درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۵۴: قاعده لا ضرر ۱

 

وقد حقّقنا في مبحث الضدّ امتناع الأمر بالضدّين مطلقا ولو بنحو الترتّب بما لا مزيد عليه (١) ، فلا نعيد.

[ما أفاد الفاضل التونيّ حول شروط جريان البراءة]

ثمّ إنّه ذكر لأصل البراءة شرطان آخران (٢) :

أحدهما : أن لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعيّ من جهة اخرى (٣).

ثانيهما : أن لا يكون موجبا للضرر على آخر (٤).

ولا يخفى : أنّ أصالة البراءة عقلا ونقلا في الشبهة البدويّة بعد الفحص لا محالة تكون جارية. وعدم استحقاق العقوبة ـ الثابت بالبراءة العقليّة ـ والإباحة أو رفع التكليف ـ الثابت بالبراءة النقليّة ـ لو كان موضوعا لحكم شرعيّ أو ملازما له فلا محيص عن ترتّبه عليه بعد إحرازه (٥). فإن لم يكن مترتّبا عليه بل على نفي التكليف واقعا فهي وإن كانت جارية إلّا أنّ ذاك الحكم لا يترتّب ، لعدم ثبوت

__________________

(١) راجع الجزء الأوّل : ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٢) ذكرهما الفاضل التونيّ في الوافية : ١٩٣.

(٣) مثاله : ما إذا شكّ في ثبوت الدين على الذمّة ، وإجراء أصالة البراءة من الدين موجب للحكم بوجوب الحجّ ، لحصول الاستطاعة حينئذ.

ومثال آخر : ما إذا شكّ في حرمة شرب التتن ، فتجري البراءة ويوجب جواز بيع التتن.

(٤) وفي الوافية : «مثلا : إذا فتح إنسان قفصا للطائر فطار ، أو حبس شاة فمات ولدها ، أو أمسك رجلا فهربت دابّته ، فإنّه لا يصحّ حينئذ التمسّك ببراءة الذمّة ، بل ينبغي للمفتي التوقّف عن الإفتاء حينئذ ، ولصاحب الواقعة الصلح إذا لم يكن منصوصا بنصّ خاصّ أو عامّ ، لاحتمال اندراج مثل هذه الصورة في قوله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ، وفيما يدلّ على حكم من أتلف مالا لغيره ...». الوافية : ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٥) أي : لو كان عدم استحقاق العقوبة والإباحة موضوعا لحكم شرعيّ أو ملازما له ـ كما إذا شكّ في إباحة شرب التتن فتجري البراءة وتصير موضوعا لجواز البيع ـ فلا محيص عن ترتّب ذلك الحكم الشرعيّ على الإباحة وعدم استحقاق العقوبة بعد إحراز رفع التكليف وثبوت عدم استحقاق العقوبة.

ما يترتّب عليه بها ؛ وهذا ليس بالاشتراط (١).

وأمّا اعتبار أن لا يكون موجبا للضرر : فكلّ مقام تعمّه قاعدة نفي الضرر وإن لم يكن مجال فيه لأصالة البراءة ـ كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالأدلّة الاجتهاديّة ـ ، إلّا أنّه حقيقة لا يبقى لها مورد ، بداهة أنّ الدليل الاجتهاديّ يكون بيانا وموجبا للعلم بالتكليف ولو ظاهرا. فإن كان المراد من الاشتراط ذلك فلا بدّ من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهاديّ ، لا خصوص قاعدة الضرر ، فتدبّر.

__________________

(١) والحاصل : أنّ موضوع الحكم الشرعيّ لا يخلو : إمّا أن يكون أمرا ظاهريّا ، كعدم استحقاق العقوبة ورفع التكليف ، كما إذا فرض أنّ موضوع جواز البيع هو كون الشيء حلالا ولو ظاهرا ، فحينئذ إذا شكّ في حرمة شرب التتن جرت فيه البراءة الشرعيّة ، فيحكم بحلّيّته الظاهريّة ويترتّب عليه جواز البيع ، لتحقّق موضوعه وهو حلّيّته ولو ظاهرا.

