درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۵۶: قاعده لا ضرر ۳

 

[دلالة القاعدة]

وأمّا دلالتها : فالظاهر أنّ الضرر هو ما يقابل النفع (١) ـ من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال ـ تقابل العدم والملكة (٢).

كما أنّ الأظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر ، جيء به تأكيدا ـ كما يشهد به إطلاق المضارّ على سمرة (٣) ، وحكي عن النهاية (٤) ؛ لا فعل الاثنين ، وإن كان هو الأصل في باب المفاعلة ؛ ولا الجزاء على الضرر ، لعدم تعاهده من باب المفاعلة. وبالجملة : لم يثبت له معنى آخر غير الضرر.

كما أنّ الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة ـ كما هو الأصل في هذا التركيب ـ حقيقة أو ادّعاء كناية عن نفي الآثار ، كما هو (٥) الظاهر من مثل «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (٦) ، و «يا أشباه الرجال ولا رجال» (٧) ، فإنّ قضيّة البلاغة في الكلام هي إرادة نفي الحقيقة ادّعاء ، لا نفي الحكم أو الصفة كما لا يخفى. ونفي الحقيقة ادّعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداء مجازا في التقدير أو في الكلمة ، ممّا لا يخفى(٨) على من له معرفة بالبلاغة (٩).

وقد انقدح بذلك بعد إرادة نفي الحكم الضرريّ (١٠) أو الضرر غير

__________________

(١) كما في الكتب اللغويّة ، فراجع العين ٧ : ٧ ، الصحاح ٢ : ٧١٩ ، النهاية (لابن الأثير) ٣ : ٨١ ، لسان العرب ٤ : ٤٨٢.

(٢) إذ لا يطلق الناقص إلّا على الشيء الّذي من شأنه عدم ذلك النقص ، مثلا : لا يطلق الأعمى إلّا على فاقده الّذي من شأنه أن يكون بصيرا ، كالحيوان.

(٣) اطلق المضارّ على سمرة في رواية الحذّاء المتقدّمة.

(٤) النهاية (لابن الأثير) ٣ : ٨١.

(٥) أي : نفي الحقيقة ادّعاء.

(٦) دعائم الإسلام ١ : ١٤٨.

(٧) نهج البلاغة ، الخطبة : ٢٧.

(٨) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كما لا يخفى».

(٩) والحاصل : أنّ المقصود من نفي الضرر في قوله : «لا ضرر» نفي أحكام الموضوع الضرريّ من باب نفي الحكم بلسان نفي موضوعه.

(١٠) بأن يكون المراد بالضرر في قوله : «لا ضرر» سببه ، وهو الحكم. فيطلق الضرر عليه من ـ

المتدارك (١) أو إرادة النهي من النفي (٢) جدّا ، ضرورة (٣) بشاعة استعمال الضرر وإرادة خصوص سبب من أسبابه أو خصوص غير المتدارك منه (٤). ومثله لو اريد ذاك بنحو التقييد (٥) ، فإنّه وإن لم يكن ببعيد ، إلّا أنّه بلا دلالة عليه غير سديد. وإرادة النهي من النفي وإن كان ليس بعزيز (٦) ، إلّا أنّه لم يعهد من مثل هذا

__________________

ـ باب إطلاق لفظ المسبّب وإرادة السبب ، نظير إطلاق لفظ «القتل» على الرمي ، وهو المجاز في الكلمة ، فيراد من «لا ضرر» أنّه حكم ضرريّ ، أي : حكم شرعيّ يلزم منه ضرر على العباد. وهذا مختار الشيخ الأعظم ، وتبعه المحقّق النائينيّ ، فراجع فرائد الاصول ٢ : ٤٦٠ ، ومنية الطالب ٢ : ٢٠١.

(١) بأن يكون المنفيّ حصّة خاصّة من الضرر ، وهي الضرر غير المتدارك ، وهو المجاز في التقدير ، فيراد من الحديث أنّه لا ضرر لم يحكم الشارع بوجوب تداركه وجبرانه. وهذا ما ذهب إليه الفاضل التونيّ في الوافية : ١٩٤.

