درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۳۱: اصل اشتغال ۵

 

أو لاحقا ، وذلك لأنّ التكليف المعلوم بينها من أوّل الأمر كان محدودا بعدم عروض الاضطرار (١) إلى متعلّقة (٢) ، فلو عرض على بعض أطرافه لما كان التكليف به معلوما ، لاحتمال أن يكون هو (٣) المضطرّ إليه فيما كان الاضطرار إلى المعيّن أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين (٤).

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. ولكن لا تساعد عليه اللغة. والصحيح أن يقول : «عدم عرض الاضطرار».

(٢) لا يخفى : أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، وأمّا لو كان إلى أحدهما المعيّن فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجّز ، لعدم منعه عن العلم بفعليّة التكليف المعلوم إجمالا المردّد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف أو المطلق [أي : المستمرّ] في الطرف الآخر ، ضرورة عدم ما يوجب عدم فعليّة مثل هذا المعلوم أصلا ، وعروض الاضطرار إنّما يمنع عن فعليّة التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه ، لا عن فعليّة المعلوم بالإجمال المردّد بين التكليف المحدود في طرف المعروض والمطلق في الآخر بعد العروض. وهذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، فإنّه يمنع عن فعليّة التكليف في البين مطلقا ، فافهم وتأمّل. منه [أعلى الله مقامه].

(٣) أي : المكلّف به.

(٤) توضيح ما أفاده : أنّه لو اضطرّ المكلّف إلى بعض أطراف العلم الإجماليّ فتارة يكون الاضطرار إلى طرف معيّن ، واخرى يكون الاضطرار إلى غير معيّن. وعلى كلا التقديرين تارة يحصل الاضطرار قبل العلم الإجماليّ ، واخرى يحصل بعد العلم الإجماليّ ، وثالثة يحصل مقارنا للعلم الإجماليّ. وعلى جميع التقادير تارة يكون الاضطرار بعد تعلّق التكليف ، واخرى يكون قبله ، فللمسألة صور :

الاولى : أن يحصل الاضطرار إلى طرف معيّن قبل التكليف وقبل العلم الإجماليّ به ، كما لو اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مثلا ، ثمّ علم بوقوع النجاسة في أحدهما بعد الاضطرار.

الثانية : أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد تعلّق التكليف بأحدها وقبل العلم الإجماليّ به ، كما إذا كان أحد الماءين نجسا في الواقع ، ولكنّه لم يكن عالما به ، فاضطرّ إلى شرب أحدهما ثمّ علم بأنّ أحدهما كان نجسا قبل الاضطرار.

الثالثة : أن يحدث الاضطرار إلى طرف معيّن بعد التكليف وبعد العلم به ، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائعين ، فاضطرّ إلى شرب أحدهما لرفع العطش.

الرابعة : أن يحصل الاضطرار إلى واحد معيّن مقارنا للعلم الإجماليّ ، كما لو أصاب النجس أحد الإنائين في الساعة الاولى ، وحصل له العلم بذلك في الساعة الثانية مقارنا ـ

لا يقال : الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلّا كفقد بعضها ؛ فكما لا إشكال

__________________

ـ للاضطرار إلى شرب أحدهما المعيّن.

الخامسة والسادسة والسابعة : أن يحدث الاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم الإجماليّ أو بعده أو مقارنا له. وأمثلتها واضحة.

هذه رءوس الصور المتصوّرة في المقام. ويتّضح حكم غيرها بعد بيان حكم هذه الصور.

ذهب المصنّف قدس‌سره إلى أنّ الاضطرار مانع عن تنجيز العلم الإجمالي في جميع الصور ، فلا يجب في الصور كلّها الاجتناب عن الأطراف الأخر.

نعم ، كلماته في حكم الصورة الثالثة مضطربة ، فذهب في متن الكتاب وفوائد الاصول : ٩٥ إلى عدم تنجيز العلم الإجماليّ في هذه الصورة أيضا. وعدل عنه في هامش الكتاب ـ كما مرّ ـ والتزم ببقاء التنجيز في الطرف غير المضطرّ إليه.

