درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۵: استصحاب ۲۶

 

المترتّبة على الخاصّين فيما علم تكليف في البين (١).

وتوهّم «كون الشكّ في بقاء الكلّيّ الّذي في ضمن ذاك المردّد مسبّبا عن الشكّ في حدوث الخاصّ المشكوك حدوثه المحكوم بعدم الحدوث بأصالة عدمه» (٢) فاسد قطعا ، لعدم كون بقائه وارتفاعه من لوازم حدوثه وعدم حدوثه ، بل من لوازم كون الحادث المتيقّن ذاك المتيقّن الارتفاع أو البقاء (٣).

مع أنّ بقاء القدر المشترك إنّما هو بعين بقاء الخاصّ الّذي في ضمنه (٤) ، لا أنّه

__________________

(١) وبعبارة اخرى : إنّ العلم الإجماليّ بثبوت الحكم لكلّ واحد من الخاصّين يوجب الاحتياط بترتيب الآثار الخاصّة لكلّ واحد من الخاصّين ، ففي مثال السائل المردّد بين البول والمني يجب رعاية التكاليف المعلومة إجمالا المترتّبة على الخاصّين ، كغسل الملاقي به مرّتين وعدم اللبث في المساجد وعدم قراءة العزائم.

(٢) هذا التوهّم تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ١٩٣.

وحاصل التوهّم : أنّه لا مجال لاستصحاب الكلّيّ في القسم الثاني ، لأنّه محكوم بأصل حاكم عليه ، فإنّ الشكّ في بقاء الكلّي مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ، فالشكّ في بقاء الحدث مسبّب عن الشكّ في حدوث الجنابة ، فتجري أصالة عدم حدوث الفرد الطويل ـ أي الجنابة ـ ، وهذا الأصل حاكم على أصالة بقاء الكلّيّ ، لحكومة الأصل السببيّ على الأصل المسببيّ.

(٣) وبعبارة اخرى : إنّ الشكّ في بقاء الكلّي وارتفاعه ليس مسبّبا عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدم حدوثه ، بل مسبّب عن الشكّ في خصوصيّة الفرد الحادث وأنّه هل الفرد القصير ليكون مرتفعا قطعا أو الفرد الطويل ليكون باقيا كذلك؟ وبما أنّه لا أصل يعيّن كيفيّة الحادث ـ لعدم حالة سابقة ـ فلا مانع من جريان استصحاب الكلّيّ.

وهذا الجواب ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ١٩٣.

وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ هذا الجواب مبنيّ على عدم جريان الأصل في العدم الأزليّ. وأمّا إذا قلنا بجريانه ـ كما هو الصحيح ـ فلا مانع من جريان أصل عدم كون الحادث طويلا. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٢٦.

(٤) لأنّ وجود الكلّي عين وجود أفراده ، فبقاء الكلّي عين بقاء الفرد الطويل ، لا من لوازمه ، فلا تكون سببيّة ومسبّبيّة.

ولكن أورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ أصالة عدم حدوث الفرد الطويل لو كانت ـ

من لوازمه.

على أنّه لو سلّم أنّه من لوازم حدوث المشكوك (١) ، فلا شبهة في كون اللزوم عقليّا ، ولا يكاد (٢) يترتّب بأصالة عدم الحدوث إلّا ما هو من لوازمه وأحكامه شرعا (٣).

__________________

ـ مانعة عن استصحاب الكلّي بناء على السببيّة فهي مانعة عنه بطريق أولى على القول بالعينيّة. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٢٧.

(١) أي : لو سلّم أنّ بقاء القدر المشترك ـ أي الكلّي ـ يكون من لوازم حدوث الفرد الطويل الّذي حدوثه مشكوك.

(٢) وفي بعض النسخ : «فلا يكاد». والأولى ما أثبتناه.

