درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۴۹: شرایط اصول ۱

 

عقلائيّ (١) ؛ مع أنّه لو لم يكن بهذا الداعي ، وكان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع له سواه (٢) ، لما ينافي قصد الامتثال ، وإن كان لاغيا في كيفيّة امتثاله ، فافهم.

بل يحسن أيضا فيما قامت الحجّة على البراءة عن التكليف ، لئلّا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته من المفسدة وفوت المصلحة.

[ما يعتبر في جريان أصالتي البراءة والتخيير]

وأمّا البراءة العقليّة : فلا يجوز إجراؤها إلّا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجّة على التكليف ، لما مرّت الإشارة إليه من عدم استقلال العقل بها إلّا بعدهما (٣).

وأمّا البراءة النقليّة : فقضيّة إطلاق أدلّتها (٤) ، وإن كانت هي عدم اعتبار الفحص في جريانها ، كما هو (٥) حالها في الشبهات الموضوعيّة ، إلّا أنّه استدلّ على اعتباره بالإجماع ، وبالعقل (٦) ، فإنّه لا مجال لها بدونه حيث يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحّص عنه لظفر به.

__________________

ـ وذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى عدم حسن الاحتياط فيما إذا كان متوقّفا على تكرار العبادة وكان المكلّف متمكّنا من العلم التفصيليّ. راجع فرائد الاصول ٢ : ٤٠٠.

(١) كما إذا كان التكرار موجبا لدفع ضرر عدوّ عن نفسه إذا استحيى العدوّ من الإضرار به ما دام كان عابدا.

(٢) أي : سوى أمر مولاه.

(٣) مرّت الإشارة إليه في الصفحة : ٤٠ من هذا الجزء.

(٤) كحديث الرفع والحجب وغيرهما.

(٥) أي : عدم الاعتبار. والضمير في قوله : «حالها» راجع إلى البراءة النقليّة.

(٦) استدلّ بهما الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٤١٢ ـ ٤١٣.

أمّا الاستدلال بالإجماع فمعلوم.

وأمّا الاستدلال بالعقل فتقريبه : أنّه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف إلزاميّة بين موارد الشبهات أراد الشارع تبليغها إلى المكلّفين بالطرق المتعارفة العادية ، ويعلم أنّه لا يصل المكلّف عادة إلى تلك التكاليف الإلزاميّة إلّا بعد الفحص عنها ، والعقل بمقتضى هذا العلم يحكم بلزوم الفحص عن التكاليف ويمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص.

ولا يخفى : أنّ الإجماع هاهنا غير حاصل ، ونقله لوهنه بلا طائل ، فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة ـ [وهي] ممّا للعقل إليه سبيل ـ صعب ، لو لم يكن عادة بمستحيل ، لقوّة احتمال أن يكون المستند للجلّ ـ لو لا الكلّ ـ هو ما ذكر من حكم العقل (١).

وأنّ الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجّز ، إمّا لانحلال العلم الإجماليّ بالظفر المعلوم بالإجمال ، أو لعدم الابتلاء إلّا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات ولو لعدم الالتفات إليها.

فالأولى الاستدلال للوجوب بما دلّ من الآيات والأخبار على وجوب التفقّه والتعلّم والمؤاخذة على ترك التعلّم في مقام الاعتذار عن عدم العمل بعدم العلم بقوله تعالى ، كما في الخبر : «هلّا تعلّمت» (٢). فيقيّد بها أخبار البراءة ، لقوّة ظهورها

__________________

(١) فلا يكون إجماعا تعبّديّا كاشفا عن قول المعصوم عليه‌السلام.

(٢) أمّا الآيات :

فمنها : قوله تعالى : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ التوبة / ١٢٢.

ومنها : قوله تعالى : ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الانبياء / ٧.

وأمّا الأخبار :

فمنها : ما عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم». الكافي ١ : ٣٠ ، الحديث ١.

ومنها : ما عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «طلب العلم فريضة». الكافي ١ : ٣٠ ، الحديث ٢.

ومنها : ما عن علي بن أبي حمزة ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «تفقّهوا في الدين ، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابيّ». الكافي ١ : ٣١ ، الحديث ٦.

ومنها : ما عن مسعدة بن زياد ، قال : سمعت جعفر بن محمّد عليه‌السلام وقد سئل عن قوله تعالى : ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ [الأنعام / ١٤٩]. فقال : «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت؟ ، وإن قال : كنت جاهلا ، قال له : أفلا تعلّمت حتّى تعمل ، فيخصمه ، فتلك الحجّة البالغة». الأمالي (للشيخ الطوسيّ) : ٩ ، الحديث ١٠ ؛ البرهان في تفسير القرآن ١ : ٥٦٠.

ولا يخفى : أنّ الاستدلال بهذه الآيات والأخبار ثالث الوجوه الّتي استدلّ بها الشيخ الأعظم على وجوب الفحص. فراجع فرائد الاصول ٢ : ٤١٢.

في أنّ المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلّم فيما لم يعلم ، لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالا ، فلا مجال للتوفيق بحمل هذه الأخبار على ما إذا علم إجمالا (١) ، فافهم (٢).

__________________

(١) توضيح الاستدلال بالآيات والأخبار المذكورة على وجوب الفحص متوقّف على تقديم مقدّمة :

وهي : أنّ في مفاد الآيات والأخبار الدالّة على وجوب التعلّم والمؤاخذة على تركه وجهان :

الأوّل : أن يكون مفادها وجوب التعلّم والفحص فيما إذا لم نعلم بوجوب العمل أصلا ، بل شككنا في حكمه وكانت الشبهة بدويّة. فتدل الآيات والأخبار على توجّه العقاب والمؤاخذة إليه بترك التعلّم فيما لم يعلم.

الثاني : أن يكون مفادها وجوب التعلّم والفحص فيما إذا علمنا بوجوب العمل إجمالا ، فتدلّ الآيات والأخبار على توجّه العقاب والمؤاخذة إليه بترك العمل الّذي علم إجمالا بوجوبه.

إذا عرفت هذه ، فاعلم أنّما يصحّ الاستدلال بالآيات والأخبار على وجوب الفحص في مورد البراءة النقليّة على الوجه الأوّل ، بأن يقال : إنّ مورد الآيات والأخبار الدالّة على وجوب الفحص والتعلّم والمؤاخذة على تركهما هو الشبهات البدويّة الّتي لا علم فيها للمكلّف بالحكم أصلا ، كما أنّ مورد أخبار البراءة هو الشبهات البدويّة أيضا ؛ فتدلّ أدلّة البراءة على نفي التكليف وعدم المؤاخذة في الشبهات البدويّة مطلقا ، سواء فحص عن التكليف أو لم يفحص عنه ؛ وتدلّ الآيات والأخبار المذكورة في المقام على نفي التكليف وعدم المؤاخذة في خصوص ما إذا فحص المكلّف من التكليف ولم يظفر به ؛ فتكون النسبة بين أدلّة البراءة وبين الآيات والأخبار نسبة المطلق إلى المقيّد ، فيقيّد بها إطلاق أدلّة البراءة.

وأمّا على الوجه الثاني : فلا يصحّ الاستدلال بالآيات والأخبار على وجوب الفحص في مورد البراءة النقليّة ، وهو الشبهات البدويّة ، فإنّ عليه يكون مورد الآيات والأخبار ما إذا علمنا وجوب العمل إجمالا ؛ بخلاف مورد أدلّة البراءة ، فإنّ موردها الشبهات البدويّة وعدم العلم بالتكليف أصلا ولو إجمالا ، وعليه تكون النسبة بين الآيات والأخبار وبين أدلّة البراءة نسبة التباين ، فلا موجب لتقييد إطلاق أدلّة البراءة بالآيات والأخبار ، بل تدلّ أدلّة البراءة على نفي التكليف وعدم المؤاخذة في الشبهات البدويّة مطلقا ، لا في خصوص ما إذا فحص عن التكليف.

والمصنّف قدس‌سره ذهب إلى الوجه الأوّل ، فقال : «فيقيّد بها أخبار البراءة ، لقوّة ظهورها في أنّ المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلّم فيما لم يعلم». والوجه في قوّة ظهورها فيه أنّ موضوع الآيات وأكثر الأخبار هو نفس التعلّم والتفقّه ، دون العمل.

وأشار إلى الوجه الثاني وعدم صحّة الاستدلال بها على هذا الوجه بقوله : «لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالا ، فلا مجال للتوفيق بحمل هذه الأخبار على ما إذا علم إجمالا».

(٢) لعلّه إشارة إلى ما أفاد المحقّق الأصفهانيّ من أنّه يمكن أن يكون مورد الآيات والروايات ـ

ولا يخفى : اعتبار الفحص في التخيير العقليّ أيضا بعين ما ذكر في البراءة ، فلا تغفل.

[حكم العمل بالبراءة قبل الفحص]

ولا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من التبعة والأحكام.

أمّا التبعة : فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة (١) فيما إذا كان ترك التعلّم والفحص مؤدّيا إليها ، فإنّها وإن كانت مغفولة حينها وبلا اختيار ، إلّا أنّها منتهية إلى الاختيار (٢) ، وهو (٣) كاف في صحّة العقوبة ؛ بل مجرّد تركهما كاف في

__________________

ـ ما اذ علمنا بأصل الواجبات والمحرّمات ، لا بعناوينها الخاصّة. فتدلّ الآيات والروايات على وجوب التعلّم بالنسبة إلى عناوينها الخاصّة مقدّمة للامتثال فيما إذا علمنا إجمالا بتعلّق التكاليف نحو أفعال وتروك. وعليه فلا يكون مورد التوبيخ والمؤاخذة في الآيات والأخبار هو الشبهة البدويّة كي يقيّد بها إطلاق أدلّة البراءة ويثبت به وجوب الفحص في الشبهة البدويّة ، بل موردهما هو الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ بتعلّق تكاليف نحو أفعال وتروك.

ولكن لا يخفى : أنّ حمل الآيات والأخبار على ما ذكر غير موجّه ، بل صريح الأخبار ـ كرواية مسعدة بن زياد ـ أنّ مورد التوبيخ هو ترك التعلّم فيما لم يعلم أصلا ، لا ترك التعلّم فيما لم يعلم العناوين الخاصّة ولو علم أصل التكليف إجمالا.

(١) أي : مخالفة الواقع.

(٢) الضمير في قوله : «إليها» و «فإنّها» و «حينها» و «أنّها» راجع إلى المخالفة.

والوجه في انتهاء المخالفة إلى الاختيار أنّه كان قادرا على التعلّم والفحص عن الحكم ، فترك التعلّم والفحص اختيارا ، فيؤدّي إلى مخالفة الواقع.

وأورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بأنّ عدم التمكّن من الانبعاث بالبعث الواقعيّ مستند إلى الغفلة عن التكليف ، لكن الغفلة مستندة إلى ترك التحفّظ ، لا إلى ترك الفحص ، والتحفّظ غير لازم في صورة العلم بالتكليف فضلا عن احتماله ، فكيف يعاقب عليه؟. نهاية الدراية ٢ : ٧٢٧ ـ ٧٢٨.

(٣) أي : الانتهاء إلى الاختيار.