درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۲۹: اصل اشتغال ۳

 

[وجوب موافقة المعلوم التامّ الفعليّة مطلقا]

ثمّ إنّ الظاهر أنّه لو فرض أنّ المعلوم بالإجمال كان فعليّا من جميع الجهات

__________________

ـ الأمر أنّ الحكم الواقعيّ المعلوم بالعلم التفصيليّ تامّ الفعليّة إذا كان فعليّا من سائر الجهات. بخلاف المعلوم بالعلم الإجماليّ ، فإنّه يصير تامّ الفعليّة إذا كان فعليّا من سائر الجهات واحرز كونه من القسم الأوّل من الأحكام الفعليّة.

وتعبير آخر : إنّ كلّا من العلم التفصيليّ والإجماليّ يقتضي التنجّز والفعليّة التامّة ، غاية الأمر أنّ العلم التفصيليّ يوجب التنجّز والفعليّة التامّة بمجرّد كون الحكم فعليّا من سائر الجهات ، والعلم الإجماليّ لا يوجبه كذلك ، بل انّما يوجبه بعد كون الحكم فعليّا من سائر الجهات وإحراز كونه من قبيل القسم الأوّل.

الثالث : أنّ المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالإجمال في القسم الأوّل واجدان لما يتمّ به العلّة للبعث أو الزجر الفعليّ إذا كانا فعليّين من سائر الجهات ، بخلاف العلم الإجماليّ في القسم الثاني ، فإنّه لم يكن واجدا لما يتمّ به العلّة للبعث أو الزجر الفعليّ ، كما مرّ.

ومن هنا ينقدح دفع ما توهّمه العلّامة المحشّي المشكينيّ وبعض آخر ، من أنّ كلام المصنّف قدس‌سره هاهنا : «بأن يكون واجدا لما هو العلّة التامّة للبعث» ظاهر في أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة للتنجيز كالعلم التفصيليّ. وهذا ينافي ما تقدّم منه في مباحث القطع من أنّ العلم الإجماليّ مقتض للتنجيز ، لا أنّه علّة تامّة للتنجيز. راجع حواشي المشكينيّ على الكفاية ٤ : ١٦٩ ، وعناية الاصول ٤ : ١٤٧ ـ ١٤٨.

والوجه في في دفعه ما مرّ من أنّ مراد المصنّف قدس‌سره من كلامه هاهنا أنّ المعلوم بالإجمال إذا احرز كونه من القسم الأوّل وكان فعليّا من سائر الجهات يصير واجدا لما يتمّ به العلّة للبعث أو الزجر الفعليّ ، فيصير العلم الإجماليّ علّة للتنجّز بعد إحراز أمرين : (أحدهما) أن يكون الحكم المعلوم به فعليّا من سائر الجهات. (ثانيهما) أن يحرز كونه من القسم الأوّل. وهذا لا ينافي كون العلم الإجماليّ في نفسه مقتضيا للتنجّز.

هذا ما أردناه من توضيح كلام المصنّف قدس‌سره حول منجّزيّة العلم الإجماليّ. وقد ذكرنا آراء الأعلام الثلاثة وبعض من تأخّر عنهم حول منجّزيّته في مباحث القطع ، فراجع الجزء الثاني : ٢٦٧ التعليقة (٤).

وأمّا تفصيل البحث عن هذا المطلب فيحتاج إلى ذكر أبحاث كثيرة أخر وبيان آراء الأعلام والنقض والإبرام ، وتركناها خوفا من التطويل المملّ ، فنحيل المحقّقين من الطلاب إلى نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٧ ـ ٣٦٦ ، نهاية الدراية ٢ : ٩٢ ـ ١٠٦ و ٥٧٥ ـ ٥٧٦ ، فوائد الاصول ٣ : ٦٥ ـ ٧٤ وغيرها من المطوّلات.

لوجب عقلا موافقته مطلقا ، ولو كانت أطرافه غير محصورة.

وإنّما التفاوت بين المحصورة وغيرها هو أنّ عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعليّة المعلوم (١) مع كونه فعليّا لولاه (٢) من سائر الجهات.

وبالجملة : لا يكاد يرى العقل تفاوتا بين المحصورة وغيرها في التنجّز وعدمه فيما كان المعلوم إجمالا فعليّا يبعث المولى نحوه فعلا أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه.

والحاصل : أنّ اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتا في ناحية العلم. ولو أوجب تفاوتا فإنّما هو في ناحية المعلوم في فعليّة البعث أو الزجر مع الحصر وعدمها مع عدمه (٣) ؛ فلا يكاد يختلف العلم الإجماليّ باختلاف الأطراف قلّة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعليّة وعدمها بذلك ؛ وقد عرفت آنفا أنّه لا تفاوت بين التفصيليّ والإجماليّ في ذلك (٤) ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم أيضا (٥) ، فتأمّل تعرف (٦).