(٣) هذا هو الوجه الثالث في الجواب عن التوهّم. وتوضيحه : أنّه لو سلّم أنّ الشك في بقاء الكلّي مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ، إلّا أنّ الميزان في حكومة الأصل السببيّ على الأصل المسبّبيّ أن يكون ثبوت المشكوك الثاني من اللوازم الشرعيّة للأصل السببيّ ـ كما في استصحاب الطهارة بالنسبة إلى قاعدة الطهارة ، فإنّ استصحاب الطهارة يرفع الشكّ في الطهارة ويثبتها شرعا ، فيكون حاكما عليها ـ أو يكون انتفاء المشكوك من الآثار الشرعيّة للأصل السببيّ ـ كما في تطهير ثوب متنجّس بماء مستصحب الطهارة ، فإنّ طهارة الثوب المغسول به من الآثار الشرعيّة لاستصحاب طهارة الماء ، فلا يبقى معه شكّ في نجاسة الثوب ليجري فيها الاستصحاب ـ ؛ وليس المقام من قبيل الأوّل ، ولا من قبيل الثاني ، بل عدم بقاء الكلّيّ إنّما يكون من اللوازم العقليّة لعدم حدوث الفرد الطويل ، فلا حكومة له على استصحاب الكلّيّ.

وقد زاد المحقّق النائينيّ وجها رابعا في الجواب عن التوهّم. وحاصله : أنّ الأصل السببيّ لا يكون حاكما على الأصل المسببيّ إلّا إذا لم يعارض بمثله ، وفي المقام يعارض بمثله ، فإنّ أصل عدم حدوث الفرد الطويل يعارض أصل عدم حدوث الفرد القصير ، كما أنّ أصل عدم كون الحادث طويلا يعارض أصل عدم كونه قصيرا ، وإذا تعارضا تساقطا ، وبعد سقوط الأصل السببيّ تصل النوبة إلى الأصل المسبّبيّ ، وهو استصحاب بقاء الكلّيّ. فوائد الاصول ٤ : ٤١٨.

ولكن أورد عليه تلميذه المحقّق الخوئيّ بأنّ دوران الأمر بين الطويل والقصير يتصوّر على وجهين :

أحدهما : أن يكون لكلّ واحد منهما أثر مختصّ به ، ويكون لهما أثر مشترك أيضا ، فحينئذ وإن كان ما ذكر من تعارض الأصلين صحيحا ، إلّا أنّه لا فائدة في جريان الاستصحاب في الكلّيّ ، لتنجّز الآثار الشرعيّة بواسطة العلم الإجماليّ ، فيجب رعاية الاحتياط وترتيب آثار الكلّيّ.

ثانيهما : أن يكون لهما أثر مشترك ، ويكون للفرد الطويل فقط أثر مختصّ به. فحينئذ ـ

وأمّا إذا كان الشكّ في بقائه من جهة الشكّ في قيام خاصّ آخر في مقام ذاك الخاصّ الّذي كان في ضمنه بعد القطع بارتفاعه (١) ، ففي استصحابه إشكال ، أظهره عدم جريانه ، فإنّ وجود الطبيعيّ وإن كان بوجود فرده إلّا أنّ وجوده في ضمن المتعدّد من أفراده ليس من نحو وجود واحد له ، بل متعدّد حسب تعدّدها ، فلو قطع بارتفاعه ما علم وجوده منها لقطع بارتفاع وجوده ، وإن شكّ في وجود فرد آخر مقارن لوجود ذاك الفرد أو لارتفاعه بنفسه أو بملاكه ، كما إذا شكّ في الاستحباب بعد القطع بارتفاع الإيجاب بملاك مقارن أو حادث.

__________________

ـ يكون أصالة عدم حدوث الفرد الطويل ـ وهو الأصل السببيّ ـ بلا معارض ، فيكون حاكما على استصحاب الكلّيّ ، لعدم جريان الأصل في الفرد الصغير ، حيث لا يترتّب أثر عليه. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٢٧ ـ ١٢٨.

(١) وبتعبير أوضح : وأمّا إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي مستندا إلى أنّه علم بوجود الكلّيّ في ضمن فرد معيّن ، ثمّ علم بزوال ذلك الفرد وشكّ في وجود فرد آخر غير الفرد المعلوم حدوثه وزواله ، فهو على نحوين :

أحدهما : أن يحتمل حدوث الفرد الآخر في ظرف وجود الفرد الأوّل ، كما إذا علم بوجود الإنسان في الدار للعلم بوجود زيد فيها ، ثمّ علم بخروج زيد من الدار واحتمل دخول عمرو فيها قبل خروج زيد منها.