وإمّا أن يكون أمرا واقعيّا ، كما إذا ترتّب الحكم الشرعيّ على عدم الحكم واقعا لا ظاهرا ، كما إذا فرض أنّ موضوع وجوب الحجّ هو الاستطاعة واقعا ، فهو انّما يترتّب على عدم ثبوت دين على عهدة المكلّف واقعا ، فإذا شكّ في ثبوت الدين وعدمه تجري أصالة البراءة عن الدين ، ولكن لا يترتّب عليه وجوب الحجّ ، لأنّ أصالة البراءة عن الدين انّما تثبت عدم الدين ظاهرا ، والمفروض أنّ موضوع وجوب الحجّ هو عدم ثبوت الدين واقعا ، فلم يتحقّق موضوعه ولم يترتّب عليه. فعليه لا محصّل للشرط الأوّل ، إذ تجري البراءة بعد الفحص في الشبهات البدويّة لا محالة ، غاية الأمر لا محيص عن ترتّب الحكم على تقدير ، ولا موضوع لذلك الحكم على تقدير آخر.

[تذييل]

[حول قاعدة لا ضرر ولا ضرار]

[أجنبيّة القاعدة عن مقاصد الكتاب]

ثمّ إنّه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر والضرار على نحو الاقتصار ، وتوضيح مدركها وشرح مفادها ، وإيضاح نسبتها مع الأدلّة المثبتة للأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأوّليّة أو الثانويّة ، وإن كانت أجنبيّة عن مقاصد الرسالة (١) ، إجابة لالتماس بعض الأحبّة.

[مدرك القاعدة]

فأقول وبه أستعين : إنّه قد استدل عليها بأخبار كثيرة :

منها : موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار ، وكان منزل الأنصاريّ بباب البستان ، وكان سمرة يمرّ إلى نخلته ولا يستأذن ، فكلّمه الأنصاريّ أن يستأذن إذا جاء ، فأبى سمرة ، فجاء الأنصاريّ إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فشكى إليه ، فأخبر بالخبر ، فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبره

__________________

(١) لأنّ قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من القواعد الفقهيّة العامّة ، فيكون محلّ البحث عنها هو القواعد الفقهيّة. فينبغي الاكتفاء في المقام بإيضاح ما أفاد المصنّف قدس‌سره من دون التعرّض لما أفاده الأعلام من الآراء والمناقشات ، فإنّه موكول إلى البحث عن القواعد الفقهيّة.

بقول الأنصاريّ وما شكاه ، فقال : إذا أردت الدخول فاستأذن ، فأبى ، فلمّا أبى فساومه حتّى بلغ من الثمن ما شاء الله ، فأبى أن يبيعه ، فقال : لك بها عذق في الجنّة ، فأبى أن يقبل ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصاريّ : اذهب فاقلعها وارم بها إليه ، فإنّه لا ضرر ولا ضرار» (١).

وفي رواية الحذّاء عن أبي جعفر عليه‌السلام مثل ذلك ، إلّا أنّه فيها بعد الإباء : «ما أراك يا سمرة إلّا مضارّا ؛ اذهب يا فلان ، فاقلعها وارم بها وجهه» (٢).

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصّة سمرة وغيرها (٣). وهي كثيرة ، وقد ادّعي تواترها مع اختلافها لفظا وموردا (٤) ، فليكن المراد به تواترها إجمالا ، بمعنى القطع بصدور بعضها.

والإنصاف : أنّه ليس في دعوى التواتر كذلك (٥) جزاف. وهذا مع استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها ؛ مع أنّ بعضها موثّقة (٦) ؛ فلا مجال للإشكال فيها من جهة سندها ، كما لا يخفى.

__________________

(١) ما ذكره المصنّف قدس‌سره مضمون الموثّقة. وإليك بنصّها في الكافي ٥ : ٢٢٩ ، والتهذيب ٧ : ١٧٤ ، والوسائل ١٧ : ٣٤١ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ١.

(٢) وسائل الشيعة ١٧ : ٣٤٠ ، الباب ١٢ من أبواب احياء الموات ، الحديث ١.

(٣) منها : رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يمنع نفع الشيء ، وقضى بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع بأفضل كلاء ، وقال : لا ضرر ولا ضرار». الكافي ٥ : ٢٩٢.

ومنها : رواية اخرى عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن ، وقال : لا ضرر ولا ضرار ، وقال : إذا رفّت الأرف وحدّت الحدود فلا شفعة». الكافي ٥ : ٢٨٠ ، من لا يحضره الفقيه ٣ : ٥٠ ، الحديث ٣٣٦٨.

ومنها : ما رواه الصدوق في الفقيه من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». من لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٤٧ ، الحديث ٥٧١٨.

(٤) والمدّعي هو فخر المحقّقين (ابن العلّامة) في إيضاح الفوائد ٢ : ٤٨.

(٥) أي : إجمالا ، بمعنى القطع بصدور بعضها.

(٦) كموثّقة زرارة المتقدّمة.