درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۴۶: اصل اشتغال ۲۰

 

«إنّ الله كتب عليكم الحجّ» ، فقام عكاشه ـ ويروى سراقة بن مالك ـ فقال : أفي كلّ عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه ، حتّى أعاد مرّتين أو ثلاثا ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ويحك! وما يؤمنك أن أقول : نعم ، والله لو قلت : نعم ، لوجب ، ولو وجب ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاتركوني ما تركتم ، وإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١).

ومن ذلك ظهر الإشكال في دلالة الثاني أيضا ، حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها ، لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد

__________________

ـ من الكلّيّ الّذي ذي أفراد ، فلا يصحّ الاستدلال بها على إثبات وجود ما عدا الجزء المتعذّر منه. نهاية الأفكار ٣ : ٤٥٦.

وأنت خبير : بأنّ ما أفاده المحقّق العراقيّ يرجع إلى ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فذهب ـ بعد ما أجاب عن إشكال المصنّف قدس‌سره وإشكال المحقّق النائينيّ على الاستدلال بالرواية ـ إلى اختصاص الرواية بالكلّي. وحاصل ما أفاده : أنّ الظاهر من الرواية بالنظر إلى صدرها إرادة الأفراد ، لا الأجزاء ، ولا الأعمّ منهما ، فإنّ الظاهر من صدر الرواية أنّ إعراض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن عكاشة ـ أو سراقة ـ واعتراضه عليه يكون من جهة أنّ العقل يحكم بأنّ الطبيعة إذا وجبت يسقط وجوبها بإتيان أوّل مصداق منها ، فبعد هذا الحكم العقليّ لا مجال للسؤال والإصرار عليه ، ولذا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ويحك ما يؤمنك أن أقول : نعم؟! ولو قلت : نعم ، لوجب» أي : في كلّ سنة. أنوار الهداية ٢ : ٣٨٨ ـ ٣٨٩.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فهو بعد ما ذكر لمعنى الرواية محتملات ثلاثة اختار ثالثها ، وهو كون كلمة «من» زائدة أو كونها للتعدية بمعنى الباء وكون كلمة «ما» مصدريّة زمانيّة. وعليه فلا مجال للاستدلال بالرواية على المقام. مصباح الاصول ٢ : ٤٧٨ ـ ٤٨٠.

وأورد السيّد المحقّق البروجرديّ على الاستدلال بالرواية ـ مضافا إلى ضعفها سندا ـ بأنّ الظاهر منها عدم كون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مقام التشريع والتأسيس ، بل يحتمل كونه في مقام الإرشاد والموعظة ، فلا تدلّ على إثبات وجوب ما عدا الجزء المتعذّر منه. راجع حاشيته على كفاية الاصول ٢ : ٣١٠.

(١) رواه المجلسيّ في بحار الأنوار ٣٢ : ٣١ ، والطبرسيّ في مجمع البيان ٣ : ٣٨٦ ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

العامّ بالمعسور منها ، هذا (١). مضافا إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوما ، لعدم اختصاصه بالواجب. ولا مجال معه (٢) لتوهّم دلالته على أنّه بنحو اللزوم ، إلّا أن يكون المراد عدم سقوطه بما له من الحكم ـ وجوبا كان أو ندبا ـ بسبب سقوطه عن المعسور (٣) ، بأن تكون قضيّة الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه ، حيث إنّ الظاهر من مثله هو ذلك ـ كما أنّ الظاهر من مثل «لا ضرر ولا ضرار» (٤) هو نفي ما له من تكليف أو وضع ـ ، لا أنّها (٥) عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقائه على عهدة المكلّف (٦) ، كي لا يكون له دلالة على جريان القاعدة في المستحبّات على

__________________

(١) وخالفه الأعلام الثلاثة :

فذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى ظهور الرواية في خصوص عدم سقوط الميسور من الأجزاء ، لأنّ السقوط متفرّع على الثبوت ، ولو كان المراد الميسور من الأفراد لا وجه لتوهّم سقوط الحكم عن فرد بسبب سقوطه عن فرد آخر ليحكم عليه بعدم السقوط ، فلا يناسب توهّم السقوط إلّا في الميسور من الأجزاء. نهاية الدراية ٢ : ٧٠٣.

وذهب المحقّق النائينيّ أيضا إلى ظهورها في خصوص الميسور من الأجزاء وتماميّة دلالتها على ما نحن فيه. فوائد الاصول ٤ : ٢٥٥.

وذهب المحقّق العراقيّ إلى ظهورها في عدم سقوط الميسور من كلّ شيء بسقوط معسوره ، وهو أعمّ من الأجزاء الميسورة من الكلّ والأفراد الميسورة من الكلّي. نهاية الأفكار ٣ : ٤٥٧.

(٢) أي : مع عدم دلالته على عدم السقوط لزوما.

(٣) وهذا ما اختاره المحقّقان النائينيّ والعراقيّ ، واستدلّا عليه بأنّ مثل هذه العبارة ظاهر في عدم سقوط ما ثبت سابقا وبقائه في العهدة لاحقا بعين ثبوته سابقا ، وهو يرجع إلى إبقاء الحكم السابق ، وجوبا كان أو استحبابا ، نظير قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشكّ». راجع فوائد الاصول ٤ : ٢٥٥ ، نهاية الأفكار ٣ : ٤٥٧ ـ ٤٥٨.

وأورد عليهما السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ الحكم الوحدانيّ الثابت للمركّب والإرادة الوحدانيّة المتعلّقة بالمجموع الوحدانيّ لا يمكن بقاؤهما بعد عدم بقاء الموضوع والمتعلّق ، وعدم بقاء المركّب بعدم بعض الأجزاء ضروريّ ، فكيف يمكن بقاؤهما؟! راجع هامش أنوار الهداية ٢ : ٣٩١.

(٤) وسائل الشيعة ١٧ : ٣٤١ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ٣.

(٥) أي : قضيّة الميسور.

(٦) لا يخفى : أنّ في مرجع الضميرين في قوليه : «عدم سقوطه» و «وبقائه» وجهان :

وجه (١) ، أو لا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر (٢) ، فافهم (٣).

وأمّا الثالث : فبعد تسليم ظهور الكلّ (٤) في المجموعيّ لا الأفراديّ ، لا دلالة له إلّا على رجحان الإتيان بباقي الفعل المأمور به ـ واجبا كان أو مستحبّا ـ عند تعذّر بعض أجزائه ، لظهور الموصول فيما يعمّهما. وليس ظهور «لا يترك» في الوجوب ـ لو سلّم ـ موجبا لتخصيصه (٥) بالواجب لو لم يكن ظهوره (٦) في الأعمّ قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحيّة من النفي. وكيف كان فليس ظاهرا في اللزوم هاهنا ، ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام (٧).

__________________

ـ الأوّل : أن يرجعا إلى نفس الميسور ، فيكون المعنى : «ليست قضيّة الميسور عبارة عن عدم سقوط الميسور بنفسه وبقائه على عهدة المكلّف». وهذا المعنى ذكره الشيخ الأعظم واختاره في المقام. وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ ، فذهب إلى أنّ ظهور الرواية في خصوص الواجبات غير بعيد ، لعدم العهدة في المستحبّات. فرائد الاصول ٢ : ٣٩١ ، أنوار الهداية ٢ : ٣٨٩ ـ ٣٩٢.

الثاني : أن يرجعا إلى حكم الميسور ، فيكون المعنى : «ليست قضيّة الميسور عبارة عن عدم سقوط حكم الميسور بنفسه وبقائه على عهدة المكلّف». وهذا المعنى ذكره المحقّق النراقي وذهب إلى ظهورها في خصوص عدم سقوط الأفراد الميسورة ، فلا تدلّ على ما نحن فيه. عوائد الأيّام : ٢٦٥.

وهذا الوجه ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ وأثبت به مختاره ـ وهو اختصاص الرواية بالواجبات وشمولها للأفراد والأجزاء ـ. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٣٩١ ـ ٣٩٢.

(١) وهو القول بدلالة قوله عليه‌السلام : «لا يسقط» على عدم السقوط لزوما وبقائه على العهدة.

(٢) أي : على وجه آخر. وهو القول بأنّ المراد من قوله عليه‌السلام : «لا يسقط» هو المطلوبيّة المطلقة.

(٣) ولا يخفى : أنّ المحقّق الاصفهانيّ ذهب إلى أنّ مدلول الرواية عدم سقوط الميسور عن موضوعيّته للحكم ، لا عدم سقوط نفس الميسور عن عهدة المكلّف ، ولا عدم سقوط حكمه عن عهدته ، ولا عدم سقوط الميسور بما له من الحكم. راجع نهاية الدراية ٢ : ٧٠٤

(٤) وفي بعض النسخ : «ظهور كون الكلّ». والصحيح ما أثبتناه.

(٥ ـ ٦) الضميران يرجعان إلى الموصول.

(٧) توضيح ما أفاده : أنّ الاستدلال بالحديث الثالث على ما نحن فيه ـ أي وجوب الباقي ـ يتوقّف على أمرين: