درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۶: استصحاب ۱۷

 

ولا يذهب عليك أنّه بضميمة عدم القول بالفصل قطعا بين الحلّيّة والطهارة وبين سائر الأحكام لعمّ الدليل وتمّ.

ثمّ لا يخفى : أنّ ذيل موثّقة عمّار : «فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك» (١) يؤيّد ما استظهرنا منها من كون الحكم المغيّى واقعيّا ثابتا للشيء بعنوانه ، لا ظاهريّا ثابتا له بما هو مشتبه ، لظهوره في أنّه (٢) متفرّع على الغاية وحدها ، وأنّه بيان لها وحدها منطوقها ومفهومها (٣) ، لا لها مع المغيّى ، كما لا يخفى على المتأمّل (٤).

ثمّ إنّك إذا حقّقت ما تلونا عليك ممّا هو مفاد الأخبار فلا حاجة في إطالة

__________________

ـ ظهور الغاية في كونها حدّا للحكم الواقعيّ فيفيد الاستصحاب ، لا حدّا لموضوع الحكم الواقعيّ كي تدلّ على أصالة الطهارة أو أصالة الحلّ.

(١) وسائل الشيعة ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤.

(٢) الضمير في قوله : «ظهوره» و «أنّه» يرجع إلى ذيل موثّقة عمّار.

(٣) المراد من منطوقها قوله عليه‌السلام : «فإذا علمت فقد قذر». والمراد من مفهومها قوله عليه‌السلام : «وما لم تعلم فليس عليك».

(٤) لا يخفى : أنّه قد أورد بعض الأعلام على كلامه من وجوه :

منها : أنّ الموضوع في قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك طاهر» أو «حلال» إمّا أن يكون الشيء بما هو هو ، وإمّا أن يكون الشيء بوصف كونه مشكوك الحلّيّة أو مشكوك الطهارة. فعلى الأوّل يلزمه أن يكون المحمول ـ أي طاهر أو حلال ـ حكما واقعيّا ، فإنّ موضوعات الأحكام الواقعيّة انّما هي ذوات الأشياء بما هي هي ومرسلة. وعلى الثاني يلزمه أن يكون المحمول حكما ظاهريّا ، لأنّ موضوعات الأحكام الظاهريّة انّما هي ذوات الأشياء مقيّدة بكونها مشكوكة حكما. ولا يمكن أن يكون المراد منه الأعمّ من المرسل والمشكوك ، ضرورة استحالة لحاظ الشيء مقيّدا وغير مقيّد. فوائد الاصول ٤ : ٣٦٨ ، نهاية الدراية ٣ : ١٠٩.

ومنها : أنّ الحكم الظاهريّ متأخّر عن الحكم الواقعيّ رتبة ، كما أنّ الشيء المشكوك متأخّر عن الشيء المرسل رتبة ، فيكون موضوع الحكم الظاهريّ وحكمه في طول موضوع الحكم الواقعيّ وحكمه ، ولا يعقل جعلهما بانشاء واحد ولحاظهما بلحاظ واحد. فوائد الاصول ٤ : ٣٦٨.

ومنها : أنّ معنى جعل الحكم الظاهريّ هو الحكم بالبناء العمليّ عليه حتّى يعلم خلافه. ومعنى جعل الحكم الواقعيّ هو إنشاء ذاته ، لا البناء العمليّ عليه. والجمع بين هذين الجعلين ممّا لا يمكن. الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ١١٣.

الكلام في بيان سائر الأقوال والنقض والإبرام فيما ذكر لها من الاستدلال.

[حول الأحكام الوضعيّة والتفصيل بين أقسامها في حجّيّة الاستصحاب]

ولا بأس بصرفه إلى تحقيق حال الوضع وأنّه حكم مستقلّ بالجعل كالتكليف ، أو منتزع عنه وتابع له في الجعل ، أو فيه تفصيل؟ حتّى يظهر حال ما ذكر هاهنا بين التكليف والوضع من التفصيل ، فنقول ـ وبالله الاستعانة ـ :

لا خلاف ـ كما لا إشكال ـ في اختلاف التكليف والوضع مفهوما (١) ، واختلافهما في الجملة موردا (٢) ، لبداهة ما بين مفهوم السببيّة أو الشرطيّة ومفهوم مثل الإيجاب أو الاستحباب من المخالفة والمباينة.