ثانيهما : أن يحتمل حدوث الفرد الآخر مقارنا لارتفاع الفرد الأوّل.

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى التفصيل بين النحوين ، فقال بجريان الاستصحاب في الأوّل دون الثاني. فرائد الاصول ٣ : ١٩٥ ـ ١٩٦.

واختار المصنّف قدس‌سره عدم جريانه في القسم الثالث مطلقا. وتبعه الأعلام الثلاثة ، واستثنوا ما إذا كان الفرد المشكوك حدوثه من مراتب الفرد المعلوم الزوال ، كما إذا علم بثبوت كلّيّ السواد في ثوب ، لاتّصافه بمرتبة شديدة منه ، ثمّ علم بزوال تلك المرتبة الشديدة وشكّ في تبدّلها إلى مرتبة ضعيفة منه أو زوالها بالمرّة وحدوث لون آخر. راجع نهاية الدراية ٣ : ١٧٧ ـ ١٧٨ ، فوائد الاصول ٤ : ٤٢٤ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٣٤.

وتبعهم السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ ، وخالفهم في استثناء المورد المذكور ، فأفادا أنّ هذا المورد ليس من موارد استصحاب القسم الثالث ، بل يكون من موارد استصحاب القسم الأوّل ، فاستثناؤه من الاستثناء المنقطع. الرسائل ١ : ١٣٢ ـ ١٣٣ ، مصباح الاصول ٣ : ١١٤ ـ ١١٦.

لا يقال : الأمر وإن كان كما ذكر ، إلّا أنّه حيث كان التفاوت بين الإيجاب والاستحباب ـ وهكذا بين الكراهة والحرمة ـ ليس إلّا بشدّة الطلب بينهما وضعفه ، كان تبدّل أحدهما بالآخر مع عدم تخلّل العدم غير موجب لتعدّد وجود الطبيعيّ بينهما ، لمساوقة الاتّصال مع الوحدة ، فالشكّ في التبدّل حقيقة شكّ في بقاء الطلب وارتفاعه ، لا في حدوث وجود آخر.

فإنّه يقال : الأمر وإن كان كذلك ، إلّا أنّ العرف حيث يرى الإيجاب والاستحباب المتبادلين فردين متباينين ، لا واحدا (١) مختلف الوصف في زمانين ، لم يكن مجال للاستصحاب ، لما مرّت الإشارة إليه ويأتي (٢) من أنّ قضيّة إطلاق أخبار الباب أنّ العبرة فيه بما يكون رفع اليد عنه مع الشكّ بنظر العرف نقضا وإن لم يكن بنقض بحسب الدقّة ، ولذا لو انعكس الأمر ولم يكن نقض عرفا لم يكن الاستصحاب جاريا وإن كان هناك نقض عقلا (٣).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لا واحد». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) مرّت الإشارة إليه في ابتداء مبحث الاستصحاب ، حيث قال : «وكيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين». ويأتي ذيل قوله : «تتمّة».

(٣) لا يخفى عليك : أنّ المحقّق الأصفهانيّ أورد على ما أفاده المصنّف قدس‌سره بأنّ التغاير بين الوجوب والاستحباب ليس بالشدّة والضعف ، فإنّهما من الامور الاعتباريّة الّتي توجد بإنشاء مفاهيمهما ، والاعتبار لا يقبل الشدّة والضعف. نهاية الدراية ٣ : ١٨٠ ـ ١٨١.

القسم الرابع من استصحاب الكلّي :

وجدير بالذكر أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ زاد قسما رابعا ، وحكم بجريان الاستصحاب فيه ، فقال : «القسم الرابع : ما إذا علمنا بوجود فرد معيّن ، وعلمنا بارتفاع هذا الفرد ، ولكن علمنا بوجود فرد معنون بعنوان يحتمل انطباقه على الفرد الّذي علمنا ارتفاعه ويحتمل انطباقه على فرد آخر أيضا ، فلو كان العنوان المذكور منطبقا على الفرد المرتفع فقد ارتفع الكلّيّ ، وإن كان منطبقا على غيره فالكلّي باق.

