درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۰: استصحاب ۲۱

 

وأمّا النحو الثالث : فهو كالحجّيّة والقضاوة والولاية والنيابة والحرّيّة والرقّيّة والزوجيّة والملكيّة إلى غير ذلك ، حيث إنّها وإن كان من الممكن انتزاعها من الأحكام التكليفيّة الّتي تكون في مواردها ـ كما قيل ـ ومن جعلها بإنشاء أنفسها (١) ، إلّا أنّه لا يكاد يشكّ في صحّة انتزاعها من مجرّد جعله «تعالى» أو من بيده الأمر من قبله «جلّ وعلا» لها بإنشائها بحيث يترتّب عليها آثارها ، كما تشهد به ضرورة صحّة انتزاع الملكيّة والزوجيّة والطلاق والعتاق بمجرّد العقد أو الإيقاع ممّن بيده الاختيار بلا ملاحظة التكاليف والآثار ، ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصحّ اعتبارها إلّا بملاحظتها ، وللزم أن لا يقع ما قصد ، ووقع ما لم يقصد (٢).

كما لا ينبغي أن يشكّ في عدم صحّة انتزاعها عن مجرّد التكليف في موردها ، فلا ينتزع الملكيّة عن إباحة التصرّفات ، ولا الزوجيّة من جواز الوطء ، وهكذا

__________________

ـ تعلّق الأمر بالصلاة المشروطة بالطهارة تكون شرطيّة الطهارة منتزعة عن تقيّد الصلاة بالطهارة ، وهو سابق على الأمر بها ، كما أنّ مقدّميّة المقدّمة سابقة على التكليف ؛ نعم ، كون الطهارة شرطا للواجب منتزع عن الأمر به ، لا أصل شرطيّتها ، كما أنّ كون إكرام العالم الواجب الاحترام إكراما لا يرتبط بالأمر ، بل هو إكرام في نفسه ، لكن كونه إكراما لمن يجب احترامه ينتزع عن الأمر باحترامه. نهاية الأفكار ٤ : ٩١ ـ ٩٤.

(١) تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث ذهب ـ تبعا لبعض آخر من المحقّقين ـ إلى أنّ مثل هذه الامور منتزع عن الحكم التكليفيّ ، فالزوجيّة ـ مثلا ـ منتزعة عن جواز المباشرة والنظر واللمس ، والملكيّة منتزعة عن كون الشيء بحيث يجوز الانتفاع به وبعوضه. راجع فرائد الاصول ٣ : ١٢٥ ـ ١٣٠.

والمراد من قوله : «كما قيل» هو من ذكره الشيخ الأعظم ، فقال : «المشهور ـ كما في شرح الزبدة ـ ، بل الّذي استقرّ عليه رأي المحقّقين ـ كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين ـ أنّ الخطاب الوضعيّ مرجعه إلى الخطاب الشرعيّ ...». راجع فرائد الاصول ٣ : ١٢٥ ، غاية المأمول في شرح زبدة الاصول (مخطوط) : ٥٩ ، شرح الوافية (مخطوط) : ٣٥٠.

(٢) توضيحه : أنّ البائع ـ مثلا ـ انّما يقصد بإنشاء البيع وقوع التمليك ، فإذا لم تترتّب الملكيّة على قصده ، بل ترتّب التكليف الّذي ينتزع عنه الملكيّة ، يلزم عنه أن يقع ما لم يقصد وأن يقصد ما لم يقع.

سائر الاعتبارات في أبواب العقود والإيقاعات.

فانقدح بذلك أنّ مثل هذه الاعتبارات إنّما تكون مجعولة بنفسها ، يصحّ انتزاعها بمجرّد إنشائها كالتكليف ، لا مجعولة بتبعه ومنتزعة عنه (١).

وهم ودفع

أمّا الوهم فهو : أنّ الملكيّة كيف جعلت من الاعتبارات الحاصلة بمجرّد الجعل والإنشاء الّتي تكون من خارج المحمول (٢) ، حيث ليس بحذائها في الخارج شيء ، وهي (٣) إحدى المقولات المحمولات بالضميمة الّتي لا يكاد تكون بهذا

__________________

(١) هكذا في النسخ. والتأنيث في العبارة باعتبار المضاف إليه في قوله : «مثل هذه الاعتبارات» ، وإلّا فكان الأولى أن يذكّر ويقال : «إنّما يكون مجعولا بنفسه ، يصحّ انتزاعه بمجرّد انشائه ، كالتكليف ، لا مجعولا بتبعه ومنتزعا عنه».

وفي الختام نذكر ما تعرّض له المحقّقان النائينيّ والعراقيّ استدلالا على كون النحو الثالث مجعولا بالاستقلال وإيرادا على الشيخ الأعظم :

أمّا المحقّق النائينيّ : فأفاد ما لفظه : «ليس من الأحكام الوضعيّة ما يختصّ بحكم تكليفيّ لا يشاركه غيره فيه ، فكيف يكون منشأ لانتزاعه بخصوصه؟ ودعوى أنّ الحكم الوضعيّ ينتزع من جملة من الأحكام التكليفيّة الّتي بجملتها تختصّ به كما ترى! مع أنّ هذا أيضا في بعض المقامات لا يمكن ، فإنّ الحجّيّة والطريقيّة من الأحكام الوضعيّة الّتي ليس في موردها حكم تكليفيّ قابل لانتزاع الحجّيّة منه». فوائد الاصول ٤ : ٣٨٧.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأفاد ما حاصله : أنّ ظواهر الأدلّة تنافي دعوى الانتزاع ، لأنّه قد أخذت فيها هذه الامور الوضعيّة الإضافيّة موضوعا للأحكام التكليفيّة ، مثل ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه ، وما دلّ على سلطنة الناس على أموالهم. ومعلوم أنّ منشأ إضافة المال إلى الشخص أو الغير لا يكاد يكون نفس ذلك التكليف المتعلّق بالموضوع المزبور ، وإلّا لزم الدور ، وهو محال. ولا يكون أيضا ناشئا من تكليف آخر في الرتبة السابقة عن الإضافة المزبورة ، وإلّا لزم اجتماع المثلين ، وهو محال ، بل يكون منشؤها صرف جعلها قبل تعلّق التكليف بها ، فلا تكون منتزعة من الحكم. نهاية الأفكار ٤ : ١٠٣.

(٢) قد مرّ الفرق بين خارج المحمول والمحمول بالضميمة فيما علّقت على مباحث المشتقّ في الجزء الأوّل : ١١٠.

(٣) أي : الملكيّة.