واستدلّ على مدّعاه في متن الكتاب بأنّ تنجّز التكليف يدور مدار المنجّز حدوثا وبقاء ، والمفروض أنّ المنجّز هو العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ ، وهو ينتفي بطروء الاضطرار ، لأنّ الاضطرار من حدود التكليف المعلوم بين الأطراف ، بمعنى أنّه مشروط من أوّل الأمر بعدم طروء الاضطرار إلى متعلّقه ، فلو عرض الاضطرار إلى بعض أطرافه ينتفي العلم بالتكليف الفعليّ المنجّز ، وإذا انتفى العلم به ينتفي التكليف المنجّز ، ولا مقتضي لوجوب الاجتناب عن سائر الأطراف.

وأمّا في الهامش فقرّب التنجيز في الطرف غير المضطرّ إليه بأنّ العلم الإجماليّ تعلّق بالتكليف المردّد بين المحدود والمطلق ، لأنّ التكليف في أحد الطرفين ـ وهو المضطرّ إليه ـ محدود بطروء الاضطرار ، وهو في الطرف الآخر ـ على تقدير ثبوته ـ مطلق ومستمرّ ، فيكون المقام من قبيل تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بين القصير والطويل ، نظير ما إذا علم بوجوب الجلوس في هذا المسجد ساعة أو في ذلك المسجد ساعتين. وحينئذ يكون الاضطرار إلى طرف معيّن موجبا لانتهاء التكليف في ذلك الطرف بانتهاء أمده لأجل الاضطرار ، وهذا لا يوجب انتهائه في الطرف الآخر.

واختار الشيخ الأعظم الأنصاريّ تنجيز العلم الإجماليّ في هذه الصورة والصور الخامسة والسادسة والسابعة. وتبعه المحقّقون : النائينيّ والعراقيّ والحائريّ والخمينيّ والخوئيّ. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٤٢٥ ، فوائد الاصول ٤ : ٩٤ ـ ١٠٢ ، مقالات الاصول ٢ : ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٠٩ ـ ٢١٠ ، الهداية في الاصول ٣ : ٣٩٧ و ٤٠١ ، درر الفوائد ٢ : ١١٩.

واتّفقوا أيضا على عدم التنجيز في الصورة الرابعة. ولعلّه لم يذكره المصنّف قدس‌سره في المقام. فراجع فوائد الاصول ٤ : ٩٥ ، نهاية الأفكار ٣ : ٣٥٠ ، أجود التقريرات ٢ : ٢٦٦ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٠٩ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٦٣ ، وغيرها من المطوّلات.

في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان ، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار ، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجا عن عهدة ما تنجّز عليه قبل عروضه.

فإنّه يقال : حيث إنّ فقد المكلّف به ليس من حدود التكليف به وقيوده ، كان التكليف المتعلّق به مطلقا ، فإذا اشتغلت الذمّة به كان قضيّة (١) الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك ، وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه (٢) ، فإنّه من حدود التكليف به وقيوده ، ولا يكون الاشتغال به من الأوّل إلّا مقيّدا بعدم عروضه (٣) ، فلا يقين باشتغال الذمّة بالتكليف به إلّا إلى هذا الحدّ ، فلا يجب رعايته فيما بعده ، ولا يكون إلّا من باب الاحتياط في الشبهة البدويّة ، فافهم وتأمّل ، فإنّه دقيق جدّا (٤).

الثاني : [شرطيّة الابتلاء بتمام الأطراف في تنجيز العلم الإجماليّ] (٥)

أنّه لمّا كان النهي عن الشيء (٦) إنّما هو لأجل أن يصير داعيا للمكلّف نحو

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «كانت قضيّة ...».

(٢) أو إلى ارتكابه.

(٣) أي : عدم طروء الاضطرار.

(٤) وأورد السيّد الإمام الخمينيّ على ما أفاده في كلّ من المتن والهامش. فراجع أنوار الهداية ٢ : ٢١٢ ـ ٢١٣.

(٥) لا يخفى : أنّه لا ريب في اعتبار القدرة العقليّة على جميع أطراف العلم الإجماليّ في منجّزيّته واستحقاق العقوبة على مخالفته. وانّما الكلام في أنّه هل يعتبر في توجّه الخطاب إلى المكلّف وتنجّزه إمكان الابتلاء عادة بجميع الأطراف أم لا يعتبر؟

ذهب بعضهم إلى اعتباره في خصوص النهي والشبهات التحريميّة دون الأمر والشبهات الوجوبيّة ، كالشيخ الأعظم والمحقّق النائينيّ. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٢٣٣ ، فوائد الاصول ٤ : ٥١.