مثاله : ما إذا علمنا بوجود زيد في الدار ، وعلمنا بوجود متكلّم فيها ، ثمّ علمنا بخروج زيد منها ، ولكن احتملنا بقاء الإنسان فيها لاحتمال أن يكون عنوان المتكلّم منطبقا على فرد آخر.

ومثاله في الأحكام الشرعيّة : ما إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس ـ مثلا ـ ، واغتسلنا ـ

وممّا ذكرنا في المقام يظهر أيضا حال الاستصحاب في متعلّقات الأحكام في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة (١) ، فلا تغفل.

__________________

ـ منها ، ثمّ رأينا المني ، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة الّتي اغتسلنا منها وأن يكون من غيرها». مصباح الاصول ٣ : ١٠٣ ـ ١٠٤ و ١١٨ ـ ١١٩.

ولا يخفى : أنّ الفرق بين هذا القسم والقسم الأوّل واضح.

والفرق بينه وبين القسم الثاني أنّه ليس هناك شكّ في بقاء ما حدث ، لأنّ أحد الفردين المحتملين مشكوك الحدوث من الابتداء وأحدهما الآخر مقطوع الارتفاع ؛ بخلاف هذا القسم ، حيث أنّ ما علمنا بحدوثه محتمل البقاء ، ولا علم بارتفاعه.

والفرق بينه وبين القسم الثالث أنّ هناك يعلم بزوال ما حدث قطعا ، ويشكّ في قيام فرد آخر مقامه ؛ وأمّا في هذا القسم فلا علم له بارتفاع ما حدث ، بل يحتمل بقاء ما علم بتحقّقه كما يحتمل ارتفاعه.

ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى استصحاب بقاء الطبيعيّ المحتمل انطباقه على الفردين ، فحكم بوجوب غسل الجنابة على من علم أنّ هذا المني منه وشكّ في أنّه من جنابة سابقة اغتسل منها أو جنابة اخرى لم يغتسل لها. راجع مصباح الاصول ٣ : ١٠٣ ـ ١٠٤ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (كتاب الطهارة) ٦ : ٢٧٠ ـ ٢٧١.

وظاهر أكثر الفقهاء عدم جريان الاستصحاب في المقام ، حيث حكموا بعدم وجوب الغسل عليه. راجع جواهر الكلام ٣ : ١٨ ـ ١٩ ، العروة الوثقى ١ : ٥٠١ ، مستمسك العروة ٣ :٢٥ ، تحرير الوسيلة ١ : ٣٧.

وذهب المحقّق الهمدانيّ إلى التفصيل بين ما إذا علم بوجود فردين وشكّ في تعاقبهما وعدمه ، وبين ما إذا لم يعلم به ، بل علم بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فردين أو على فرد واحد ، فيجري الاستصحاب في الأوّل دون الثاني. مصباح الفقيه ١ : ٢٢٣.

(١) توضيحه : أنّ الشكّ في بقاء متعلّقات الأحكام على نحوين :

الأوّل : أن يشكّ في بقاء متعلّق الحكم ويكون منشأ الشكّ شبهة حكميّة ، كما إذا كان زيد مسافرا ، وبعد المراجعة يشكّ في بقاء سفره عند مشاهدة الجدران ، لأجل أنّه لم يعلم أنّ الشارع حكم بانتهاء السفر بمجرّد مشاهدة الجدران أو حكم ببقائه إلى سماع الأذان ، فيشكّ في متعلّق القصر ـ وهو السفر ـ وأنّه هل يكون القصير الّذي ينتهي بمشاهدة الجدران أو هو الطويل الّذي يبقى إلى سماع الأذان ، فيكون من القسم الثالث من استصحاب الكلّيّ ، فلا يجري فيه الاستصحاب.

الثاني : أن يشكّ في بقاء متعلّق الحكم ويكون منشأ الشكّ شبهة موضوعيّة ، كما إذا علم ـ