درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۶۰: استصحاب ۱

 

فصل

[في الاستصحاب]

[كثرة الأقوال والعبارات في حجّيّته وتعريفه]

وفي حجّيّته إثباتا ونفيا أقوال للأصحاب (١).

ولا يخفى : أنّ عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتّى (٢) ، إلّا أنها تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد ، وهو «الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه» (٣) ، إمّا من جهة بناء العقلاء على ذلك (٤) في أحكامهم العرفيّة مطلقا أو في الجملة ـ تعبّدا ، أو للظنّ به الناشئ من ملاحظة ثبوته سابقا ـ ، وإمّا من جهة دلالة النصّ أو دعوى الإجماع عليه كذلك (٥) ، حسبما تأتي الإشارة إلى ذلك

__________________

(١) وقد تعرّض الشيخ الأعظم لأحد عشر قولا في فرائد الاصول ٣ : ٤٨ ـ ٤٩. والمصنّف اقتصر على ذكر مختاره ـ وهو الحجيّة مطلقا ـ وبعض تفاصيل آخر.

(٢) منها : ما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ وعدّه أخصر التعاريف وأسدّها ، وهو : «إبقاء ما كان». فرائد الاصول ٣ : ٩.

ومنها : ما ذكره أيضا الشيخ الأعظم الأنصاريّ وجعله أزيف التعاريف ، وهو «كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق». فرائد الاصول ٣ : ١٠.

(٣) أشار بقوله : «ببقاء حكم» إلى جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة. وأشار بقوله : «أو موضوع ذي حكم» إلى جريانه في الشبهة الموضوعيّة.

(٤) أي : على الحكم بالبقاء.

(٥) توضيح ما أفاده : أنّ الاستصحاب هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في ـ

مفصّلا (١).

__________________

ـ بقائه. ويستدلّ على الحكم بالبقاء بامور أربعة :

الأوّل : استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة في أحكامهم العرفيّة ، غاية الأمر أنّ بعض العقلاء بنوا على ذلك مطلقا ، سواء كان الحكم كلّيّا أم جزئيّا ، أو كان وضعيّا أم تكليفيّا ، أو كان الشكّ في المقتضي أو في الرافع وهكذا ؛ وبعض آخر منهم بنوا على ذلك بعد اختيار بعض التفاصيل ؛ كما أنّ بعضهم بنوا على ذلك تعبّدا ولو لم يحصل الظنّ الشخصيّ أو النوعيّ ببقاء الحكم السابق ، فيكون أصلا ؛ وبعض آخر منهم بنوا على ذلك للظنّ ببقاء الحكم الناشئ من لحاظ ثبوته سابقا ، فيكون أمارة. وهذا ما أشار إليه المصنّف قدس‌سره بقوله :«إمّا من جهة بناء العقلاء».

وممّا ذكرنا يظهر معنى قوله : «مطلقا» وقوله : «في الجملة». ويظهر أيضا أنّ قوله : «تعبّدا أو للظنّ به» قيد لبناء العقلاء.

الثاني : دلالة الأحاديث المختلفة على الحكم بالبقاء وعدم نقض اليقين بالشكّ. وهذا ما أشار إليه المصنّف قدس‌سره بقوله : «وإمّا من جهة دلالة النصّ».

الثالث : دعوى الإجماع على الحكم بالبقاء مطلقا أو في الجملة. وأشار إليه المصنّف قدس‌سره بقوله : «ودعوى الإجماع عليه كذلك».

وغرض المصنّف قدس‌سره أنّ ما ذكرنا من التعريف يلتئم مع ما ذكر من الامور الثلاثة لإثبات اعتبار الاستصحاب.

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «حسبما يأتي بيان كلّ من الأدلّة تفصيلا» ، ضرورة أنّ الإشارة لا تلائم التفصيل.

ولا يخفى : أنّ الأعلام الثلاثة لم يرتضوا بما ذكره الشيخ الأعظم والمصنّف قدس‌سره في تعريف الاستصحاب ، بل ناقشوا فيما أفادا وذكروا تعاريف أخر :

فقال المحقّق النائينيّ : «فالأولى في تعريفه أن يقال : إنّ الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العمليّ بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين. وهذا المعنى ينطبق على ما هو مفاد الأخبار ، وليس حقيقة الاستصحاب إلّا ذلك». فوائد الاصول ٤ : ٣٠٧.

وقال المحقّق الأصفهانيّ : «والتحقيق أنّ الاستصحاب ـ كما يناسب المشتقّات منه ـ هو الإبقاء العمليّ». نهاية الدراية ٣ : ٩.

وذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّ حقيقة الاستصحاب عند القوم برمّتهم التصديق ببقاء ما كان ظنّا أم يقينا تعبّدا. راجع نهاية الأفكار ٤ : ٢ ـ ٣ ، وهامش فوائد الاصول ٤ : ٣٠٧.

ولا يخفى : أنّ هذا المعنى هو القابل لأن يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه وإثباته ـ مطلقا أو في الجملة ـ وفي وجه ثبوته (١) على أقوال ، ضرورة أنّه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظنّ به الناشئ من العلم بثبوته لما تقابل فيه الأقوال (٢) ، ولما كان النفي والإثبات واردين على مورد واحد ، بل موردين.

