درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۶۵: استصحاب ۶

 

[٤ ـ الاستدلال بالأخبار]

الوجه الرابع : وهو العمدة في الباب ، الأخبار المستفيضة.

[الخبر الأوّل : صحيحة زرارة الاولى]

منها : صحيحة زرارة. قال : قلت له (١) : الرجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

قال : «يا زرارة! قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، وإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء».

قلت : فإن حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم؟

قال : «لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام ، حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ ، ولكنّه ينقضه بيقين آخر» (٢).

وهذه الرواية وإن كانت مضمرة (٣) ، إلّا أنّ إضمارها لا يضرّ باعتبارها ، حيث كان مضمرها مثل زرارة ، وهو ممّن لا يكاد يستفتي من غير الإمام عليه‌السلام لا سيّما مع هذا الاهتمام.

[تقريب الاستدلال بالرواية]

وتقريب الاستدلال بها أنّه لا ريب في ظهور قوله عليه‌السلام : «وإلّا فإنّه على

__________________

(١) أي : للمعصوم عليه‌السلام.

ونقل المحقّق الاصفهانيّ عن فوائد العلّامة الطباطبائيّ أنّ المقصود به الإمام الباقر عليه‌السلام.

وروي عنه أيضا في الفصول والقوانين. راجع نهاية الدراية ٣ : ٣٨ ، الفصول : ٣٧٠ ، قوانين الاصول ٢ : ٢٧٨.

(٢) لا يخفى : أنّ بعض ألفاظ الرواية يختلف مع ما في الوسائل والتهذيب ، ولكنّه لا يخلّ بالمفهوم. راجع التهذيب ١ : ٧ ـ ٨ ؛ وسائل الشيعة ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ١.

(٣) لعدم ذكر الإمام المسئول فيها.

يقين ...» عرفا في النهي عن نقض اليقين بشيء بالشكّ فيه ، وأنّه عليه‌السلام بصدد بيان ما هو علّة الجزاء المستفاد من قوله عليه‌السلام : «لا» في جواب : «فإن حرّك في جنبه ...» ، وهو (١) اندراج اليقين والشكّ في مورد السؤال في القضيّة الكلّيّة الارتكازيّة الغير المختصّة بباب دون باب.

واحتمال أن يكون الجزاء هو قوله : «فإنّه على يقين ...» غير سديد ، فإنّه لا يصحّ إلّا بإرادة لزوم العمل على طبق يقينه ، وهو إلى الغاية بعيد.

وأبعد منه كون الجزاء قوله : «لا ينقض ...» ، وقد ذكر : «فإنّه على يقين» للتمهيد (٢).

__________________

(١) أي : ما هو علّة الجزاء.

(٢) والحاصل : أنّ محلّ الاستدلال بالرواية انّما هو قوله : «وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ». والمحتملات في مفاد هذه الفقرة ثلاثة :

الاحتمال الأوّل : ما قرّبه الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٣ : ٥٦. وبنى عليه المصنّف قدس‌سره في المقام وأشار إليه بقوله : «وأنّه بصدد بيان ما هو علّة الجزاء المستفاد ...».

وتقريبه : أنّ الجزاء لقوله : «وإلّا» محذوف ، وقوله : «فإنّه على يقين ...» علّة للجزاء ، قامت مقامه لدلالته عليه ، فيكون المقدّر : «وإلّا فلا يجب عليه الوضوء ، لأنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ».

وأورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّه يلزم على هذا التكرار في الجواب وبيان حكم المسئول عنه من دون الفائدة في التكرار ، فإنّ معنى قوله عليه‌السلام : «لا ، حتّى يستيقن» عقيب قول السائل : «فإن حرّك في جنبه شيء» أنّه لا يجب عليه الوضوء ، فإذا قدّر جزاء قوله : «وإلّا» بمثل : «فلا يجب عليه الوضوء» يلزم تكرار الجواب ، وهو لا يخلو عن حزازة. فوائد الاصول ٤ : ٣٣٦ ـ ٣٣٧.

وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ أيضا بأنّ حمل الجملة على هذا الاحتمال انّما هو بعد عدم إمكان إرادة الجزاء من نفس الجملة ، وسيأتي إمكانه ؛ مضافا إلى أنّه يلزم حمله على التأكيد. نهاية الدراية ٣ : ٤٢.

الاحتمال الثاني : ما أشار إليه المصنّف قدس‌سره بقوله : «واحتمال أن يكون ...». وتقريبه : أن يكون قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» هو الجزاء ، بأن يكون جملة خبريّة اريد بها الإنشاء ككثير من الجمل الخبريّة الواقعة في مقام الإنشاء.

وهذا الاحتمال تكلّف عند الشيخ الأعظم وبعيد إلى الغاية عند المصنّف قدس‌سره.

ولكنّ المحقّق الأصفهانيّ لم يستبعده ونفى التكلّف فيه ، لأنّه كسائر الموارد الّتي تستعمل فيها الجملة الخبريّة في مقام الإنشاء ، كقوله عليه‌السلام : «يعيد» أو «يغتسل» أو «يتوضّأ» ـ

[عدم اختصاص الرواية بباب الوضوء]

وقد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضيّة «لا تنقض ...» باليقين والشكّ في باب الوضوء جدّا ، فإنّه ينافيه (١) ظهور التعليل (٢) في أنّه بأمر ارتكازيّ (٣) لا تعبّديّ قطعا.

ويؤيّده تعليل الحكم بالمضيّ مع الشكّ في غير الوضوء في غير هذه الرواية (٤)

__________________

ـ في مقام بيان وجوب الإعادة والغسل والوضوء. نهاية الدراية ٣ : ٤٣.

وأفاد المحقّق النائينيّ أيضا أنّ هذا الاحتمال هو المتعيّن. فوائد الاصول ٤ : ٣٣٧.

الاحتمال الثالث : ما أشار إليه المصنّف قدس‌سره بقوله : «وأبعد منه كون الجزاء ...». حاصله : أن يكون الجزاء قوله : «ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ» ، ويكون قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» تمهيدا لذكر الجزاء ، فيكون معنى الجملة : «وإن لم يستيقن أنّه نام فحيث أنّه على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك».

ولعلّ الوجه في أبعديّة هذا الاحتمال أنّه لو كان قوله : «ولا ينقض اليقين بالشكّ» هو الجزاء لما صحّ تصديره بالواو ، بل الصحيح أن يكون إمّا مصدّرا بالفاء أو مجرّدا عنهما.

وزاد المحقّق الاصفهانيّ احتمالا آخر ، وهو أن يكون قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» جزاء مع التحفّظ على ظهوره في مقام الإخبار جدّا ، فيكون مفاد قوله : «وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه» أنّه إن لم يستيقن بالنوم الناقض فهو باق على يقينه بوضوئه ولا موجب لانحلاله إلّا الشكّ ، ولا ينقض اليقين بالشكّ ، فيكون قوله : «وإلّا فإنّه ...» بمنزلة الصغرى ، وقوله : «ولا ينقض اليقين ...» بمنزلة الكبرى. نهاية الدراية ٣ : ٤٥ ـ ٤٦.

وزاد السيّد الإمام الخمينيّ وجها خامسا ، وهو أن يكون الجزاء لقوله : «وإلّا» مقدّرا ، ويكون قوله : «وإلّا» راجعا إلى قوله : «لا حتّى يستيقن». ولكن المقدّر ليس ما ذكره الشيخ وتبعه المصنّف قدس‌سره ، بل يكون المقدّر : «وإن وجب الوضوء قبل الاستيقان لزم نقض اليقين بالشكّ». وقوله : «فإنّه على يقين» قرينة على المقدّر وبيان لفساد نقض اليقين بالشكّ ولزومه أيضا. الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ٨٥.

(١) أي : ينافي اختصاص القضيّة بباب الوضوء.

(٢) وهو قوله عليه‌السلام : «فإنّه على يقين من وضوئه».

(٣) وهو عدم نقض الأمر المبرم ـ أي اليقين ـ بالأمر غير المبرم ـ أي الشكّ ـ ، فإنّه المناسب للتعليل الظاهر في اطّراد الحكم المعلّل.

(٤) كصحيحة زرارة الثانية والثالثة وخبر الصفّار ، كما ستأتي. ـ

بهذه القضيّة أو ما يرادفها ، فتأمّل جيّدا. هذا.

مع أنّه لا موجب لاحتماله إلّا احتمال كون اللام في اليقين للعهد ، إشارة إلى اليقين في «فإنّه على يقين من وضوئه» ، مع أنّ الظاهر أنّه للجنس (١) ، كما هو الأصل فيه ؛ وسبق «فإنّه على يقين ...» لا يكون قرينة عليه (٢) مع كمال الملاءمة مع الجنس أيضا ، فافهم.

مع أنّه (٣) غير ظاهر في اليقين بالوضوء ، لقوّة احتمال أن يكون «من وضوئه» متعلّقا بالظرف (٤) ، لا ب «يقين» (٥) ، وكان المعنى : «فإنّه كان من طرف وضوئه على يقين» ، وعليه لا يكون الأوسط إلّا اليقين ، لا اليقين بالوضوء ، كما لا يخفى على المتأمّل(٦).

__________________

(١) لا يخفى : أنّه ينافي ما تقدّم منه في الجزء الثاني : ٢٠٧ ـ ٢٠٨ من قوله : «فالظاهر أنّ اللام مطلقا تكون للتزيين ، كما في الحسن والحسين. واستفادة الخصوصيّات انّما تكون بالقرائن الّتي لا بدّ منها لتعيينها على كلّ حال».

(٢) أي : على كون اللام في «اليقين» للعهد.

(٣) أي : قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه».

(٤) أي : بالظرف المقدّر ، وهو «كان».

(٥) ولعلّ الوجه في كون «من وضوئه» متعلّقا بالظرف لا باليقين أنّ اليقين إنّما يتعدّى متعلّقه ب «الباء» لا ب «من» ، فيقال : «تيقّن بكذا» ولا يقال : «تيقّن من كذا».

(٦) ولا يخفى : أنّ المحقّق العراقيّ ـ بعد ما أفاد عدم اختصاص الرواية بباب الوضوء ، وأنّ إضافة اليقين إلى الوضوء من جهة كونه موردا لسؤال الراوي لا من جهة خصوصيّة فيه ، واستشهد له بوقوع هذه الجملة كبرى لصغريات متعدّدة في الروايات الأخر ، واستشهد له أيضا بظهور سوق الرواية في كونه في مقام إدراج المورد تحت كبرى ارتكازيّة هي عدم نقض اليقين بالشيء بالشكّ فيه ـ ناقش في دعوى المصنّف قدس‌سره من قوّة احتمال تعلّق «من وضوئه» بالظرف من وجوه :

الأوّل : أنّه مجرّد احتمال لا يجدي شيئا ما لم يبلغ إلى مرتبة الظهور المعتدّ به.

الثاني : أنّ غاية ذلك خروج «من وضوئه» من كونه من الجهات التقييديّة لليقين إلى التعليليّة ، وهو لا يوجب إطلاقا في اليقين المأخوذ في الصغرى ، فإنّ اليقين ـ على العلّيّة ـ وإن لم يكن مقيّدا ب «من وضوئه» ، إلّا أنّه لا إطلاق له أيضا يشمل اليقين المتعلّق بغير الوضوء ، كما هو الشأن في جميع المعاليل بالإضافة إلى عللها. وعليه يكون اليقين متعلّقا بالوضوء عاريا من حيثيّة الإطلاق والتقييد به ، وحينئذ إذا كان الألف واللام في الكبرى ـ