درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۲: استصحاب ۲۳

 

السبب (١) ، بل بأسباب أخر كالتعمّم والتقمّص والتنعّل ، فالحالة الحاصلة منها للإنسان هو الملك ، وأين هذه من الاعتبار الحاصل بمجرّد إنشائه؟

وأمّا الدفع فهو : أنّ الملك يقال (٢) بالاشتراك على ذلك ـ ويسمّى بالجدة أيضا ـ واختصاص شيء بشيء خاصّ ؛ وهو (٣) ناشئ إمّا من جهة إسناد وجوده إليه (٤) ، ككون العالم ملكا للبارئ «جلّ ذكره» ، أو من جهة الاستعمال والتصرّف فيه ، ككون الفرس لزيد بركوبه له وسائر تصرّفاته فيه ، أو من جهة إنشائه والعقد مع من اختياره بيده ، كملك الأراضي والعقار البعيدة للمشتري بمجرّد عقد البيع شرعا وعرفا. فالملك الذي يسمّى بالجدة أيضا غير الملك الّذي هو اختصاص خاصّ ناشئ من سبب اختياريّ كالعقد ، أو غير اختياريّ كالإرث ، ونحوهما من الأسباب الاختياريّة وغيرها.

فالتوهّم إنّما نشأ من إطلاق الملك على مقولة الجدة أيضا ، والغفلة عن أنّه بالاشتراك بينه وبين الاختصاص الخاصّ والإضافة الخاصّة الإشراقيّة كملكه «تعالى» للعالم ، أو المقوليّة كملك غيره لشيء بسبب من تصرّف واستعمال أو إرث أو عقد أو غيرها من الأعمال ؛ فيكون شيء ملكا لأحد بمعنى ولآخر بالمعنى الآخر ، فتدبّر (٥).

إذا عرفت اختلاف الوضع في الجعل ، فقد عرفت أنّه لا مجال لاستصحاب

__________________

(١) أي : بالجعل والإنشاء.

(٢) أي : يحمل.

(٣) أي : الاختصاص.

(٤) أي : إسناد وجود الشيء المختصّ إلى وجود الشيء الخاصّ.

(٥) ولا يخفى : أنّه بقي في المقام امور أخر ، كالصحّة والفساد والطهارة والنجاسة والرخصة والعزيمة. اختلفوا فيها ، فذهب بعضهم إلى أنّ كلّها من الأحكام الوضعيّة ؛ وذهب بعض آخر إلى أنّها من الامور الواقعيّة غير المجعولة ؛ وذهب بعض آخر إلى إلى أنّها من الامور الانتزاعيّة ؛ وفصّل بعض بينها ، فعدّ بعضها من الأحكام الوضعيّة وبعض آخر من الأحكام التكليفيّة أو الامور الواقعيّة أو الانتزاعيّة. فراجع فوائد الاصول ٤ : ٣٩٨ ـ ٤٠٣ ، نهاية الدراية ٣ : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، أجود التقريرات ٢ : ٣٨٦ ، مصباح الأصول ٣ : ٨٤ ـ ٨٧ ، نهاية الأفكار ٤ : ٩٧ ـ ٩٩.

دخل ما له الدخل في التكليف (١) إذا شكّ في بقائه على ما كان عليه من الدخل ، لعدم كونه حكما شرعيّا ، ولا يترتّب عليه أثر شرعيّ (٢) ؛ والتكليف وإن كان مترتّبا عليه إلّا أنّه ليس بترتّب شرعيّ (٣) ، فافهم (٤).

وأنّه لا إشكال في جريان الاستصحاب في الوضع المستقلّ بالجعل حيث إنّه كالتكليف (٥).

وكذا ما كان مجعولا بالتبع ، فإنّ أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ولو بتبع منشأ انتزاعه.

وعدم تسميته (٦) حكما شرعيّا ـ لو سلّم ـ غير ضائر بعد كونه ممّا تناله يد

__________________

(١) كالسببيّة والشرطيّة والمانعيّة للتكليف.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «ولا ما يترتّب عليه أثر شرعيّ».

وحاصل كلامه : أنّه إذا شكّ في بقاء السبب على سببيّته لا مجال لاستصحاب سببيّته ، فإذا شكّ في بقاء الدلوك على سببيّته لوجوب الصلاة لم يكن لنا أن نستصحب سببيّته ، لعدم كون السببيّة حكما شرعيّا ، لما عرفت أنّ هذا القسم لا تناله يد الجعل ، ولا يكون ممّا يترتّب عليه أثر شرعيّ.

(٣) جواب عن إشكال مقدّر.

أمّا الإشكال : فحاصله : أنّه لو سلّم أنّ هذا النحو من الحكم الوضعيّ ليس حكما شرعيّا ، ولكن لا نسلّم عدم كونه ممّا يترتّب عليه التكليف الشرعيّ ، فإنّ سببيّة الدلوك ـ مثلا ـ وإن لم تكن حكما شرعيّا إلّا أنّه يترتّب عليها وجوب الصلاة.

وأمّا الجواب : فحاصله : أنّ ترتّب الحكم الشرعيّ ـ كوجوب الصلاة ـ على سببيّة السبب ـ كالدلوك ـ لا يصحّح جريان الاستصحاب في السببيّة ، إذ ليس ترتّب الحكم الشرعيّ على سببيّته شرعيّا ، بل هو عقليّ ، ويعتبر في الاستصحاب أن يكون ترتّب الحكم الشرعيّ على المستصحب شرعيّا.

(٤) لعلّه إشارة إلى ما في كلامه من الخلط بين ذات السبب وسببيّة السبب ، حيث أنّ التكليف والأثر الشرعيّ انّما يترتّب على ذات السبب بما لها من الخصوصيّة الذاتيّة الكامنة فيه ، لا على سببيّته كي يقال : «والتكليف وإن كان مترتّبا على دخل ما له الدخل وسببيّة السبب ، إلّا إنّه ليس بترتّب شرعيّ».

(٥) لأنّه قابل للوضع والرفع.

(٦) أي : عدم تسمية المجعول بالتبع.

التصرّف شرعا.

نعم ، لا مجال لاستصحابه لاستصحاب سببه ومنشأ انتزاعه (١) ، فافهم (٢).

[تنبيهات الاستصحاب]

ثمّ إنّ هاهنا تنبيهات :

[التنبيه] الأوّل : [اعتبار فعليّة الشك واليقين]

انّه يعتبر في الاستصحاب فعليّة الشكّ واليقين (٣) ، فلا استصحاب مع الغفلة ، لعدم الشكّ فعلا ، ولو فرض أنّه يشكّ لو التفت ، ضرورة أنّ الاستصحاب وظيفة الشاكّ ، ولا شكّ مع الغفلة أصلا. فيحكم بصحّة صلاة من أحدث ، ثمّ غفل وصلّى ، ثمّ شكّ في أنّه تطهّر قبل الصلاة ، لقاعدة الفراغ. بخلاف من التفت قبلها وشكّ ، ثمّ غفل وصلّى ، فيحكم بفساد صلاته فيما إذا قطع بعدم تطهيره بعد الشكّ ، لكونه محدثا قبلها بحكم الاستصحاب مع القطع بعدم رفع حدثه

__________________

(١) الضمائر ترجع إلى ما كان مجعولا بالتبع.

وحاصل مرامه : أنّه لا مجال لاستصحاب المجعول بالتبع إذا كان هناك استصحاب حاكم عليه ـ كاستصحاب سببه أو استصحاب منشأ انتزاعه ـ ، ضرورة أنّه إذا دار الأمر بين استصحاب سببيّ واستصحاب مسبّبيّ يقدّم الأوّل ولا يجري الثاني ؛ فإذا شككنا في جزئيّة السورة للصلاة بعد ما كنّا نعلم بجزئيّته لم يجر استصحاب الجزئيّة ، لأنّ استصحاب وجوب الصلاة ـ وهو منشأ انتزاع جزئيّة السورة ـ حاكم عليه ، فتثبت الجزئيّة باستصحابه بلا حاجة إلى استصحاب الجزئيّة.

وبالجملة : فلا مجال لاستصحاب المجعول بالتبع مع إمكان استصحاب سببه ومنشأ انتزاعه.

(٢) لعلّه إشارة إلى أنّه ربما لا يجري الاستصحاب السببيّ لوجود معارض يمنع عن جريانه فيه ، وحينئذ يجري الاستصحاب المسبّبيّ ، فلا يصحّ القول بأنّه لا مجال لاستصحابه أصلا.

(٣) قال السيّد الإمام الخمينيّ : «وليس المراد من فعليّتهما تحقّقهما في خزانة النفس ولو كان الإنسان ذاهلا عنهما ، بل بمعنى الالتفات إلى يقينه السابق وشكّه اللاحق». الرسائل ١ : ١٢١.

الاستصحابيّ (١).

لا يقال : نعم ، ولكنّ استصحاب الحدث في حال الصلاة بعد ما التفت بعدها يقتضي أيضا فسادها.

فإنّه يقال : نعم ، لو لا قاعدة الفراغ المقتضية لصحّتها المقدّمة على أصالة فسادها(٢).

[التنبيه] الثاني : [جريان الاستصحاب في مؤدّى الأمارات] (٣)

انّه هل يكفي في صحّة الاستصحاب الشكّ في بقاء شيء على تقدير ثبوته

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد تسليم اعتبار اليقين والشكّ الفعليّ ـ أنكر تفرّع الفرعان المذكوران عليه. راجع تفصيل كلامه في موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١١١ ـ ١١٣.

(٢) المراد من أصالة فسادها هو استصحاب الحدث المقتضي لفساد العبادة.

(٣) لا يخفى : أنّ هذا التنبيه ممّا انفرد به المصنّف رحمه‌الله عمن قبله. وغرضه من عقده هو دفع الإشكال عن جريان الاستصحاب في مؤدّيات الطرق والأمارات.

توضيح الإشكال : أنّه لا يكون مؤدّى الأمارات غير العلميّة يقينيّ الحدوث ، بل الأمارات انّما يورث الظنّ بمؤدّاها ، وإذا انتفى اليقين السابق ينتفي الشكّ في بقاء المتيقّن السابق ، فلا مجال لجريان الاستصحاب في مؤدّاها ، لفقدان كلا ركني الاستصحاب. مثلا : إذا قامت البيّنة على نجاسة ماء في الأمس ، ثمّ شكّ في بقاء نجاسته في اليوم ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، لأنّ البيّنة انّما تورّث الظنّ بنجاسة الماء في الأمس ، فلم يحصل اليقين بحدوث نجاسته ، وإذا انتفى اليقين بحدوث النجاسة ينتفي الشكّ في بقاء النجاسة المتيقّنة ، فينهدم كلا ركني الاستصحاب.

أشار المصنّف قدس‌سره إلى الإشكال تارة بقوله : «من عدم إحراز الثبوت ... فإنّه على تقدير لم يثبت» ، واخرى بقوله : «وبه يمكن الذب عمّا في استصحاب ... كما هو ظاهر الأصحاب».

وتوضيح الجواب : أنّ دليل الاستصحاب يتكفّل جعل الملازمة الظاهريّة بين حدوث الشيء وبقائه ، من دون النظر إلى تيقّن حدوثه ، فالحدوث ـ بما هو حدوث ـ موضوع للحكم بالبقاء تعبّدا. وأمّا اليقين بالحدوث فانّما لوحظ طريقا لإحراز الحدوث الموضوع. وإذا تكفّل دليل الاستصحاب جعل الملازمة بينهما فلو قامت الأمارة على حدوث الحكم ثمّ شكّ ـ