درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۴۰: اصل اشتغال ۱۴

 

الامتثال من العبادات (١).

مع أنّه لو قيل (٢) باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردّد والاحتمال فلا وجه معه (٣) للزوم مراعاة الأمر المعلوم أصلا ولو بإتيان الأقلّ ولو لم يحصل الغرض ، وللزم الاحتياط بإتيان الأكثر مع حصوله ليحصل القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال ، لاحتمال بقائه مع الأقلّ بسبب بقاء غرضه (٤) ، فافهم (٥).

__________________

(١) وبتعبير آخر : انّه لو سلّم ما ذكره فإنّما يتمّ في التعبّديّات دون التوصّليّات ، لعدم توقّف حصول الغرض فيها على قصد الوجه. وحينئذ يلزم القول بوجوب الاحتياط في التوصّليّات دون التعبّديّات ، وهو مقطوع البطلان ولم يلتزم به الشيخ الأعظم.

(٢) وهذا هو الوجه الخامس من الإيراد على الجواب الثاني الّذي ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ عن الدليل الثاني. توضيحه : أنّه لو سلّم اعتبار قصد الوجه في الامتثال ففي اعتباره وجهان :

الأوّل : أن يقال باعتباره على وجه ينافيه احتمال الجزئيّة والتردّد فيها ، بأن يكون المعتبر قصد كلّ جزء جزء على ما هو عليه من الوجوب وعدمه على كلّ تقدير ، وهو متوقّف على العلم بكلّ جزء تفصيلا ، والمفروض عدمه في المقام ، فحينئذ لا يتمكّن المكلّف من امتثال ما دار أمره بين الأقلّ والأكثر ، فيسقط التكليف من رأسه ولا يلزم مراعاة المعلوم الإجماليّ أصلا ، لا بإتيان الأقلّ لأنّ المفروض عدم حصول الغرض به ، ولا بإتيان الأكثر لعدم التمكّن منه.

الثاني : أن يقال باعتباره لا على وجه ينافيه احتمال الجزئيّة والتردّد فيها ، بأن يكون المعتبر قصد الوجه مقيّدا بالتمكّن منه ، بمعنى أنّه إذا تمكّن المكلّف من قصد كلّ جزء على ما هو عليه من الوجوب وعدمه فيجب عليه قصد الوجه كذلك ، كما إذا علم جزئيّة كلّ جزء تفصيلا ، وإلّا فلا يعتبر قصد الوجه أصلا. وعليه يلزم عدم اعتبار قصد الوجه فيما دار أمره بين الأقلّ والأكثر ، لأنّ المفروض عدم تمكّن المكلّف من قصد الوجه. وحينئذ يمكن تحصيل الغرض الداعي إلى الأمر مجرّدا عن قصد الوجه. فبما أنّه يقطع باشتغال ذمّته للزم عليه الاحتياط بإتيان الأكثر ليحصل له القطع بالفراغ.

(٣) أي : مع التردّد والاحتمال.

(٤) ولا يخفى : أنّ العبارة غير خالية من الغموض. فتأمّل فيما ذكرناه في التعليقة السابقة كي يرفع غموضها ويتّضح مرام المصنّف قدس‌سره.

(٥) ولا يخفى : أنّ المحقّق الاصفهانيّ خالف المصنّف قدس‌سره وأجاب عن هذه الوجوه الخمسة دفاعا عن مرام الشيخ الأعظم الأنصاريّ ، فراجع نهاية الدراية ٢ : ٤٣٥ ـ ٦٤٤. ـ

هذا بحسب حكم العقل.

[جريان البراءة نقلا]

وأمّا النقل (١) : فالظاهر أنّ عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئيّة ما شكّ في جزئيّته ؛ فبمثله يرتفع الإجمال والتردّد عمّا تردّد أمره بين الأقلّ والأكثر ، ويعيّنه في الأوّل.

لا يقال : إنّ جزئيّة السورة المنسيّة (٢) ـ مثلا ـ ليست بمجعولة ، وليس لها أثر

__________________

ـ ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ وإن وافق المصنّف قدس‌سره قولا وذهب إلى وجوب الاحتياط في المقام بدليل عدم وجود ما يوجب انحلال العلم الإجماليّ في المقام ـ بدعوى أنّ الموجب لانحلال العلم الإجماليّ هو العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ بنحو الإطلاق ، والموجود في المقام هو العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ على نحو الإهمال الجامع بين الإطلاق والتقييد ـ ، إلّا أنّه أورد على الدليل الثاني الّذي أفاده المصنّف قدس‌سره لإثبات وجوب الاحتياط في المقام. ولا يهمّ التعرّض له بطوله وتفصيله بعد ما ناقش فيه بعض تلامذته. وإن شئت الاطّلاع على ما أفاده والعثور على المناقشة فيه فراجع فوائد الاصول ٤ : ١٦٥ ـ ١٨٠ ، ومصباح الاصول ٢ : ٤٣٦ ـ ٤٣٧.