وقد انقدح : أنّه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعيّة مع حرمة مخالفتها (٧) ، ضرورة أنّ التكليف المعلوم إجمالا لو كان فعليّا لوجبت موافقته

__________________

(١) كما أنّ عدم الحصر قد يلازم الخروج عن الابتلاء أو الاضطرار إلى ارتكابه ، وهما مانعان عن صيرورة الحكم المعلوم بالإجمال تامّ الفعليّة.

(٢) أي : لو لا ما يلزمه عدم الحصر من المانع عن فعليّة المعلوم ، كالخروج عن محلّ الابتلاء ونحوه.

(٣) وفي بعض النسخ : «وعدمهما مع عدمه». والصحيح ما أثبتناه.

(٤) أي : في التنجيز.

(٥) هكذا في النسخ. والظاهر زيادة كلمة «أيضا».

(٦) لا يخفى عليك : أنّ ما أفاده في المقام تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث فصّل بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة ، فذهب إلى تنجيز العلم الإجماليّ ولزوم رعاية الاحتياط في الاولى وعدم تنجيزه في الثانية ، بل نقل الإجماع عليه. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٥٧.

(٧) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «مع حرمة المخالفة القطعيّة».

قطعا (١) ، وإلّا لم تحرم مخالفته كذلك أيضا (٢).

ومنه (٣) ظهر : أنّه لو لم يعلم فعليّة التكليف مع العلم به إجمالا ـ إمّا من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه (٤) ، أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معيّنا أو

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لوجب موافقته قطعا». والأولى ما أثبتناه.

(٢) ولعلّ هذا الكلام أيضا تعريض بالشيخ الأعظم ، حيث اختار جواز ترك الموافقة الفعليّة بدعوى أنّ للشارع أن يقنع بالموافقة الاحتماليّة وأن يرخّص في بعض أطراف الشبهة بعد جعل البدل ـ كما في فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤ ـ أو بدون جعل البدل ـ كما نقله المحقّق الآشتيانيّ في بحر الفوائد ٢ : ٨٨ ـ ٨٩ ـ.

وتوضيح المقام يتوقّف على بيان ما أفاده الشيخ الأعظم أوّلا ، وإيراد المصنّف قدس‌سره عليه ثانيا.

أمّا الشيخ الأعظم : فحاصل ما أفاده أنّ للشارع أن يكتفي في مقام الامتثال بترك أحد الطرفين ، بأن يجعل الطرف الآخر بدلا عن الحرام الواقعيّ إذا كان ما ارتكبه نفس المحرّم الواقعيّ المعلوم بالإجمال ، فله أن يقول للعبد : «إنّني أقنع منك بترك بعض الأطراف وأبيح لك الأطراف الأخر». وعليه فيجوز ترك الموافقة القطعيّة والاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة في بعض موارد العلم الإجماليّ. هذا ما يظهر من كلامه في فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤.

ونقل المحقّق الآشتيانيّ عن الشيخ أنّه اختار في مجلس درسه جواز ترخيص الشارع في بعض الأطراف من دون جعل بدل. راجع بحر الفوائد ٢ : ٨٨ ـ ٨٩.

وأمّا المصنّف قدس‌سره : فأورد عليه بأنّه لا تنفكّ حرمة المخالفة القطعيّة عن وجوب الموافقة القطعيّة ، ضرورة أنّه إذا كان الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال فعليّا من جميع الجهات ـ بحيث تتعلّق إرادة المولى به على كلّ تقدير ـ يمتنع جعل الحكم الظاهريّ على خلافه في تمام الأطراف أو في بعضها ، فتجب موافقته كما تحرم مخالفته. وإذا لم يكن فعليّا من جميع الجهات فلا مانع من جعل الحكم الظاهريّ على خلافه في بعض الأطراف أو في جميعها ، فجازت مخالفته القطعيّة ولم تجب موافقته كذلك.

وأورد على جعل البدل كثير من المتأخّرين ، منهم المحقّق العراقيّ والمحقّق الاصفهانيّ والسيّد الإمام الخمينيّ. فراجع نهاية الأفكار ٣ : ٣١٣ ـ ٣١٤ ، مقالات الاصول ٢ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ ، نهاية الدراية ٢ : ٥٨٦ ـ ٥٨٧ ، أنوار الهداية ٢ : ٣٠٦.

(٣) أي : ممّا ذكرنا من أنّ المناط في وجوب الموافقة القطعيّة بالاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ هو كون المعلوم بالإجمال تامّ الفعليّة ، سواء كانت أطرافه محصورة أو غير محصورة.

(٤) كما إذا علم بحرمة إحدى الامرأتين ، إحداهما في بلده وثانيتهما في أقصى بلاد الدنيا مع عدم ابتلائه بها عادة.