درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۵۲: شرایط اصول ۴

 

ولا ينافيه (١) ما يظهر من الأخبار (٢) من كون وجوب التعلّم إنّما هو لغيره لا لنفسه ، حيث إنّ وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجبا غيريّا يترشّح وجوبه من وجوب غيره ، فيكون مقدّميّا ، بل للتهيّؤ لإيجابه (٣) ، فافهم.

وأمّا الأحكام : فلا إشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة ، بل في صورة الموافقة أيضا في العبادة فيما لا يتأتّى منه قصد القربة ، وذلك لعدم الإتيان بالمأمور به ، مع عدم دليل على الصحّة والإجزاء إلّا في الإتمام في موضع القصر أو الإجهار أو الإخفات في موضع الآخر ، فورد في الصحيح (٤) ـ وقد أفتى به (٥) المشهور (٦) ـ صحّة الصلاة وتماميّتها في الموضعين مع الجهل مطلقا ، ولو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصّلاة المأمور بها ، لأنّ ما اتي بها وإن صحّت وتمّت إلّا أنّها ليست بمأمور بها.

__________________

(١) أي : لا ينافي وجوب التعلّم نفسيّا تهيّئيّا ما يظهر من الأخبار.

(٢) كقوله عليه‌السلام في خبر مسعدة بن زياد : «أفلا تعلّمت حتّى تعمل؟!». الأمالي (للشيخ الطوسيّ) : ٩ ، الحديث ١٠.

(٣) أي : لإيجاب الغير.

(٤) أمّا الخبر الصحيح الدالّ على صحّة الصلاة تماما في موضع القصر أو قصرا في موضع الإتمام فهو صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم ، قالا : قلنا لأبي جعفر عليه‌السلام : رجل صلّى في السفر أربعا ، أيعيد أم لا؟ قال عليه‌السلام : «إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرّت له فصلّى أربعا ، أعاد.

وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه». وسائل الشيعة ٥ : ٥٣١ ، الباب ١٧ من أبواب صلاة المسافر ، الحديث ٤.

وأمّا الخبر الصحيح الدالّ على صحّة الصلاة جهرا في موضع الإخفات وبالعكس فهو صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغي الإخفات فيه ، فقال عليه‌السلام : «أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته وعليه الإعادة ، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته». وسائل الشيعة ٤ : ٧٦٦ ، الباب ٢٦ من أبواب القراءة ، الحديث ١.

(٥) أي بما ورد في الصحيح.

(٦) وغرضه إثبات عدم كون الصحيح من الصحاح المعرض عنها عند المشهور كي يسقط بسبب إعراضهم عن الحجّيّة. فراجع رياض المسائل ١ : ١٦٢ و ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ، تذكرة الفقهاء ١ : ١١٧ و ١٩٣ ، جواهر الكلام ١٤ : ٣٤٣.

إن قلت : كيف يحكم بصحّتها مع عدم الأمر بها؟! وكيف يصحّ الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصّلاة الّتي امر بها حتّى فيما إذا تمكّن ممّا امر بها (١) ـ كما هو (٢) ظاهر إطلاقاتهم ـ بأن علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الإتمام والإخفات وقد بقي من الوقت مقدار إعادتها قصرا أو جهرا؟! ضرورة أنّه لا تقصير هاهنا يوجب استحقاق العقوبة.

وبالجملة : كيف يحكم بالصحّة بدون الأمر؟! وكيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكّن من الإعادة لو لا الحكم شرعا بسقوطها وصحّة ما اتي به؟!

قلت : إنّما حكم بالصحّة لأجل اشتمالها على مصلحة تامّة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمّة في حدّ ذاتها ، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر ، وإنّما لم يؤمر بها لأجل أنّه امر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتمّ.

وأمّا الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكّن من الإعادة ، فإنّها بلا فائدة ، إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة الّتي كانت في المأمور بها ،

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ممّا امر به» ، أو يقول : «حتّى فيما إذا تمكّن منها».

(٢) أي : استحقاق العقوبة حتّى فيما إذا تمكّن من إتيان المأمور به.

والحاصل : أنّ في المقام إشكالان :

أحدهما : أنّ الصحّة هي انطباق المأمور به على المأتي به ، والمفروض أنّ المأتي به ـ وهو الصلاة جهرا المأتي بها في موضع الإخفات ـ ليس مأمورا به ، فكيف يعقل الحكم بصحّة المأتي به مع عدم الأمر به؟

ثانيهما : أنّ الظاهر من إطلاقات الفقهاء أنّه لو أتى المكلّف بالصلاة جهرا في موضع الإخفات أو أتى بها قصرا في موضع الإتمام وكان عن تقصير ، يستحقّ العقوبة على ترك المأمور به ـ وهو الصلاة إخفاتا والصلاة تماما ـ ، وإن صحّت ما أتى به ـ أي الصلاة جهرا والصلاة قصرا ـ فلا إعادة عليه ، سواء تمكّن من فعل المأمور به على ما هو عليه ثانيا كأن يبقى من الوقت بمقدار إعادته ، أو لم يتمكّن منه. وحينئذ يشكل بأنّه كيف يعقل الحكم باستحقاق العقاب على ترك المأمور به مع كون المكلّف متمكّنا من إتيانه على ما هو عليه مع بقاء الوقت لو لا حكم الشارع بسقوط إعادته وصحّة ما أتى به.

ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلا مع تمكّنه من التعلّم فقد قصّر ولو علم بعده وقد وسع الوقت.

فانقدح أنّه لا يتمكّن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الإتمام ، ولا من الجهر كذلك (١) بعد فعل صلاة الإخفات وإن كان الوقت باقيا.

إن قلت : على هذا يكون كلّ منهما (٢) في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب فعلا ، وما هو السبب لتفويت الواجب كذلك حرام ، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.

قلت : ليس سببا لذلك ، غايته أنّه يكون مضادّا له ، وقد حقّقنا في محلّه أنّ الضدّ وعدم ضدّه متلازمان ليس بينهما توقّف أصلا (٣).

لا يقال : على هذا فلو صلّى تماما أو صلّى إخفاتا في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما لكانت صلاته صحيحة وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.

فإنّه يقال : لا بأس بالقول به لو دلّ دليل على أنّها (٤) تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم (٥). لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل ، ولا بعد أصلا في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به ، كما لا يخفى (٦).

__________________

(١) أي : صحيحة.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «يكون إتيان كلّ منهما ...».

(٣) راجع الجزء الأوّل : ٢٣٨. ومرّ توضيح التلازم بينهما فيما علّقنا عليه ، فراجع.

(٤) أي : الصلاة غير المأمور بها.

(٥) أي : ولو مع العلم بعدم الأمر بها.

(٦) حاصل ما أفاده في حلّ الإشكال : أنّه يكون المأتي به ـ وهو الصلاة تماما في موضع القصر ـ واجدا لمصلحة وافية بمعظم مصلحة المأمور به ، وهذا المقدار من المصلحة المستوفاة بالمأتي به مضادّة في مقام الاستيفاء مع المصلحة القائمة بالمأمور به التامّ ، فبما أنّ المأتي به الناقص يوجب استيفاء مقدار من المصلحة المضادّة لمصلحة التامّ يسقط أمر التامّ ، فيكون ـ