(١) لكنّه لا يخفى : أنّه لا مجال للنقل فيما هو مورد حكم العقل بالاحتياط ، وهو ما إذا علم إجمالا بالتكليف الفعليّ ، ضرورة أنّه ينافيه رفع الجزئيّة المجهولة ، وإنّما يكون مورده ما إذا لم يعلم به كذلك ، بل علم مجرّد ثبوته واقعا. وبالجملة : الشكّ في الجزئيّة والشرطيّة وإن كان جامعا بين الموردين ، إلّا أنّ مورد حكم العقل القطع بالفعليّة ومورد النقل هو مجرّد الخطاب بالإيجاب ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

(٢) ولا يخفى : أنّ المكتوب في النسخ المخطوطة الّتي بأيدينا لفظ «السورة المنسيّة». وابدل في بعض النسخ بلفظ : «السورة المجهولة» كما ابدل لفظ «بعد التذكّر» و «إلّا مع نسيانها» بلفظي «بعد العلم» و «إلّا مع الجهل بها».

والصحيح عندنا ما أثبتناه من «السورة المنسيّة» ، «بعد التذكّر» ، «إلّا مع نسيانها» ، ضرورة أنّ لفظ «إلّا مع الجهل بها» لا يناسب قوله : «وهو معها يكون دالّا على جزئيّتها» كما ستقف على وجه عدم المناسبة ذيل التعليقة (٣) و (٤) من الصفحة : ١٢٦.

وذهب بعض المحشّين إلى أنّ الصحيح إبدال ما في النسخ المخطوطة بألفاظ «السورة المجهولة ، بعد العلم ، إلّا مع الجهل بها» ، بدعوى أنّ محلّ الكلام هو الأجزاء الخارجيّة ـ

مجعول ، والمرفوع بحديث الرفع إنّما هو المجعول بنفسه أو أثره. ووجوب الإعادة إنّما هو أثر بقاء الأمر الأوّل بعد التذكّر ، مع أنّه عقليّ ، وليس إلّا من باب وجوب الإطاعة عقلا (١).

__________________

ـ الّتي كانت جزئيّتها مجهولة ، فيطبّق حديث (رفع ما لا يعلمون) عليها ويحكم بنفي جزئيّتها. وأمّا الأجزاء المنسيّة فلا يطبّق عليها (رفع ما لا يعلمون) ، فهي خارجة عن محلّ البحث.

وفيه : أنّ كلام المصنّف قدس‌سره : «جزئيّة السورة المنسيّة» ناظر إلى بيان مورد من موارد الجهل بالجزئيّة ، وهي الجهل بجزئيّة الجزء المنسيّ حال النسيان ، بأن يشكّ في أنّ الجزء المنسيّ هل يبقى على جزئيّته حال النسيان فيجب إعادة المأمور به بعد التذكّر أو لا يبقى على جزئيّته حال النسيان ولا يجب إعادته بعد التذكّر؟ وحينئذ يستدلّ على نفي جزئيّته حال النسيان بفقرة : «رفع ما لا يعلمون». وأمّا الاستدلال على رفعه بفقرة : «رفع النسيان» فيتعرّض له المصنّف في ثاني التنبيهات الآتية.

(١) توضيح الإشكال : أنّ حديث الرفع انّما يشمل ما تناله يد الجعل والرفع التشريعيّين ، فلا يشمل ما إذا لم يكن المجهول مجعولا شرعيّا أو ممّا يترتّب عليه أثر شرعيّ. ومعلوم أنّ جزئيّة الجزء المنسيّ حال النسيان ليست بمجعولة ولا ممّا يترتّب عليه أثر شرعيّ ، فلا يشملها حديث الرفع.

إن قلت : إنّ الجزئيّة وإن لم تكن بنفسها أمرا مجعولا شرعيّا ، إلّا أنّها ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعيّ ، فإنّ أثرها الشرعيّ وجوب إعادة العبادة بعد التذكّر ، كما أنّ أثر عدم جزئيّته في هذا الحال عدم وجوب إعادتها بعد التذكّر ، وعليه فيشملها حديث الرفع وتجري البراءة في الجزئيّة بلحاظ أثرها.

قلت : إنّ وجوب الإعادة ليس من آثار ثبوت الجزئيّة حال النسيان ، بل هو من آثار بقاء الأمر الأوّل المتعلّق بالمركّب التامّ على نحو الكلّي ، كقوله تعالى : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ البقرة / ٤٣ ، أو من آثار الأمر الأوّل المتعلّق بكلّ جزء من الأجزاء على حدة كقوله عليه‌السلام : «لا تقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة ولا بأكثر» ـ وسائل الشيعة ٤ : ٧٣٦ ، الباب ٤ من أبواب القراءة في الصلاة ، الحديث ٢ ـ ، فإنّ اشتغال الذمّة بالأمر الأوّل يقينيّ ، وبعد التذكّر يشكّ في تحقّق الامتثال بإتيان الأقلّ الخالي عن الجزء المنسيّ وعدمه ، ويحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي الفراغ اليقينيّ وهو يحصل بإعادة العبادة.

مضافا إلى أنّ وجوب الإعادة ليس بأثر شرعيّ ، بل هو أثر عقليّ من باب وجوب إطاعة الأمر الأوّل الباقي على حاله ، فلا يرتفع بمثل حديث الرفع.

لأنّه يقال : إنّ الجزئيّة وإن كانت غير مجعولة بنفسها ، إلّا أنّها مجعولة بمنشإ انتزاعها ، وهذا كاف في صحّة رفعها (١).

لا يقال : إنّما يكون ارتفاع الأمر الانتزاعيّ برفع منشأ انتزاعه ، وهو الأمر الأوّل ، ولا دليل آخر على أمر آخر بالخالي عنه (٢).

لأنّه يقال : نعم ، وإن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه ، إلّا أنّ نسبة حديث الرفع ـ الناظر إلى الأدلّة الدالّة على بيان الأجزاء ـ إليها نسبة الاستثناء ، وهو معها يكون دالّا على جزئيّتها إلّا مع نسيانها (٣) ، كما لا يخفى (٤) ، فتدبّر

__________________

(١) توضيح الجواب : أنّ الجزئيّة وإن لم تكن مجعولة بنفسها ولا ممّا يترتّب عليه أثر شرعيّ ، إلّا أنّها منتزعة عن الأمر الأوّل المتعلّق بالمركّب التامّ على نحو الكلّيّ أو على نحو الجزئيّ ، والامور الانتزاعيّة مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعها ، كما أنّها مرفوعة بارتفاع منشأ انتزاعها ، فالجزئيّة قابلة للجعل بتبع جعل الأمر الأوّل ، وهذا كاف في صحّة رفعها بارتفاع الأمر الأوّل الّذي هو منشأ انتزاعها ، فيشملها حديث الرفع.

(٢) توضيح الإشكال : أنّكم اعترفتم بأنّ رفع جزئيّة المنسيّ حال النسيان بحديث الرفع تابع لرفع منشأ انتزاعها ، وهو الأمر الأوّل المتعلّق بالمركّب التامّ ، وإذا رفع الأمر الأوّل فيبقى المركّب بلا أمر ، وحينئذ لا يمكن الالتزام بوجوب الأقلّ ، لعدم دليل آخر ـ غير الأمر الأوّل ـ يدلّ على أمر آخر بالأقلّ الخالي عن الجزء المنسيّ المشكوك جزئيّته حال النسيان. وعدم وجوب الأقلّ ممّا لم يتفوّه به أحد.

(٣) وفي بعض النسخ : «وهو معها تكون دالّة على جزئيّتها إلّا مع الجهل بها». والصحيح ما أثبتناه. ومعنى العبارة : أنّ حديث الرفع بعد ضمّه إلى أدلّة الأجزاء يكون دالّا على جزئيّة الجزء إلّا مع نسيانها.

(٤) توضيح الجواب : أنّ مستند الأمر بالأقلّ ليس هو حديث الرفع الدالّ على جريان البراءة الشرعيّة ، كي يقال : «إثبات الأمر بالأقلّ بجريان أصالة البراءة في نفي الأكثر من قبيل إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر ، وهو من أظهر مصاديق الاصول المثبتة الّتي لم يثبت حجيّتها». بل مستنده الجمع بين الأدلّة الدالّة على بيان جزئيّة الأجزاء وبين حديث الرفع الدالّ على عدم جزئيّتها حال نسيانها. بيان ذلك : أنّ مثل قوله عليه‌السلام : «لا تقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة ولا بأكثر» يدلّ على جزئيّة السورة مطلقا ، ولو في حال النسيان ، وحديث الرفع ينفي جزئيّتها حال النسيان ، فيكون نسبة حديث الرفع إلى ذلك الدليل الدالّ على جزئيّة السورة ـ