثال أصلا ، وبين ما إذا تعلّق النهي بوجودات الطبيعة ، بحيث كان كلّ فرد من أفراد الموضوع محكوما بحكم واحد مستقلّ.

فعلى الأوّل : يكون الشكّ في محصّل الفعل الّذي تعلّق النهي بتركه رأسا معلوم ، فاشتغال الذمّة بالترك رأسا يقينيّ ، وهو يقتضي الفراغ اليقينيّ ، وهو لا يحصل إلّا بترك كلّ فرد يحتمل انطباق الفعل عليه.

نعم ، إذا كانت طبيعة الفعل مسبوقة بالترك مع الإتيان بذلك الفرد ، فيستصحب تركها مع الإتيان بذلك الفرد بالفعل. توضيحه : أنّه إذا كان ذلك الشيء المأتي به المشكوك الفرديّة مسبوقا بعدم الفرديّة ، فشكّ في أنّه صار فردا لطبيعة الفعل كي يكون الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل أو كان باقيا على حالته السابقة فلا يكون فردا لها ولا الإتيان به موجبا لانتقاض ترك الطبيعة بالفعل ، فحينئذ يستصحب عدم فرديّته بالفعل ، ويحكم ببقاء الترك مع الإتيان بذلك الفرد. ـ

بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ـ ولو دفعة (١) ـ لما امتثل أصلا ، كان اللازم على المكلّف إحراز أنّه تركه بالمرّة ولو بالأصل ، فلا يجوز الإتيان بشيء يشكّ معه في تركه (٢) ، إلّا إذا كان مسبوقا به ليستصحب مع الإتيان به (٣).

نعم ، لو كان (٤) بمعنى طلب ترك كلّ فرد منه على حدة لما وجب إلّا ترك ما علم أنّه فرد ، وحيث لم يعلم تعلّق النهي إلّا بما علم أنّه مصداقه ، فأصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكّمة.

فانقدح بذلك أنّ مجرّد العلم بتحريم شيء لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كلّ فرد على حدة ، أو كان الشيء مسبوقا بالترك ، وإلّا لوجب الاجتناب عنها عقلا لتحصيل الفراغ قطعا (٥).

فكما يجب فيما علم وجوب شيء إحراز إتيانه إطاعة لأمره ، فكذلك يجب

__________________

ـ وعلى الثاني : يكون الشكّ في كون الفرد مصداقا للموضوع شكّا في ثبوت التكليف ، إذ المفروض كون كلّ فرد محكوما بحكم مستقلّ ، فالشكّ في فرديّة شيء يستتبع الشكّ في ثبوت الحكم له ، فتجري البراءة ويجوز ارتكابه.

والحاصل : أنّ ما أفاده الشيخ الأعظم من إطلاق الحكم بالبراءة في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة ممنوع.

(١) أي : ولو دفعة واحدة.

(٢) أي : فلا يجوز الإتيان بفرد يشكّ مع الإتيان به في ترك الشيء بالمرّة.

(٣) أي : إذا كان ذلك الشيء ـ بطبيعته ـ مسبوقا بالترك مع الإتيان بهذا الفرد المشكوك الفرديّة بالفعل فحينئذ يستصحب ترك الشيء مع الإتيان بهذا الفرد بالفعل.

واستشكل المحقّق الأصفهانيّ في هذا الاستصحاب بأنّ المستصحب ليس من المجعولات الشرعيّة ، ولا أنّه ذو أثر شرعيّ ، فإنّ المترتّب عليه هو الفراغ عن العهدة ، وهو أثر عقليّ. نهاية الدراية ٢ : ٥٥٣.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «وإذا كان ...».

(٥) والحاصل : أنّ المصنّف قدس‌سره نفى إطلاق كلام من توهّم كفاية مجرّد العلم بتحريم الشيء على نحو الكلّي في لزوم الاجتناب عن أفراد المشتبه ، فلا تجري البراءة فيها مطلقا. كما نفى إطلاق كلام الشيخ الأعظم من عدم كفاية العلم بتحريم الشيء في لزوم الاجتناب عن أفراد المشتبه ، فتجري البراءة فيها مطلقا.