درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۹: استصحاب ۲۰

 

شيء. وتلك الخصوصيّة لا تكاد توجد فيها بمجرّد إنشاء مفاهيم العناوين ومثل قول «دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة» إنشاء لا إخبارا ، ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببيّة له من كونه واجدا لخصوصيّة مقتضية لوجوبها أو فاقدا لها ، وأنّ الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها ، ومعه (١) تكون واجبة لا محالة وإن لم ينشأ السببيّة للدلوك أصلا.

ومنه انقدح أيضا عدم صحّة انتزاع السببيّة له حقيقة من إيجاب الصلاة عنده (٢) ، لعدم اتّصافه بها بذلك ضرورة (٣).

نعم ، لا بأس باتّصافه بها عناية ، وإطلاق السبب عليه مجازا. كما لا بأس بأن يعبّر عن إنشاء وجوب الصلاة عند الدلوك ـ مثلا ـ بأنّه سبب لوجوبها ، فكنّي به (٤) عن الوجوب عنده.

فظهر بذلك : أنّه لا منشأ الانتزاع السببيّة وسائر ما لأجزاء العلّة للتكليف إلّا ما هي عليه (٥) من الخصوصيّة الموجبة لدخل كلّ فيه على نحو غير دخل الآخر ، فتدبّر جيّدا (٦).

__________________

(١) أي : مع ما يدعو إلى وجوبها. وهو تلك الخصوصيّة.

(٢) هذا الضمير وضمير قوله : «له» يرجعان إلى الدلوك.

(٣) أي : من الضروريّ عدم اتّصاف الدلوك بالسببيّة بسبب إيجاب الصلاة عنده.

(٤) أي : بكونه سببا.

(٥) وفي بعض النسخ : «ما هي عليها». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) والحاصل : أنّ المصنّف قدس‌سره استدلّ على أنّ النحو الأوّل غير مجعول ـ لا استقلالا ولا تبعا ـ بوجهين :

الأوّل : أنّه لا يمكن أن تكون السببيّة ونحوها منتزعة عن التكليف ، لتأخّره عنها ، فإذا كانت منتزعة عنه لزم تأخّرها عنه ، وهو خلف. فلا يعقل جعلها تبعا.

الثاني : أنّ سببيّة الشيء ـ كالدلوك ـ للتكليف لا بدّ وأن تكون ناشئة عن خصوصيّة في ـ

__________________

ـ ذات السبب تقتضي ترتّب التكليف عليه ، لما يعتبر بين العلّة والمعلول من السنخيّة ، فيعتبر أن يكون في العلّة ـ وهي السبب ـ بأجزائها ربط خاصّ تكون بسببه مؤثّرة في المعلول ـ أي التكليف ـ دون غيره ، ولا يكون غيرها مؤثّرا فيه ، بداهة أنّه لو لم تعتبر السنخيّة لزم أن يؤثّر كلّ شيء في كلّ شيء ، وهو ضروريّ البطلان. ومعلوم أنّ تلك الخصوصيّة من الخصوصيّات التكوينيّة الّتي لا تناط بجعل السببيّة ، بل الشيء بنفسه إمّا أن تكون واجدة لها ، وإمّا أن تكون فاقدة لها ، فجعل السببيّة لا تأثير له في وجود الخصوصيّة ولا في عدمها. وعليه فتكون السببيّة منتزعة عن أمر تكوينيّ ولم يتعلّق بها الجعل استقلالا.

وقد استشكل المحقّق الأصفهانيّ في كلا الوجهين :

أمّا الوجه الأوّل : فلأنّ ما يكون التكليف متأخّرا عنه هو ذات السبب ، لا عنوان السببيّة الّتي تنتزع من ترتّب التكليف على ذات السبب ، فلا يلزم الخلف من انتزاع عنوان السببيّة من ترتّب التكليف عليها ، إذ ما هو المتأخّر عن التكليف ـ وهو ذات السبب ـ غير المتأخّر عنه التكليف ـ وهو عنوان السببيّة ـ.

وأمّا الوجه الثاني : فلأنّ للتكليف مقامين : (أحدهما) مقام المصلحة. و (ثانيهما) مقام الجعل. ولا شكّ أنّ دخالة السبب ـ وهو دلوك الشمس مثلا ـ في تأثير المصلحة المقتضية لجعل المولى التكليف أمر تكوينيّ ، لا جعليّ ، إذ تأثير المصلحة من الامور الواقعيّة الماهويّة ، لا تكوينيّة ، ولا تشريعيّة. وأمّا إذا لوحظ مقام الجعل فللشارع أن يعلّق الطلب على شيء ، فصار ذلك الشيء سببا للتكليف ، بحيث لا يكون الإنشاء مصداقا للبعث إلّا إذا اقترن بذلك الشيء ، فتكون صيرورة الشيء سببا للتكليف ممّا بيد الشارع ، فله أن يعتبر وجوده في موضوع الحكم فتنتزع عنه عنوان السببيّة ، وأن يعتبر عدمه فيه فتنتزع عنه عنوان المانعيّة. نهاية الدراية ٣ : ١٢٥ ـ ١٢٦.

