درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۴۸: اصل اشتغال ۲۲

 

فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفا وإن كان غير مباين للواجد عقلا.

نعم ، ربّما يلحق به شرعا ما لا يعدّ بميسور عرفا تخطئة للعرف (١) ، وأنّ عدم العدّ كان لعدم الاطّلاع على ما هو عليه الفاقد من قيامه في هذا الحال بتمام ما قام عليه الواجد أو بمعظمه في غير الحال ، وإلّا عدّ أنّه ميسوره ، كما ربّما يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفيّ لذلك ـ أي للتخطئة ـ وأنّه لا يقوم بشيء من ذلك.

وبالجملة : ما لم يكن دليل على الإخراج أو الإلحاق كان المرجع هو الإطلاق ، ويستكشف منه أنّ الباقي قائم بما يكون المأمور به قائما بتمامه أو بمقدار (٢) يوجب إيجابه في الواجب واستحبابه في المستحبّ.

وإذا قام دليل على أحدهما فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصا في الأوّل ، وتشريكا في الحكم من دون الاندراج في الموضوع في الثاني ، فافهم.

تذنيب

لا يخفى : أنّه إذا دار الأمر بين جزئيّة شيء أو شرطيّته وبين مانعيّته أو قاطعيّته (٣) ، لكان من قبيل المتباينين ، ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين (٤) ، لإمكان الاحتياط بإتيان العمل مرّتين ، مع ذاك الشيء مرّة وبدونه

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «بتخطئته للعرف».

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «إنّ الباقي قائم بتمام ما يكون المأمور به الواجد قائما به أو بمقدار ...» ، أو يقول : «إنّ الباقي قائم بما يكون المأمور به الواجد قائما به ، بتمامه أو بمقدار ...».

(٣) كما إذا شكّ في أنّ جواب السلام أثناء الصلاة شرط أو قاطع ، أو كما إذا دار الأمر بين كون الصلاة قصرا أو تماما فشكّ في أنّ الركعتين الأخيرتين جزء الصلاة أو قاطع الصلاة ، أو شكّ في أنّ الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة واجب أو قاطع.

(٤) خلافا للشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث حكم بالتخيير بينهما ، لكون المورد من موارد دوران الأمر بين المحذورين. فرائد الاصول ٢ : ٤٠٠ ـ ٤٠١.

اخرى ، كما هو أوضح من أن يخفى.

__________________

ـ وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى التفصيل بين موارد ثلاثة :

الأوّل : ما إذا كان الواجب واحدا شخصيّا لم تكن له أفراد طوليّة ولا عرضيّة ، كما إذا ضاق الوقت ولم يتمكّن المكلّف إلّا من الإتيان بصلاة واحدة ، ودار الأمر بين الإتيان بها عاريا أو في الثوب المتنجّس. والحكم حينئذ هو التخيير مطلقا.

الثاني : ما إذا كان الواجب وقائع متعدّدة وإن لم يكن له أفراد طوليّة ولا عرضيّة ، كما إذا دار الأمر بين كون شيء شرطا في الصوم أو مانعا عنه. والحكم حينئذ هو التخيير الابتدائيّ.

الثالث : ما إذا كان الواجب واحدا ذا أفراد طوليّة ، كما في المثال المذكور في المورد الأوّل مع سعة الوقت. والحكم فيه وجوب الاحتياط والإتيان بالواجب مع هذا الشيء تارة وبدونه اخرى. راجع مصباح الاصول ٢ : ٤٨٥ ـ ٤٨٧.

خاتمة

في شرائط الاصول (١)

[ما يعتبر في جريان أصالة الاحتياط]

أمّا الاحتياط : فلا يعتبر في حسنه شيء أصلا ، بل يحسن على كلّ حال ، إلّا إذا كان موجبا لاختلال النظام (٢).

ولا تفاوت فيه بين المعاملات والعبادات مطلقا ، ولو كان موجبا للتكرار فيها.

وتوهّم «كون التكرار عبثا ولعبا بأمر المولى وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة» (٣) فاسد ، لوضوح أنّ التكرار ربّما يكون بداع صحيح

__________________

(١) والمراد هو الاصول الثلاثة : الاحتياط والبراءة والتخيير.

(٢) وكلمات الفقهاء في المستثنى مختلفة :

ذهب بعضهم إلى استثناء ما يلزم منه الحرام. فرائد الاصول ٢ : ١٣٩.

وذهب بعض آخر إلى استثناء ما إذا كانت الشبهة مقرونة بالعلم الإجماليّ ، وكان على خلاف الاحتياط فيها حجّة شرعيّة محرزة ، وتمكّن المكلّف من الامتثال التفصيليّ بواسطة الحجّة ، فيجب على المكلّف أن يعمل أوّلا بمؤدّى الحجّة ثمّ يعقّبه بالعمل على خلاف ما اقتضته الحجّة إحرازا للواقع. فوائد الاصول ٤ : ٢٦٥ ـ ٢٦٩.

وذهب السيّد الحكيم إلى أنّ الاحتياط حسن إلّا فيما إذا خالف الاحتياط من جهة اخرى ، أو انطبق عليه عنوان مكروه أو حرام ، أو أدّى إلى عنوان مكروه أو حرام. مستمسك العروة ١ : ٤٤٨.

(٣) لم أجد من صرّح بأنّ مجرّد كون الاحتياط موجبا للتكرار في العبادة مانع عن جريان الاحتياط. وإنّما يمكن استظهاره من كلام ابن إدريس في السرائر ١ : ١٨٥. ـ

عقلائيّ (١) ؛ مع أنّه لو لم يكن بهذا الداعي ، وكان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع له سواه (٢) ، لما ينافي قصد الامتثال ، وإن كان لاغيا في كيفيّة امتثاله ، فافهم.

بل يحسن أيضا فيما قامت الحجّة على البراءة عن التكليف ، لئلّا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته من المفسدة وفوت المصلحة.

[ما يعتبر في جريان أصالتي البراءة والتخيير]

وأمّا البراءة العقليّة : فلا يجوز إجراؤها إلّا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجّة على التكليف ، لما مرّت الإشارة إليه من عدم استقلال العقل بها إلّا بعدهما (٣).

وأمّا البراءة النقليّة : فقضيّة إطلاق أدلّتها (٤) ، وإن كانت هي عدم اعتبار الفحص في جريانها ، كما هو (٥) حالها في الشبهات الموضوعيّة ، إلّا أنّه استدلّ على اعتباره بالإجماع ، وبالعقل (٦) ، فإنّه لا مجال لها بدونه حيث يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحّص عنه لظفر به.

__________________

ـ وذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى عدم حسن الاحتياط فيما إذا كان متوقّفا على تكرار العبادة وكان المكلّف متمكّنا من العلم التفصيليّ. راجع فرائد الاصول ٢ : ٤٠٠.

(١) كما إذا كان التكرار موجبا لدفع ضرر عدوّ عن نفسه إذا استحيى العدوّ من الإضرار به ما دام كان عابدا.

(٢) أي : سوى أمر مولاه.

(٣) مرّت الإشارة إليه في الصفحة : ٤٠ من هذا الجزء.

(٤) كحديث الرفع والحجب وغيرهما.

(٥) أي : عدم الاعتبار. والضمير في قوله : «حالها» راجع إلى البراءة النقليّة.

(٦) استدلّ بهما الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٤١٢ ـ ٤١٣.

أمّا الاستدلال بالإجماع فمعلوم.

وأمّا الاستدلال بالعقل فتقريبه : أنّه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف إلزاميّة بين موارد الشبهات أراد الشارع تبليغها إلى المكلّفين بالطرق المتعارفة العادية ، ويعلم أنّه لا يصل المكلّف عادة إلى تلك التكاليف الإلزاميّة إلّا بعد الفحص عنها ، والعقل بمقتضى هذا العلم يحكم بلزوم الفحص عن التكاليف ويمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص.