درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۳: استصحاب ۲۴

 

الاستصحابيّ (١).

لا يقال : نعم ، ولكنّ استصحاب الحدث في حال الصلاة بعد ما التفت بعدها يقتضي أيضا فسادها.

فإنّه يقال : نعم ، لو لا قاعدة الفراغ المقتضية لصحّتها المقدّمة على أصالة فسادها(٢).

[التنبيه] الثاني : [جريان الاستصحاب في مؤدّى الأمارات] (٣)

انّه هل يكفي في صحّة الاستصحاب الشكّ في بقاء شيء على تقدير ثبوته

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد تسليم اعتبار اليقين والشكّ الفعليّ ـ أنكر تفرّع الفرعان المذكوران عليه. راجع تفصيل كلامه في موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١١١ ـ ١١٣.

(٢) المراد من أصالة فسادها هو استصحاب الحدث المقتضي لفساد العبادة.

(٣) لا يخفى : أنّ هذا التنبيه ممّا انفرد به المصنّف رحمه‌الله عمن قبله. وغرضه من عقده هو دفع الإشكال عن جريان الاستصحاب في مؤدّيات الطرق والأمارات.

توضيح الإشكال : أنّه لا يكون مؤدّى الأمارات غير العلميّة يقينيّ الحدوث ، بل الأمارات انّما يورث الظنّ بمؤدّاها ، وإذا انتفى اليقين السابق ينتفي الشكّ في بقاء المتيقّن السابق ، فلا مجال لجريان الاستصحاب في مؤدّاها ، لفقدان كلا ركني الاستصحاب. مثلا : إذا قامت البيّنة على نجاسة ماء في الأمس ، ثمّ شكّ في بقاء نجاسته في اليوم ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، لأنّ البيّنة انّما تورّث الظنّ بنجاسة الماء في الأمس ، فلم يحصل اليقين بحدوث نجاسته ، وإذا انتفى اليقين بحدوث النجاسة ينتفي الشكّ في بقاء النجاسة المتيقّنة ، فينهدم كلا ركني الاستصحاب.

أشار المصنّف قدس‌سره إلى الإشكال تارة بقوله : «من عدم إحراز الثبوت ... فإنّه على تقدير لم يثبت» ، واخرى بقوله : «وبه يمكن الذب عمّا في استصحاب ... كما هو ظاهر الأصحاب».

وتوضيح الجواب : أنّ دليل الاستصحاب يتكفّل جعل الملازمة الظاهريّة بين حدوث الشيء وبقائه ، من دون النظر إلى تيقّن حدوثه ، فالحدوث ـ بما هو حدوث ـ موضوع للحكم بالبقاء تعبّدا. وأمّا اليقين بالحدوث فانّما لوحظ طريقا لإحراز الحدوث الموضوع. وإذا تكفّل دليل الاستصحاب جعل الملازمة بينهما فلو قامت الأمارة على حدوث الحكم ثمّ شكّ ـ

وإن لم يحرز ثبوته فيما رتّب عليه أثر شرعا أو عقلا؟ إشكال : من عدم إحراز الثبوت ، فلا يقين ولا بدّ منه ، بل ولا شكّ ، فإنّه على تقدير لم يثبت ؛ ومن أنّ اعتبار اليقين إنّما هو لأجل أنّ التعبّد والتنزيل شرعا انّما هو في البقاء لا في الحدوث ، فيكفي الشكّ فيه على تقدير الثبوت ، فيتعبّد به على هذا التقدير ، فيترتّب عليه الأثر فعلا فيما كان هناك أثر ، وهذا هو الأظهر.

وبه يمكن أن يذبّ عمّا في (١) استصحاب الأحكام الّتي قامت الأمارات المعتبرة على مجرّد ثبوتها وقد شكّ في بقائها على تقدير ثبوتها من الإشكال (٢) بأنّه لا يقين بالحكم الواقعيّ ، ولا يكون هناك حكم آخر فعليّ بناء على ما هو التحقيق (٣) من أنّ قضيّة حجّيّة الأمارة ليست إلّا تنجّز التكاليف مع الإصابة والعذر مع المخالفة ـ كما هو قضيّة الحجّة المعتبرة عقلا ، كالقطع والظنّ في حال الانسداد على الحكومة ـ ، لا إنشاء أحكام فعليّة شرعيّة ظاهريّة ، كما هو ظاهر الأصحاب.

ووجه الذبّ بذلك : أنّ الحكم الواقعيّ الّذي هو مؤدّى الطريق حينئذ (٤)

__________________

ـ في بقائه كانت هذه الأمارة حجّة على الحدوث والبقاء معا ، فإنّ الدليل على أحد المتلازمين دليل على الملازم الآخر. فلا يعتبر اليقين الفعليّ بالحدوث ، بل يكفي الثبوت التقديريّ والشكّ فيه على تقدير الثبوت.

وأشار المصنّف إلى الجواب تارة بقوله : «ومن أنّ اعتبار اليقين ... وهذا هو الأظهر» ، واخرى بقوله : «ووجه الذبّ بذلك ...».

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وبه يمكن أن يذبّ ما في ...» ، فإنّ معنى ذبّ الشيء هو دفعه وطرده ، ومعنى الذبّ عن الشيء هو الدفع عنه وتثبيته.

(٢) بيان للموصول في قوله : «عمّا في ...».

(٣) وأمّا بناء على ما هو المشهور من كون مؤدّيات الأمارات أحكاما ظاهريّة شرعيّة ـ كما اشتهر أنّ ظنيّة الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم ـ فالاستصحاب جار ، لأنّ الحكم الّذي أدّت إليه الأمارة محتمل البقاء ، لإمكان إصابتها الواقع وكان ممّا يبقى ، والقطع بعدم فعليّته حينئذ مع احتمال بقائه لكونها بسبب دلالة الأمارة والمفروض عدم دلالتها إلّا على ثبوته لا على بقائه غير ضائر بفعليّته الناشئة باستصحابه ، فلا تغفل ، منه [أعلى الله مقام].

(٤) أي : حين كفاية الشكّ في البقاء على تقدير الثبوت.

محكوم بالبقاء ، فتكون الحجّة على ثبوته حجّة على بقائه تعبّدا ، للملازمة بينه (١) وبين ثبوته واقعا.

إن قلت : كيف! وقد اخذ اليقين بالشيء في التعبّد ببقائه في الأخبار ، ولا يقين في فرض تقدير الثبوت.

قلت : نعم ، ولكنّ الظاهر أنّه اخذ كشفا عنه ومرآة لثبوته ، ليكون التعبّد في بقائه ، والتعبّد مع فرض ثبوته إنّما يكون في بقائه ، فافهم (٢).

__________________

(١) أي : بين البقاء.

(٢) ولا يخفى : أنّ الأعلام من المحقّقين المتأخّرين ـ بعد ما أوردوا على ما أفاد المصنّف قدس‌سره جوابا عن الإشكال بإيرادات يرجع بعضها إلى المبنى وبعض آخر إلى البناء ـ ذكر كلّ على مبناه وجوها أخر في التفصيّ عن الإشكال. ونكتفي بالتعرّض لما أفادوا تفصّيا عن الإشكال ، وتركنا الإيرادات خوفا من التطويل.

أمّا المحقّق النائينيّ : فتفصّى عن الإشكال بما حاصله : أنّ المراد من اليقين المعتبر في الاستصحاب ليس هو اليقين الوجدانيّ ، بل كلّ ما يكون محرزا للمستصحب بأحد وجوه الإحراز من اليقين الوجدانيّ أو ما هو بمنزلته كالطرق والاصول المحرزة ، بناء على قيامهما مقام القطع الطريقيّ. فلو قام طريق أو أمارة على ثبوت حكم أو موضوع ذي حكم ثمّ شكّ في بقاء الحكم أو الموضوع الّذي أدّت إليه الأمارة والطريق فلا مانع من استصحاب بقاء مؤدّى الأمارة والطريق ، لأنّ المستصحب قد احرز بقيام الأمارة عليه. فوائد الاصول ٤ : ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

وتفصّي المحقّق العراقيّ بأنّ مفاد أدلّة الطرق والأمارات ناظر إلى تتميم الكشف وإثبات الإحراز التعبّديّ للواقع ؛ وحينئذ فأدلّة الطرق والأمارات بعناية تكفّلها لإثبات العلم والإحراز يوسّع دائرة اليقين المنقوض والناقض في الاستصحاب بما يعمّ الوجدانيّ والتعبّديّ. وبذلك يكون المستصحب عند قيام الأمارة أو الطريق عليه محرزا باليقين التعبّديّ ، ومع الشكّ في بقائه في الزمان المتأخّر يجري فيه الاستصحاب ، لتماميّة أركانه من إحراز السابق والشكّ اللاحق. فلا يحتاج إلى جعل اليقين في أخبار الاستصحاب كناية عن مطلق الإحراز ـ كما صنعه المحقّق النائينيّ ـ ، كي يلزم تقدّم الأمارة عليه بمناط الورود لا الحكومة. نهاية الأفكار ٤ : ١٠٥ ـ ١٠٩.

وتفصّي السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد ما بنى على كون اليقين معتبرا في موضوع الاستصحاب ـ بما حاصله : أنّ العرف لأجل مناسبة الحكم والموضوع يلغي خصوصيّة ـ