درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۳۵: اصل اشتغال ۹

 

المقام الثاني

في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين (١)

[المختار : جريان الاحتياط عقلا الدليل الاول]

والحقّ أنّ العلم الإجماليّ بثبوت التكليف بينهما أيضا (٢) يوجب الاحتياط

__________________

ـ وظاهر إفادات الشيخ المحقّق الاصفهانيّ موافقته للمصنّف قدس‌سره في حكم جميع الصور. نهاية الدراية ٢ : ٦١٤ ـ ٦٢٢.

ووافقه أيضا السيّدان المحقّقان الخوئيّ والخمينيّ إلّا في المورد الثاني من الصورة الثانية كما مرّ. فراجع مصباح الاصول ٢ : ٤١٠ ـ ٤٢٥ ، هامش أنوار الهداية ٢ : ٢٤٢.

(١) قد مرّ الفرق بين دوران الأمر بين الامور المتبانية وبين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين والأقل والأكثر الاستقلاليّين. فراجع التعليقة (٢) من الصفحة : ٩٤ من هذا الجزء.

ولا يخفى : أنّ منشأ النزاع في المقام أنّ الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين هل يلحق بالشكّ في التكليف ليكون وجوب الأكثر موردا للبراءة أو أنّه ملحق بالشكّ في المكلّف به ليكون موردا لقاعدة الاشتغال؟ فيه أقوال:

الأوّل : عدم جريان البراءة عقلا ونقلا ، بل يحكم بوجوب الإتيان بالأكثر احتياطا.

هذا ما يظهر من المحقّق السبزواريّ في ذخيرة المعاد : ٢٧٣ ، والشيخ محمّد تقي الاصفهانيّ في هداية المسترشدين : ٤٤٩ ، والسيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٢٨٥. واختاره المصنّف قدس‌سره في حاشية الكتاب كما يأتي ، وتبعه تلميذه المحشّي العلّامة المشكينيّ في حواشي الكفاية ٤ : ٢٣٠.

الثاني : جريان البراءة عقلا ونقلا. وهذا مذهب كثير من الاصوليّين ، منهم صاحب الفصول والشيخ الأعظم الأنصاريّ والعلّامة الآشتيانيّ والمحقّق العراقيّ والمحقّق الاصفهانيّ والسيّدان العلمان الخمينيّ والخوئيّ والشهيد الصدر. راجع الفصول الغرويّة : ٣٥٧ ، فرائد الاصول ٢ : ٣١٧ ، بحر الفوائد ٢ : ١٤٩ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٦٨ ، نهاية الدراية ٢ :٦٢٧ ـ ٦٤٤ وحاشية الاصفهانيّ على المكاسب ٢ : ٣٩٢ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٨٢ ، مصباح الاصول ٢ : ٤٣٧ ـ ٤٣٩ ، مباحث في الاصول ٤ : ١٦٤.

الثالث : جريان البراءة نقلا وعدم جريانه عقلا. وهذا مختار المصنّف في متن الكتاب ـ وإن عدل عنه في الحاشية كما يأتي ـ. وتبعه المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٤ : ١٥١.

(٢) كما أنّ العلم الإجماليّ بثبوت التكليف بين الامور المتبانية يوجب الاحتياط.

عقلا بإتيان الأكثر ، لتنجّزه به حيث تعلّق بثبوته فعلا (١).

[القول بالبراءة وما فيه]

وتوهّم «انحلاله إلى العلم بوجوب الأقلّ تفصيلا والشكّ في وجوب الأكثر بدوا ، ضرورة لزوم الإتيان بالأقلّ لنفسه شرعا أو لغيره كذلك (٢) أو عقلا ، ومعه (٣) لا يوجب تنجّزه لو كان متعلّقا بالأكثر» (٤) فاسد

__________________

(١) توضيحه : أنّ المكلّف يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، والعلم الإجماليّ منجّز للتكليف ، فالاشتغال اليقينيّ بالتكليف معلوم ، وهو يقتضي لزوم تحصيل العلم بفراغ الذمّة ، ولا يحصل العلم بالفراغ إلّا بالإتيان بالأكثر ، فلا مناص من الاحتياط.

(٢) أي : شرعا.

(٣) أي : مع الانحلال.