وتعريفه بما ينطبق على بعضها (٣) وإن كان ربّما يوهم أن لا يكون هو الحكم

__________________

(١) أي : في مدرك ثبوت الاستصحاب. ضرورة أنّ الخلاف كما يقع في حجّيّة الاستصحاب نفيا وإثباتا كذلك يقع في مدرك حجّيّته وأنّه هل هو بناء العقلاء أو هو الأخبار أو غيرهما.

(٢) إذ القائل بثبوت الاستصحاب قد لا يثبت البناء المذكور ، بل يستدلّ على ثبوته بالأخبار ، والقائل بنفيه قد لا يثبت البناء المذكور ولكن لا يراه حجّة. وكذا القائل بثبوت الاستصحاب قد يقول بعدم حصول الظنّ بالبقاء له ، والقائل بنفيه قد يعترف بحصول الظنّ ولكن يمنع الدليل على حجّيّته.

ولا يخفى : أنّ ما ذكره المصنّف قدس‌سره في المقام ـ من أنّ للاستصحاب مفهوم واحد قابل لوقوعه معركة الآراء ـ عدول عمّا أفاده في تعليقته على فرائد الاصول ، حيث قال :«لا يخفى : أنّ حقيقة الاستصحاب وماهيّته مختلف بحسب اختلاف وجه حجّيّته ...». درر الفوائد : ٢٨٩.

وذهب السيّدان العلمان ـ الخمينيّ والخوئيّ ـ إلى ما أفاده المصنّف قدس‌سره في التعليقة ، فصرّحا بعدم إمكان تعريف الاستصحاب بشيء يكون قابلا لأن يكون موردا للنقض والإبرام على جميع المسالك والأقوال ، بل يختلف تعريفه باختلاف المباني. راجع تمام كلامهما في الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ٧٠ ـ ٧٢ ، وموسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٣ ـ ٥.

(٣) أي : بعض الأقوال : ولعلّ مراده من قوله : «ما ينطبق على بعضها» هو التعريف الّذي ذكره الفاضل التونيّ من «أنّه التمسّك بثبوت ما يثبت في وقت أو حال على بقائه» ، فإنّ هذا التعريف إنّما ينطبق على استناد حجّيّة الاستصحاب إلى الظنّ ، لأنّ ظاهر هذا التعريف أنّ نفس الثبوت السابق أمارة على ثبوته في اللاحق ، وهذا أجنبيّ عن الحكم بالبقاء الّذي هو فعل المكلّف. فهذا التعريف يوهم أن لا يكون تعريف الاستصحاب هو الحكم بالبقاء ، بل يكون تعريفه هذا الوجه الّذي ذكره الفاضل التونيّ.

ثمّ أفاد المصنّف قدس‌سره أنّ ما ذكر من التعاريف للاستصحاب لم يكن بحدّ ولا برسم ، بل من قبيل شرح الاسم ، فتعريفه بما ينطبق على بعضها ـ كتعريفه بما ذكره الفاضل التونيّ ـ لا يدلّ ـ

بالبقاء ، بل ذاك الوجه ، إلّا أنّه حيث لم يكن بحدّ ولا رسم (١) بل من قبيل شرح الاسم ـ كما هو الحال في التعريفات غالبا ـ لم يكن له دلالة على أنّه نفس الوجه ، بل للإشارة إليه من هذا الوجه. ولذا لا وقع للإشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد أو العكس ، فإنّه لم يكن به ـ إذا لم يكن بالحدّ أو الرسم ـ بأس.

فانقدح أنّ ذكر تعريفات القوم له وما ذكر فيها من الإشكال بلا حاصل وطول بلا طائل.

[الاستصحاب من المسائل الاصوليّة]

ثمّ لا يخفى : أنّ البحث في حجّيّته (٢) مسألة اصوليّة ، حيث يبحث فيها (٣) لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة. وليس مفادها حكم العمل بلا واسطة وإن كان ينتهي إليه (٤) ، كيف! وربّما لا يكون مجرى الاستصحاب إلّا حكما اصوليّا كالحجّيّة مثلا.

هذا لو كان الاستصحاب عبارة عمّا ذكرنا (٥).

__________________

ـ على أنّ ذلك التعريف هو التعريف الحقيقيّ عند القائل به كي يقع مورد النقض والإبرام.

(١) وفي بعض النسخ : «ولا برسم».

(٢) وفي بعض النسخ : «في حجّيّة». والصحيح أن يقول : «عن حجّيّته».

(٣) أي : في المسألة الاصوليّة.

(٤) وفي مرجع الضمير في قوله : «وليس مفادها» وجوه :

الأوّل : أن يرجع إلى حجّيّة الاستصحاب.

الثاني : أن يرجع إلى المسألة الاصوليّة.

وعلى كلا الوجهين كان الأولى أن يقول : «وليس مفادها حكم العمل بلا واسطة وإن كانت تنتهي إليه».

الثالث : أن يرجع إلى الاستصحاب. وعليه كان الصحيح أن يقول : «وليس مفاده حكم العمل بلا واسطة وإن كان ينتهي إليه».

(٥) وهو كون الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه.