درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۴: استصحاب ۱۵

 

وربما اشكل أيضا (١) بأنّه لو سلّم دلالتها على الاستصحاب كانت من الأخبار الخاصّة الدالّة عليه في خصوص المورد ، لا العامة لغير مورد ، ضرورة ظهور الفقرات في كونها مبنيّة للفاعل ، ومرجع الضمير فيها هو المصلّي الشاكّ.

وإلغاء خصوصيّة المورد ليس بذاك الوضوح ، وإن كان يؤيّده تطبيق قضيّة «لا تنقض اليقين» وما يقاربها على غير مورد ، بل دعوى «أنّ الظاهر من نفس القضيّة هو أنّ مناط حرمة النقض إنّما يكون لأجل ما في اليقين والشكّ ، لا لما في المورد من الخصوصيّة ، وأنّ مثل اليقين لا ينقض بمثل الشكّ» غير بعيدة.

[الخبر الرابع : خبر محمّد بن مسلم]

ومنها : قوله عليه‌السلام : «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه ، فإنّ

__________________

ـ الدالّ على الحكم الواقعيّ ، وهو في نفسه يقتضي اتّصال أجزاء الصلاة وركعاتها ، فيقتضي كونها موصولة ، إلّا أنّ النصوص الواردة في باب الشكوك تدلّ على لزوم الفصل بالتشهّد والتسليم. ومرجع ذلك في الحقيقة إلى تخصيص دليل الحكم الواقعيّ المجهول ، لا إلى تخصيص الاستصحاب أو تقييد إطلاقه في المورد. وعليه فيطبّق الاستصحاب على المورد بلا محذور.

الثالث : أنّ المتيقّن في المقام ليس عدم الإتيان بالركعة الرابعة ، كي يتأتّى الحديث السابق ، بل المتيقّن هو الاشتغال بالتكليف بالصلاة ، فشكّ في ارتفاعه بإتيان الركعة المردّدة بين كونها الثالثة والرابعة ، فقال عليه‌السلام : «قام فأضاف إليها اخرى ، ولا ينقض اليقين بالشكّ». وغرضه عدم نقض اليقين بالاشتغال بالشكّ فيه. وإذا بنى على اشتغال ذمّته بالصلاة يلزم عليه إتيان ركعة اخرى ، غاية الأمر أنّ الصحيحة ساكتة عن كونها متّصلة أو منفصلة ، فيرجع إلى الأدلّة الخاصّة ويستفاد منها لزوم إتيانها منفصلة. راجع نهاية الأفكار ٤ : ٥٩ و ٦٢.

وقد تصدّى بعض آخر من الأعلام أيضا إلى دفع الإيراد بوجوه أخر ، تركناها خوفا من التطويل ، وإن شئت فراجع فرائد الاصول ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ ، فوائد الاصول ٤ : ٣٦٢ ـ ٣٦٤ ، مصباح الاصول ٣ : ٦٣ ، الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ١٠٤ ـ ١٠٦.

(١) هذا الإشكال من الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ٦٤ ـ ٦٥.

الشكّ لا ينقض اليقين» أو «فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (١).

وهو وإن كان يحتمل قاعدة اليقين ، لظهوره في اختلاف زمان الوصفين ، وإنّما يكون ذلك في القاعدة دون الاستصحاب ، ضرورة إمكان اتّحاد زمانهما ، إلّا أنّ المتداول في التعبير عن مورده هو مثل هذه العبارة. ولعلّه (٢) بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين وسرايته إلى الوصفين لما بين اليقين والمتيقّن من نحو من الاتّحاد ، فافهم. هذا مع وضوح أنّ قوله : «فإنّ الشكّ لا ينقض ... إلخ» هي القضيّة المرتكزة الواردة مورد الاستصحاب في غير واحد من أخبار الباب (٣).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ ما نقله المصنّف قدس‌سره لا يوافق نصّ الروايتين ، وإليك نصّهما :

محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : من كان على يقين فشكّ ، فليمض على يقينه ، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين». الخصال : ٦١٩.

وفي رواية اخرى عنه : «من كان على يقين ، فأصابه شكّ ، فليمض على يقينه ، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ». الإرشاد (للمفيد) ١ : ٣٠٢.

(٢) أي : لعلّ التعبير عن الاستصحاب بلفظ يكون ظاهرا في قاعدة اليقين ...

(٣) يلخّص ما أفاده ذيل أمرين :

الأوّل : ما أفاد بقوله : «وهو وإن كان يحتمل ... اتّحاد زمانهما». بيان ذلك : أنّ الروايتين ظاهرتان في قاعدة اليقين ، لأنّ قوله عليه‌السلام : «فأصابه شكّ» أو «فشكّ» ظاهر في اختلاف زمان حصول وصفي اليقين والشكّ ، فإنّ الفاء العاطفة ظاهرة في التعقيب. ومن المعلوم أنّ اختلاف زمان الوصفين مع اتّحاد متعلّقهما يناسب قاعدة اليقين ، فلا تفيد الاستصحاب ، بل تكون الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه.

وهذا ما استظهره الشيخ الأعظم ، ثمّ أفاد : أنّ قوله عليه‌السلام : «فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» ظاهر في الاستصحاب. فرائد الاصول ٣ : ٦٩ ـ ٧٠.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «إلّا أنّ المتداول ...». وهو أنّه يمكن دعوى دلالة الرواية على الاستصحاب ، لأنّ اليقين طريق إلى المتيقّن ، ومن المتداول في التعبير عن سبق المتيقّن على المشكوك فيه هو التعبير بسبق اليقين على الشكّ. ولعلّ الوجه في التعبير عنه بسبق اليقين على الشكّ هو ما بين اليقين والمتيقّن من نحو الاتّحاد ، فيكون مراده سبق المتيقّن على المشكوك ، وهو يناسب الاستصحاب.