(٤) هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٣٢٢ ، حيث قال : «وبالجملة : فالعلم الإجماليّ غير مؤثّر في وجوب الاحتياط ، لكون أحد طرفيه معلوم الإلزام تفصيلا والآخر مشكوك الإلزام رأسا». وتوضيحه : أنّ الأقلّ واجب يقينا بالوجوب الجامع بين الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ ، إذ لو كان الواجب في الواقع هو الأقلّ فيكون الأقلّ واجبا نفسيّا ، ولو كان الواجب في الواقع هو الأكثر فيكون الأقلّ واجبا غيريّا ، فالتكليف بالنسبة إلى الأقلّ منجّز على كلّ تقدير. بخلاف الأكثر ، فإنّ أمره دائر بين أن يكون واجبا فيما إذا كان مشكوك الجزئيّة جزءا للمامور به واقعا وبين أن لا يكون واجبا فيما إذا لم يكن جزءا للمامور به واقعا ، فيكون الشكّ بالنسبة إلى الأكثر بدويّا ، فلا يكون التكليف بالنسبة إليه منجّزا ، بل هو مجرى قاعدة العقاب بلا بيان.

وقد اختلفت كلمات الأعلام حول تقريب الانحلال ، نكتفي بذكر ما أفاده المحقّقان الأصفهانيّ والعراقيّ.

أمّا المحقّق الاصفهانيّ : فقرّبه بما حاصله : أنّ الأجزاء في الواجب لا تكون واجبة بالوجوب الغيري المقدّميّ ، بل هناك وجوب نفسيّ واحد منبعث عن إرادة نفسيّة واحدة منبّعة عن غرض واحد قائم بالأجزاء بالأسر الّتي هي عين الكلّ ، فهذا الوجوب النفسيّ الشخصيّ المعلوم أصله منبسط على تسعة أجزاء ـ مثلا ـ بتعلّق واحد ، وانبساطه بغير ذلك التعلّق على الجزء العاشر المشكوك غير معلوم ، فإذن يكون التكليف بالمقدار المعلوم انبساط الوجوب النفسيّ عليه فعليّا منجّزا ، وبالمقدار الآخر المجهول انبساطه عليه لا مقتضي لفعليّته وتنجّزه. وبما أنّ التكليف المتعلّق بالأقلّ هو الوجوب النفسيّ الّذي يترتّب الثواب والعقاب على ـ

قطعا (١) ، لاستلزام الانحلال المحال ، بداهة توقّف لزوم الأقلّ فعلا ـ إمّا لنفسه أو لغيره ـ على تنجّز التكليف مطلقا ولو كان متعلّقا بالأكثر ، فلو كان لزومه كذلك مستلزما لعدم تنجّزه (٢) إلّا إذا كان متعلّقا بالأقلّ كان خلفا (٣).

__________________

ـ مخالفته وموافقته ، فلا تتوقّف فعليّته وتنجّزه على تكليف آخر غير معلوم الحال.

نعم ، لا يعلم أنّ ذات الأقلّ بحسب الفعليّة تمام المنبسط عليه واقعا أو بعضه. لكن عدم العلم به لا يخرج الأمر المتعلّق به عن النفسيّة والفعليّة. نهاية الدراية ٢ : ٦٢٧ ـ ٦٢٨.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فقرّبه بوجه آخر ، حاصله : أنّ وصف الأقلّيّة أو الأكثريّة للواجب انّما يكون باعتبار حدّ التكليف من حيث وقوفه على الأقلّ أو شموله وانبساطه على الجزء المشكوك ، فالاختلاف بين الأقلّ والأكثر ليس ناشئا من اختلاف الوجوب المتعلّق بالأقلّ مع الوجوب المتعلّق بالأكثر ، بل الوجوب المتعلّق بالأقلّ لا يتغيّر ، سواء انبسط الوجوب على الأكثر في الواقع أو لم ينبسط عليه ؛ وانّما الاختلاف ناشئ من أنّ حدّ التكليف غير معلوم. وعليه فالشكّ بين الأقلّ والأكثر يرجع إلى الشكّ في أنّ شخص التكليف المنبسط على الأجزاء هل يكون محدودا بحدّ يشمل الجزء المشكوك أو يكون بحدّ لا يشمله؟ وهذا نظير الخط القصير والخط الطويل ، فإنّه إذا رسم الخط القصير ثمّ اضيف إليه ما يوجب ازدياد طوله لم يختلف واقع الخط القصير عمّا كان عليه قبل الزيادة. فالشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في ثبوت الزيادة على المقدار الأقلّ وعدمه. وظهر أنّ وجوب الأقلّ معلوم بالتفصيل ، سواء انبسط على الزائد أو لم ينبسط ، فلا شكّ في وجوب الأقلّ ، وانّما الشكّ في انبساط الوجوب على الجزء الزائد المشكوك ، وهو شكّ بدويّ ، والمرجع فيه البراءة. نهاية الأفكار ٣ : ٣٨١ ، هامش فوائد الاصول ٤ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

وقد ذكروا لتقريب الانحلال وجوها أخر. ولا يهمّ التعرّض لها. وإن شئت فراجع المطوّلات.

(١) خبر لقوله : «توهّم».

(٢) أي : فلو كان لزوم الأقلّ مطلقا ـ ولو كان متعلّقا بالأكثر ـ مستلزما لعدم تنجّز التكليف ....