(٢) كما ذهب إليه البدخشيّ في مناهج العقول في شرح منهاج الوصول ٣ : ١٧٧. واختاره السيّد مير فتّاح الحسينيّ ، وأصرّ عليه شيخ الشريعة الأصفهانيّ ، ومال إليه صاحب الجواهر ، فراجع العناوين ١ : ٣١١ ، ورسالة في قاعدة لا ضرر : ١٩ ، وجواهر الكلام ٣٧ : ١٥.

(٣) تعليل لبعد إرادة نفي الحكم الضرريّ أو الضرر غير المتدارك.

(٤) أي : من الضرر.

(٥) الضمير في «مثله» راجع إلى استعمال الضرر وإرادة خصوص غير المتدارك. وهو المشار إليه بقوله : «ذاك»

وتوضيح ما أفاده : أنّ في استعمال كلمة «الضرر» وإرادة خصوص غير المتدارك وجهان :

أحدهما : أن يستعمل الضرر ويراد من لفظ «الضرر» الضرر غير المتدارك من باب استعمال اللفظ الكلّي في بعض مصاديقه. أشار المصنّف قدس‌سره إلى هذا الوجه بقوله : «أو خصوص غير المتدارك منه».

ثانيهما : أن يستعمل الضرر ويراد الضرر غير المتدارك بدالّ آخر بنحو التقييد ـ أي بنحو تعدّد الدالّ والمدلول ـ. وأشار المصنّف إليه بقوله : «ومثله لو اريد ذلك بنحو التقييد».

(٦) بل استعمل النفي واريد النهي في كثير من الموارد ، كقوله تعالى : ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ﴾ [البقرة / ١٩٧] ، وقوله تعالى : ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه / ٩٧] ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا جلب ولا جنب ولا شعار في الإسلام» [الكافي ٥ : ٣٦١] ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» [الكافي ٢ : ٣٧٢ ، الفقيه ٤ : ٣٨١].

التركيب (١).

وعدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينة على إرادة واحد منها (٢) بعد إمكان حمله على نفيها ادّعاء ، بل كان هو الغالب في موارد استعماله.

ثمّ الحكم الّذي اريد نفيه بنفي الضرر هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها (٣) أو المتوهّم ثبوته لها كذلك في حال الضرر (٤) ، لا الثابت له بعنوانه (٥) ، لوضوح أنّه العلّة للنفي ، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه ، بل يثبته ويقتضيه.

[نسبة القاعدة مع أدلّة أحكام الأفعال بعناوينها الأوّليّة]

ومن هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلّة نفيه وأدلّة الأحكام ، وتقدّم أدلّته على أدلّتها ، مع أنّها عموم من وجه ، حيث إنّه يوفّق بينهما عرفا بأنّ الثابت للعناوين الأوّليّة اقتضائيّ يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر بأدلّته ، كما هو الحال في التوفيق بين سائر الأدلّة المثبتة أو النافية لحكم الأفعال بعناوينها الثانويّة والأدلّة المتكفّلة لحكمها بعناوينها الأوّليّة.

نعم ، ربّما يعكس الأمر فيما احرز بوجه معتبر أنّ الحكم في المورد ليس بنحو الاقتضاء ، بل بنحو العلّيّة التامّة.

وبالجملة : الحكم الثابت بعنوان أوّليّ تارة يكون بنحو الفعليّة مطلقا أو بالإضافة إلى عارض دون عارض بدلالة لا يجوز الإغماض عنها بسبب دليل حكم العارض المخالف له ، فيقدّم دليل ذاك العنوان على دليله ؛ واخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإغماض عنها بسببه عرفا ، حيث كان اجتماعهما

__________________

(١) أي : إرادة النهي من النفي فيما إذا دخلت على اسم الجنس لم تعهد في الاستعمالات المتعارفة ، بل انّما يكون متعارفا فيما إذا دخلت على الفعل كقوله تعالى : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الواقعة / ٧٩.

(٢) أي : واحد من المعاني المجازيّة.

(٣) أي : العناوين الأوّليّة للأفعال ، كالصلاة والحجّ والبيع والصوم وغير ذلك من العناوين الأوّليّة.

(٤) أي : أو الحكم المتوهّم ثبوته لها بهذه العناوين الأوّليّة في حال الضرر.

(٥) أي : بعنوان الضرر.