درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۸: استصحاب ۱۹

 

غيرها ، مع أنّه لا تكاد تظهر ثمرة مهمّة علميّة أو عمليّة للنزاع في ذلك.

وإنّما المهمّ في النزاع هو أنّ الوضع كالتكليف في أنّه مجعول تشريعا بحيث يصحّ انتزاعه بمجرّد إنشائه ، أو غير مجعول كذلك ، بل إنّما هو منتزع عن التكليف ومجعول بتبعه وبجعله؟

والتحقيق أنّ ما عدّ من الوضع على أنحاء :

منها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل تشريعا أصلا ، لا استقلالا ولا تبعا ، وإن كان مجعولا تكوينا عرضا بعين جعل موضوعه كذلك.

ومنها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل التشريعيّ إلّا تبعا للتكليف.

ومنها : ما يمكن فيه الجعل استقلالا ـ بإنشائه ـ وتبعا للتكليف ـ بكونه منشأ لانتزاعه ـ ، وإن كان الصحيح انتزاعه من إنشائه وجعله ، وكون التكليف من آثاره وأحكامه على ما تأتي الإشارة إليه.

أمّا النحو الأوّل : فهو كالسببيّة والشرطيّة والمانعيّة والرافعيّة لما هو سبب التكليف وشرطه ومانعة ورافعه (١) ، حيث أنّه لا يكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها من التكليف المتأخّر عنها ذاتا حدوثا (٢) أو ارتفاعا (٣) ؛ كما أنّ اتّصافها بها ليس إلّا لأجل ما عليها من الخصوصيّة المستدعية لذلك (٤) تكوينا ، للزوم أن يكون في العلّة بأجزائها ربط خاصّ (٥) به كانت مؤثرة (٦) في معلولها ، لا في غيره ، ولا غيرها فيه ، وإلّا لزم أن يكون كلّ شيء مؤثّرا في كلّ

__________________

(١) المثال للسببيّة هو دلوك الشمس لوجوب الصلاة ، وللشرطيّة هو الاستطاعة الشرعيّة لوجوب الحج ، وللمانعيّة هو العجز المانع عن التكليف بالطهارة المائيّة ، وللرافعيّة هو أحد نواقض الوضوء الرافع لجواز الدخول فيما يشترط فيه الطهارة.

(٢) كما في السبب والشرط والمانع.

(٣) كما في الرافع.

(٤) أي : لاتّصاف السبب والشرط والمانع والرافع بالسببيّة والشرطيّة والمانعيّة والرافعيّة.

(٥) وفي بعض النسخ : «من ربط خاصّ». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) وفي بعض النسخ : «كان مؤثّرا». والصحيح ما أثبتناه.

شيء. وتلك الخصوصيّة لا تكاد توجد فيها بمجرّد إنشاء مفاهيم العناوين ومثل قول «دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة» إنشاء لا إخبارا ، ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببيّة له من كونه واجدا لخصوصيّة مقتضية لوجوبها أو فاقدا لها ، وأنّ الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها ، ومعه (١) تكون واجبة لا محالة وإن لم ينشأ السببيّة للدلوك أصلا.

ومنه انقدح أيضا عدم صحّة انتزاع السببيّة له حقيقة من إيجاب الصلاة عنده (٢) ، لعدم اتّصافه بها بذلك ضرورة (٣).

نعم ، لا بأس باتّصافه بها عناية ، وإطلاق السبب عليه مجازا. كما لا بأس بأن يعبّر عن إنشاء وجوب الصلاة عند الدلوك ـ مثلا ـ بأنّه سبب لوجوبها ، فكنّي به (٤) عن الوجوب عنده.

فظهر بذلك : أنّه لا منشأ الانتزاع السببيّة وسائر ما لأجزاء العلّة للتكليف إلّا ما هي عليه (٥) من الخصوصيّة الموجبة لدخل كلّ فيه على نحو غير دخل الآخر ، فتدبّر جيّدا (٦).

__________________

(١) أي : مع ما يدعو إلى وجوبها. وهو تلك الخصوصيّة.

(٢) هذا الضمير وضمير قوله : «له» يرجعان إلى الدلوك.

(٣) أي : من الضروريّ عدم اتّصاف الدلوك بالسببيّة بسبب إيجاب الصلاة عنده.

(٤) أي : بكونه سببا.

(٥) وفي بعض النسخ : «ما هي عليها». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) والحاصل : أنّ المصنّف قدس‌سره استدلّ على أنّ النحو الأوّل غير مجعول ـ لا استقلالا ولا تبعا ـ بوجهين :

الأوّل : أنّه لا يمكن أن تكون السببيّة ونحوها منتزعة عن التكليف ، لتأخّره عنها ، فإذا كانت منتزعة عنه لزم تأخّرها عنه ، وهو خلف. فلا يعقل جعلها تبعا.

الثاني : أنّ سببيّة الشيء ـ كالدلوك ـ للتكليف لا بدّ وأن تكون ناشئة عن خصوصيّة في ـ