(٣) تقرير الخلف : أنّ انحلال العلم الإجماليّ بالتكليف موقوف على تنجّز التكليف في بعض الأطراف على كلّ تقدير ، سواء كان التكليف في الواقع متعلّقا به أو بأطراف أخر ، فحينئذ يتبدّل العلم الاجماليّ به إلى علم تفصيليّ بالتكليف في ذلك الطرف وشكّ بدويّ في الآخر.

وعليه فانحلال العلم الإجماليّ في المقام وإثبات عدم تنجّز التكليف بالنسبة إلى الأكثر موقوف على تنجّز التكليف في الأقلّ على كلّ تقدير ، سواء كان الوجوب في الواقع متعلّقا بالأقلّ أو بالأكثر ، فلو كان تنجّز التكليف في الأقلّ كذلك ـ أي على كلّ تقدير ـ مستلزما لعدم تنجّزه في الأكثر كان خلفا ، وهو محال.

مع أنّه يلزم من وجوده عدمه (١) ، لاستلزامه عدم تنجّز التكليف على كلّ حال المستلزم لعدم لزوم الأقلّ مطلقا المستلزم لعدم الانحلال ، وما يلزم من وجوده عدمه محال(٢).

نعم ، إنّما ينحلّ إذا كان الأقلّ ذا مصلحة ملزمة ، فإنّ وجوبه حينئذ يكون معلوما له ، وإنّما كان الترديد لاحتمال أن يكون الأكثر ذا مصلحتين أو مصلحة

__________________

(١) أي : يلزم من وجود الانحلال عدم الانحلال.

(٢) بيان ذلك : أنّ لازم الانحلال عدم تنجّز التكليف على أيّ تقدير ، ضرورة أنّ الانحلال مستلزم لعدم تنجّزه على تقدير تعلّقه بالأكثر ، وعدم تنجّز التكليف على أيّ تقدير مستلزم لعدم لزوم الأقلّ على أيّ تقدير ، وهو مستلزم لعدم الانحلال ، فيلزم من فرض وجود الانحلال عدمه ، وهو محال.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره في الإشكال على الانحلال ـ من لزوم الخلف ولزوم عدمه من وجوده ـ وقع مورد النقض والإبرام عند المحقّقين من الأعلام بوجوه :

منها : ما أفاده المحقّق النائينيّ وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ. وحاصله : أنّ منشأ الإشكالين انّما هو توهّم كون وجوب الأقلّ مقدّميّا على تقدير أن يكون متعلّق التكليف هو الأكثر ، ضرورة أنّه لا مناص عن الإشكالين حينئذ ، لأنّ وجوب المقدّمة وتنجّزه تابع لوجوب ذيها ، فلا يعقل تنجّزه بالنسبة إلى الأقلّ مع عدم تنجّزه بالنسبة إلى الأكثر ـ أي ذى المقدّمة ـ. ولكن وجوب الأقلّ لا يكون إلّا نفسيّا على كلّ تقدير ، سواء كان متعلّق التكليف هو الأقلّ أو كان هو الأكثر ، فإنّ الأجزاء انّما تجب بعين وجوب الكلّ ، فلا يتوقّف وجوب الأقلّ على تنجّز الأكثر ، فإنّ الأمر بالمركّب منجّز ، وينجّز الأمر بالأقلّ بعين تنجّز الأمر بالمركّب. فوائد الاصول ٤ : ١٥٦ ـ ١٥٧ ، أنوار الهداية ٢ : ٢٩٧ ـ ٢٩٨.

ومنها : ما أفاده المحقّق العراقيّ. وحاصله : أنّ ما أفاد المصنّف قدس‌سره مبنيّ على أخذ جهة الارتباط والانضمام بالزائد قيدا للأقلّ في مرحلة كونه معروضا للوجوب الضمنيّ ، فإنّه حينئذ يستحيل تصوّر مجيء الأقلّ في العهدة مستقلّا وانفكاكه عن تنجّز الأكثر. ولكن هذا المبنى فاسد ، لأنّ جهة الارتباط والانضمام غير مأخوذة في موضوع الوجوب ، فإنّ موضوع الوجوب انّما هو نفس الأفراد بلا ارتباط لبعضها بالآخر حين طروء الوجوب ، بل انّما جاءت جهة الارتباط من قبل وحدة الوجوب المتعلّق بالأجزاء بأسرها ، وحينئذ لا قصور في مجيء الأقلّ في العهدة وتنجّز الوجوب بالنسبة إليه مستقلّا بسبب العلم بوجوبه ولو ضمنيّا. نهاية الأفكار ٣ : ٣٨٦ ـ ٣٨٧ ، هامش فوائد الاصول ٤ : ١٥٨.