وذهب بعض آخر ـ كالمصنّف قدس‌سره في المقام والمحقّق العراقيّ ـ إلى اعتباره في النهي والأمر. راجع ما يأتي في حاشية الكتاب ، ونهاية الأفكار ٣ : ٣٣٨.

وذهب بعض آخر ـ كالمحقّق الاصفهانيّ والسيّدين العلمين : الخوئيّ والخمينيّ ـ إلى عدم اعتباره أصلا. راجع نهاية الدراية ٢ : ٦٠١ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٩٥ ، أنوار الهداية ٢ : ٢١٤ ـ ٢١٩.

(٦) كما أنّه إذا كان فعل الشيء الّذي كان متعلّقا لغرض المولى ممّا لا يكاد عادة أن يتركه ـ

تركه لو لم يكن له داع آخر ، ولا يكاد يكون ذلك إلّا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به ، وأمّا ما لا ابتلاء به بحسبها ، فليس للنهي عنه موقع أصلا (١) ، ضرورة أنّه (٢) بلا فائدة ولا طائل ، بل يكون من قبيل طلب الحاصل ، كان (٣) الابتلاء بجميع الأطراف ممّا لا بدّ منه في تأثير العلم ، فإنّه بدونه لا علم بتكليف فعليّ ، لاحتمال تعلّق الخطاب بما لا ابتلاء به (٤).

__________________

ـ العبد وأن لا يكون له داع إليه لم يكن للأمر به والبعث إليه موقع أصلا ، كما لا يخفى. منه [أعلى الله مقامه].

(١) ولا يخفى : أنّ الظاهر من هذه العبارة اختصاص اعتبار هذا الشرط بخصوص النهي والشبهات التحريميّة ، كما هو ظاهر عبارة الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٢ : ٢٢٣. وتبعهما المحقّق النائينيّ ، فصرّح بعدم اعتباره في الأمر والشبهات الوجوبيّة ، فقال : «وانّما زيد هذا القيد في خصوص النواهي ، ولم يعتبر في الأوامر التمكّن العاديّ من الفعل مضافا إلى التمكّن العقليّ ، لأنّ الأمر بالفعل انّما يكون لأجل اشتمال الفعل على مصلحة لازمة الاستيفاء في عالم التشريع ، ولا يقبح من المولى التكليف بإيجاد ما اشتمل على المصلحة بأيّ وجه أمكن ولو بتحصيل الأسباب البعيدة الخارجة عن القدرة العادية مع التمكن العقليّ من تحصيلها». فوائد الاصول ٤ : ٥١ ـ ٥٢.

ولكنّ المصنّف قدس‌سره أشار في حاشية الكتاب إلى عدم اعتباره في الأوامر والشبهات الوجوبيّة أيضا ، كما مرّت حاشيته ذيل التعليقة (٦) من الصفحة السابقة.

ووسّعه المحقّق العراقيّ أيضا واستدلّ على اعتباره كذلك بأنّ توجيه النهي أو الأمر بما خارج عن الابتلاء مستهجن ، لأنّ البعد عن العمل بمثابة يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيّا عنه ، بحيث لا يحسنون توجيه الخطاب نحوه. راجع نهاية الأفكار ٣ : ٣٣٨ ، وهامش فوائد الاصول ٤ : ٥٢.

(٢) أي : النهي عمّا لا ابتلاء به بحسب العادة.

(٣) قوله : «كان» جواب لقوله : «لمّا».

(٤) حاصل ما أفاده في الاستدلال على اعتبار الابتلاء بجميع الأطراف أمران :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «ضرورة أنّه بلا فائدة ولا طائل». وحاصله : أنّ توجيه الخطاب إلى غير مورد الابتلاء لغو ، إذ غرض الشارع من النهي إيجاد الداعي إلى الترك ، كما أنّ غرضه من الأمر إيجاد الداعي إلى الفعل ، وهو لا يتحقّق فيما إذا كان الفعل خارجا عن محلّ الابتلاء ، فتوجيه الخطاب إليه لغو. ولغويّة الخطاب وإن كان أمرا ممكنا ذاتا إلّا أنّه مستحيل على الحكيم عقلا ، لمنافاته للحكمة.