مضافا إلى أنّ ذيل الرواية قرينة على إرادة الاستصحاب ، فإنّ قوله عليه‌السلام : «فإنّ الشكّ ـ

[الخبر الخامس : خبر الصفّار]

ومنها : خبر الصفّار عن عليّ بن محمّد القاسانيّ. قال : كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ عن اليوم الّذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب : «اليقين لا يدخل فيه الشكّ ، صم للرؤية وافطر للرؤية» (١).

__________________

ـ لا ينقض اليقين» استعمل في كثير من الأخبار واريد منه الاستصحاب.

ولا يخفى : أنّ بعض الأعلام ذكر وجوها أخر في تقريب الاستدلال بها :

منها : أنّ قوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه» ظاهر في لزوم المضيّ على اليقين بعد فرض وجوده وانحفاظه في زمان العمل ، وهو لا ينطبق إلّا على الاستصحاب ، ضرورة عدم وجود يقين فعليّ في مورد القاعدة ، كي يؤمر بالبناء عليه ، بل كان يقين وقد زال بالشكّ الساري.

وهذا ما أفاده المحقّقان النائينيّ والعراقيّ والسيّد المحقّق الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٤ : ٣٦٥ ، نهاية الأفكار ٤ : ٦٤ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٧٨.

ومنها : أنّ متعلّق اليقين لا يكون مقيّدا بالزمان ، فيكون معنى قوله عليه‌السلام : «من كان على يقين» هو اليقين بشيء ، لا اليقين بشيء مقيّدا بالزمان. وعليه فيكون الشكّ في الزمان اللاحق متعلّقا بهذا الشيء من غير تقييده بالزمان ، فكأنّه قال : «إذا كنت في الزمان السابق متيقّنا بعدالة زيد ثمّ أصابك شكّ فيها في الزمان اللاحق فلتمض على يقينك». ولا إشكال في ظهور هذا الكلام في الاستصحاب. وهذا ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ في الرسائل ١ : ١٠٨.

ومنها : أنّ اليقين والشكّ المأخوذين في الرواية ظاهران في الفعليّ منهما ، فيكون معنى الرواية : أنّه لا يدفع بالشكّ الفعليّ اليقين الفعليّ ، وهذا يناسب الاستصحاب. وهذا ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ أيضا في الرسائل ١ : ١٠٨.

وناقش السيّد الخوئيّ في الاستدلال بالرواية سندا ، حيث كان في سنده قاسم بن يحيى ، وهو غير موثوق عند أهل الرجال. راجع موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٧٩.

(١) وسائل الشيعة ٧ : ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ١٣.

وهذا الحديث جعلها الشيخ الأنصاريّ من أظهر روايات الباب في الدلالة على حجّيّة الاستصحاب. فرائد الاصول ٣ : ٧١.

ولكنّ المصنّف قدس‌سره ناقش في دلالتها ـ كما يأتي ـ. وحاصل المناقشة : أنّ دلالتها على الاستصحاب موقوفة على أن يكون المراد من «اليقين» في قوله عليه‌السلام : «اليقين لا يدخل فيه الشكّ» اليقين بعدم دخول رمضان وعدم دخول شوّال ، كي يكون مفاده عدم نقض اليقين السابق بالشكّ اللاحق. ولكن لا يبعد أن يكون المراد به اليقين بدخول رمضان ـ المنوط به ـ

حيث دلّ على أنّ اليقين بالشعبان لا يكون مدخولا بالشكّ في بقائه وزواله بدخول شهر رمضان ، ويتفرّع عليه عدم وجوب الصوم (١) إلّا بدخول شهر رمضان.

وربّما يقال : إنّ مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشكّ تشرف [على] القطع (٢) بأنّ المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان ، وأنّه لا بدّ في وجوب الصوم ووجوب الإفطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه ، وأين هذا من الاستصحاب؟! فراجع ما عقد في الوسائل (٣) لذلك من الباب تجده شاهدا عليه.

[الخبر السادس والسابع والثامن : أخبار الحلّ والطهارة]

ومنها قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (٤) ، وقوله عليه‌السلام : «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه نجس» (٥) ، وقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه

__________________

ـ وجوب الصوم ـ أو اليقين بخروجه ودخول شوّال ـ المنوط به وجوب الإفطار ـ. ويؤيّده ورود هذا المضمون في جملة من الأخبار الواردة في يوم الشكّ ، كقول أبي جعفر عليه‌السلام : «إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا ، وليس بالرأى ولا بالتظنيّ ، ولكن بالرؤية» ، وقوله عليه‌السلام : «صم للرؤية وافطر للرؤية. وايّاك والشكّ والظنّ». وسائل الشيعة ٧ : ١٨٢ و ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ٢ و ١١.

(١) وفي بعض النسخ : «ويتفرّع عدم وجوب الصوم» ، وفي بعض آخر : «ويتفرّع مع عدم وجوب الصوم لا بدخول ...». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ. وفي بعض آخر : «بشرف القطع» ، وفي بعض آخر :

«يشرف على القطع». وما أثبتناه هو الصحيح.

(٣) وسائل الشيعة ٧ : ١٨٢ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان.

(٤) هذا مضمون كلامه عليه‌السلام ، وإليك نصّ الرواية : «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك». وسائل الشيعة ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤.

(٥) هذا مضمون الرواية. وإليك نصّها : «كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر». وسائل الشيعة ١ : ٩٩ ، الباب ١ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٢.

وفي رواية : «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر». وسائل الشيعة ١ : ١٠٠ ، الباب ١ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٥.