درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۳۸: اصل اشتغال ۱۲

 

المأمور (١).

واخرى بأنّ حصول المصلحة واللطف في العبادات لا يكاد يكون إلّا بإتيانها على وجه الامتثال (٢) ، وحينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة أجزائها تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه مجال ، ومعه (٣) لا يكاد يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية إلى الأمر (٤) ، فلم يبق إلّا التخلّص عن تبعة مخالفته بإتيان ما علم تعلّقه به ، فإنّه واجب عقلا وإن لم يكن في المأمور به مصلحة ولطف رأسا ، لتنجّزه بالعلم به إجمالا. وأمّا الزائد عليه ـ لو كان ـ فلا تبعة على مخالفته من جهته ، فإنّ العقوبة عليه بلا بيان (٥).

وذلك (٦) ضرورة أنّ حكم العقل بالبراءة ـ على مذهب الأشعريّ ـ لا يجدي من ذهب إلى ما عليه المشهور من العدليّة ، بل من ذهب إلى ما عليه غير المشهور ، لاحتمال أن يكون الداعي إلى الأمر ومصلحته على هذا المذهب (٧) أيضا هو

__________________

(١) ومن القائلين بأنّ المصلحة تكون في نفس الأمر هو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٣٧ ـ ٣٣٨.

وهذا هو الجواب الأوّل. وحاصله : أنّ مسألة البراءة والاحتياط ليست مبنيّة على مذهب مشهور العدليّة من تبعيّة الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها كي يقال بأنّ في إحراز حصول الغرض لا بدّ من إحراز إطاعة الأمر المتوقّف على إتيان الأكثر ، بل الكلام في جريان البراءة وعدمه في المقام عامّ ، فيمكن البحث عن المسألة والتكلّم فيها على مذهب بعض العدليّة من أنّ وجود المصلحة في نفس الأمر يكفي في صدور الأمر من المولى ، كالأوامر الامتحانيّة ، أو على مذهب الأشاعرة من عدم التبعيّة أصلا ولو في نفس الأمر.

(٢) ولذا لو أتى بها لا على وجه الامتثال لم يترتّب عليه لطف.

(٣) أي : ومع احتمال اعتبار معرفة الأجزاء.

(٤) لأنّ المفروض عدم العلم التفصيليّ بأجزائها.

(٥) انتهى ما أجاب به الشيخ الأعظم الأنصاريّ عن الاستدلال بالغرض على وجوب الاحتياط عقلا.

(٦) أي : عدم الوجه للتفصّي عن الاستدلال بالغرض بالوجهين المذكورين.

(٧) أي : مذهب غير المشهور من العدليّة ، وهو كون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به.

ما في الواجبات من المصلحة وكونها ألطافا (١) ، فافهم.

وحصول اللطف (٢) والمصلحة في العبادة وإن كان يتوقّف على الإتيان بها على وجه الامتثال ، إلّا أنّه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الأجزاء وإتيانها على وجهها ، كيف! ولا إشكال في إمكان الاحتياط هاهنا كما في المتباينين ، ولا يكاد يمكن مع اعتباره (٣). هذا.

مع وضوح (٤) بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك. والمراد ب «الوجه»

__________________

(١) حاصل الإيراد : أنّ التكلّم في المسألة على مذهب الأشعريّ وإن ينتج حكم العقل بالبراءة ، إلّا أنّه لا يجدي لنا القائلين بمذهب المشهور من العدليّة. وكذا التكلّم فيها على مذهب بعض العدليّة لا يجدي لنا ، لاحتمال أن يكون مقصود البعض أنّه يجوز أن تكون المصلحة في نفس الأمر كما يجوز أن يكون في المأمور به ، وعليه فيحتمل أن تكون المصلحة في المأمور به ، ومعه لا يمكن الاقتصار على الأقلّ ، لعدم العلم بحصول الغرض به.

(٢) أورد المصنّف قدس‌سره على الجواب الثاني الّذي ذكره الشيخ بوجوه. وهذا شروع في بيان الوجه الأوّل. وحاصله : أنّ حصول المصلحة في العبادات ، وإن كان متوقّفا على الإتيان بالعبادة بقصد الامتثال ، إلّا أنّ اعتبار معرفة الأجزاء وقصد وجهها غير معلوم ، بل لا مجال لاحتمال اعتبارهما ، ضرورة أنّه لو كان قصد وجه الأجزاء ـ المنوط بمعرفتها ـ معتبرا في الامتثال لما كان الاحتياط في المتباينين أيضا ممكنا ، مثلا : إذا دار الأمر في العبادة بين القصر والتمام وكان قصد وجه الأجزاء معتبرا في امتثالها لما أمكن فيها الاحتياط بإتيانها قصرا وتماما ، لأنّه لو أراد إتيان العبادة تماما من دون قصد وجه ما زاد على الركعتين فلم يأت بها على وجه صحيح ، لأنّ المفروض اعتبار قصد وجه الأجزاء في تحقّق الامتثال ؛ ولو أراد الإتيان بها تماما مع قصد وجه ما زاد على الركعتين فلم يتمكّن منه ، لأنّ قصد وجه الأجزاء متوقّف على العلم بجزئيّتها ، ولا علم بجزئيّة ما زاد على الركعتين. ولا إشكال في إمكان الاحتياط في المتباينين. وهذا دليل على عدم اعتبار قصد وجه الأجزاء في العبادة. فلا يتمّ كلام الشيخ الأعظم من عدم إمكان الاحتياط بإتيان الأكثر.

(٣) أي : ولا يكاد يمكن الاحتياط في المتباينين مع اعتبار إتيان الأجزاء بقصد وجهها.

(٤) هذا هو الوجه الثاني في الإيراد على ما ذكره الشيخ الأنصاريّ. وحاصله : أنّ اعتبار قصد الوجه وإن قد يتفوّه به في الكتب الفقهيّة ، إلّا أنّ المقصود منه اعتباره في العبادة في الجملة ، لا في كلّ واحد من الأجزاء ، وهذا المقدار يمكن تحقّقه بالاحتياط بإتيان الأكثر بأن يقصد وجوب الواجب بالوجوب النفسيّ.

في كلام من صرّح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه به (١) هو وجه نفسه (٢) من وجوبه النفسيّ ، لا وجه أجزائه من وجوبها الغيريّ أو وجوبها العرضيّ. وإتيان الواجب مقترنا بوجهه غاية ووصفا بإتيان الأكثر بمكان من الامكان ، لانطباق الواجب عليه ولو كان هو الأقلّ ، فيتأتّى من المكلّف معه قصد الوجه.

واحتمال اشتماله (٣) على ما ليس من أجزائه ليس بضائر إذا قصد وجوب المأتيّ على إجماله بلا تمييز ما له دخل في الواجب من أجزائه ، لا سيّما إذا دار الزائد بين كونه جزءا لماهيّته وجزءا لفرده حيث ينطبق الواجب على المأتيّ حينئذ بتمامه وكماله ، لأنّ الطبيعيّ يصدق على الفرد بمشخّصاته.

نعم ، لو دار بين كونه جزءا أو مقارنا (٤) ، لما كان منطبقا عليه بتمامه لو لم يكن جزءا. لكنّه غير ضائر ، لانطباقه عليه أيضا فيما لم يكن ذاك الزائد جزءا ، غايته لا بتمامه بل بسائر أجزائه. هذا.

مضافا (٥) إلى أنّ اعتبار قصد الوجه من رأس ممّا يقطع بخلافه (٦).

مع أنّ الكلام (٧) في هذه المسألة لا يختصّ بما لا بدّ أن يؤتى به على وجه

__________________

(١) كما صرّح بذلك ابن البرّاج والحلبيّ وابن زهرة وابن ادريس والعلّامة والمحقّق الثاني.

فراجع المهذّب ١ : ٤٣ ، الكافي في الفقه : ١٣٢ ، الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٩١ ، السرائر ١ : ٩٨ ، تذكرة الفقهاء ١ : ١٤٠ ، إرشاد الأذهان ١ : ٢٩٩ ، قواعد الأحكام ١ : ١٩٩.

(٢) أي : نفس الواجب في الجملة.

(٣) أي : اشتمال الأكثر.

(٤) وبعبارة أوضح : لو دار أمر المشكوك فيه بين كونه جزءا للماهيّة أو فردا لها وبين كونه أمرا أجنبيّا مقارنا للطبيعيّ ، لم ينطبق الطبيعيّ على المأتيّ به بتمامه ، إذ المشكوك فيه ـ على تقدير عدم جزئيّته ـ خارج عن حاقّ الفعل العباديّ وإن لم يكن منافيا له. لكن عدم انطباق الطبيعيّ على المأتيّ به بتمامه ـ فيما لم يكن ذاك الزائد جزءا ـ غير ضائر ، لأنّه ينطبق عليه لا بتمامه بل بسائر أجزائه.

(٥) هذا هو الوجه الثالث من الإيرادات على ما أفاد الشيخ الأنصاريّ.

(٦) والشيخ الأعظم أيضا اعترف بعدم اعتباره. راجع كتاب الطهارة ٢ : ٣٩٥ و ٥٤٥ ، كتاب الصلاة ١ : ٥٢٩ ، كتاب الصوم ١ : ٩٧.

(٧) هذا هو الوجه الرابع من وجوه الإيرادات على الشيخ الأعظم.