كما لا ينبغي النزاع في صحّة تقسيم الحكم الشرعيّ إلى التكليفيّ والوضعيّ ، بداهة أنّ الحكم وإن لم يصحّ تقسيمه إليهما ببعض معانيه ولم يكد يصحّ إطلاقه على الوضع ، إلّا أنّ صحّة تقسيمه بالبعض الآخر إليهما وصحّة إطلاقه عليه بهذا المعنى ممّا لا يكاد ينكر كما لا يخفى (٣). ويشهد به كثرة إطلاق الحكم عليه في

__________________

(١) قال المحقّق النائينيّ ـ على ما في تقريرات بحثه ـ : «المراد من الأحكام التكليفيّة هي المجعولات الشرعيّة الّتي تتعلّق بأفعال العباد أوّلا وبالذات بلا واسطة ، وهي تنحصر بالخمسة ، أربعة منها تقتضي البعث والزجر ، وهي الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة ، وواحدة منها تقتضي التخيير ، وهي الإباحة.

وأمّا الأحكام الوضعيّة : فهي المجعولات الشرعيّة الّتي لا تتضمّن البعث والزجر ، ولا تتعلّق بالأفعال ابتداء أوّلا وبالذات ، وإن كان لها نحو تعلّق بها ولو باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفيّة ، سواء تعلّق الجعل الشرعيّ بها ابتداء ـ تأسيسا أو إمضاء ـ أو تعلّق الجعل الشرعيّ بمنشإ انتزاعها». فوائد الاصول ٤ : ٣٨٤.

(٢) كما أنّ في قولنا : «الإفطار سبب لوجوب القضاء» يكون الإفطار مورد السببيّة ، والقضاء مورد الوجوب.

(٣) والحاصل : أنّ في تفسير الحكم الشرعيّ وجهين :

الأوّل : أنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن الخطاب المتعلّق بأفعال العباد الصادر من الشارع ـ

كلماتهم. والالتزام بالتجوّز فيه (١) كما ترى.

وكذا لا وقع للنزاع في أنّه محصور في امور مخصوصة ـ كالشرطيّة والسببيّة والمانعيّة كما هو المحكيّ عن العلّامة ، أو مع زيادة العلّيّة والعلاميّة ، أو مع زيادة الصحّة والبطلان والعزيمة والرخصة ، أو زيادة غير ذلك كما هو المحكيّ عن غيره (٢) ، أو ليس بمحصور (٣) ، بل [هو] (٤) كلّ ما ليس بتكليف ممّا له دخل فيه ، أو في متعلّقه وموضوعه ، أو لم يكن له دخل ممّا اطلق عليه الحكم في كلماتهم ، ضرورة أنّه لا وجه للتخصيص بها بعد كثرة إطلاق الحكم في الكلمات على

__________________

ـ من حيث الاقتضاء والتخيير.

الثاني : أنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن مطلق ما يصحّ أخذه من الشارع وانشاؤه له بما هو شارع.

فعلى الأوّل لا يصحّ تقسيم الحكم الشرعيّ إلى التكليفيّ والوضعيّ ، لعدم تعلّق مثل السببيّة والزوجيّة والملكيّة بفعل المكلّف بلا واسطة ، وعليه ليست الوضعيّات أحكاما شرعيّة ، إذ ليس فيها جهة البعث والزجر ، ولا جهة التخيير.

وعلى الثاني يصحّ تقسيم الحكم الشرعيّ إليهما ، ويصحّ أيضا إطلاق الحكم على الوضعيّات ، فإنّها ممّا تناله يد الجعل التشريعيّ ، ضرورة أنّه يمكن اعتبار الملكيّة للحائز ، كما يمكن اعتبار لابدّيّة فعل له.

ومن هنا يظهر أنّ مراد المصنّف قدس‌سره من قوله : «ببعض معانيه» هو المعنى الأوّل. ومراده من قوله : «بالبعض الآخر» هو المعنى الثاني.

(١) أي : في إطلاق الحكم على الوضع.

(٢) ذهب العلّامة في النهاية ـ على ما في بحر الفوائد : ٢٥٩ ـ إلى أنّ الأحكام الوضعيّة ثلاثة :

الشرطيّة والسببيّة والمانعيّة.

وزاد الآمديّ الصحّة والبطلان والعزيمة والرخصة وغيرها. راجع الإحكام في اصول الأحكام ١ : ١٣٧.

وزاد صاحب كتاب «التقرير والتحبير» العلّيّة والعلاميّة. راجع كتاب التقرير والتحبير ٢ : ١٠٢.

(٣) كما في الاصول العامّة : ٦٤ ، والرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ١١٤ ـ ١١٥.

(٤) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ. والأولى إثباته.