واستشكل المحقّق الخوئيّ أيضا ـ تبعا لاستاذه المحقّق النائينيّ ـ فيما أفاد المصنّف قدس‌سره بما حاصله : أنّ استدلال المصنّف قدس‌سره في كلا الوجهين مبنيّ على الخلط بين الجعل والمجعول ، لأنّ ما لا يقبل الجعل ـ وهو شرائط الجعل من المصالح والمفاسد ـ خارج عن محلّ الكلام ، وما هو محلّ الكلام ـ وهو السببيّة والشرطيّة والمانعيّة بالنسبة إلى التكليف المجعول ـ يقبل الجعل بتبع التكليف. فوائد الاصول ٤ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٩٦ ـ ٩٧.

ولكن أورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بأنّ الجعل والمجعول واحد بالذات ، وانّما يختلفان بالاعتبار. نهاية الدراية ٣ : ١٢٥ ـ ١٢٦. ـ

وأمّا النحو الثاني : فهو كالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة والقاطعيّة لما هو جزء المكلّف به وشرطه ومانعة وقاطعه (١) ، حيث إنّ اتّصاف شيء بجزئيّة المأمور به أو شرطيّته أو غيرهما لا يكاد يكون إلّا بالأمر بجملة امور مقيّدة بأمر وجوديّ أو عدميّ ، ولا يكاد يتّصف شيء بذلك ـ أي كونه جزءا أو شرطا للمأمور به ـ إلّا بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيّدا بأمر آخر ، وما لم يتعلّق بها الأمر كذلك لما كاد اتّصف (٢) بالجزئيّة أو الشرطيّة ، وإن أنشأ الشارع له الجزئيّة أو الشرطيّة.

وجعل الماهيّة وأجزاءها (٣) ليس إلّا تصوير ما فيه المصلحة المهمّة الموجبة للأمر بها ؛ فتصوّرها بأجزائها وقيودها لا يوجب اتّصاف شيء منها بجزئيّة المأمور به أو شرطيّته (٤) قبل الأمر بها.

فالجزئيّة للمأمور به أو الشرطيّة له إنّما تنتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به بلا حاجة إلى جعلها له (٥) ؛ وبدون الأمر به لا اتّصاف بها أصلا ، وإن اتّصف بالجزئيّة أو الشرطيّة للمتصوّر أو لذي المصلحة ، كما لا يخفى (٦).

__________________

ـ وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أنّ السببيّة من المجعولات الشرعيّة. الرسائل ١ : ١١٨.

(١) كالسورة والطهارة والنجاسة والاستدبار في الصلاة.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «لما كاد أن يتّصف».

(٣) وفي بعض النسخ : «وجعل الماهيّة واختراعها».

(٤) وفي بعض النسخ : «أو شرطه». والصحيح ما أثبتناه.

(٥) أي : بلا حاجة إلى جعل الجزئيّة أو الشرطيّة لذلك الشيء مستقلّا.

(٦) لا يخفى : أنّ أكثر الأعلام وافق المصنّف قدس‌سره في المقام. ولكنّ المحقّق العراقيّ خالفه في الشرطيّة وإن وافقه في الجزئيّة ، ففرّق بينهما بأنّ الجزئيّة تنتزع من التكليف دون الشرطيّة : أمّا الجزئيّة : فلأنّها تنتزع عن جهة الوحدة ، وهي في المأمور به ليست إلّا الأمر به وكونه متعلّقا له ، فإذا تعلّق الأمر به بذوات أجزائه ينتزع عنه عنوان الجزئيّة لها.

وأمّا الشرطيّة : فلأنّها تنتزع عن تقيّد العمل بالشرط وإضافته له ، ومعلوم أنّ جهة التقيّد والإضافة سابقة عن تعلّق الأمر ، فلا تتوقّف على الأمر ، بل هي معروضة للأمر ، إذ الأمر بالمقيّد فرع أخذ التقيّد في متعلّق الأمر ، وهذا يقتضي سبق التقيّد على الأمر. نعم ، كون الشيء شرطا للمأمور به يتوقّف على الأمر ، لا أنّ أصل شرطيّته متوقّفة على الأمر ، مثلا : إذا ـ