درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۷: استصحاب ۲۸

 

وكذا كلّما إذا كان الشكّ في الأمر التدريجيّ من جهة الشكّ في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهى أو أنّه بعد في البين (١).

وأمّا إذا كان من جهة الشكّ في كميّته ومقداره ـ كما في نبع الماء وجريانه وخروج الدم وسيلانه فيما كان سبب الشكّ في الجريان والسيلان الشكّ في أنّه بقي في المنبع والرحم فعلا شيء من الماء والدم غير ما سال وجرى منهما (٢) ـ فربما يشكل في استصحابهما حينئذ ، فإنّ الشكّ ليس في بقاء جريان شخص ما كان جاريا ، بل في حدوث جريان جزء آخر شكّ في جريانه من جهة الشكّ في

__________________

ـ وترتّب عليه وجوب الوفاء بالنذر.

(١) كما إذا علمنا أنّ العين الكذائيّة تستعدّ أن يجري ماؤها إلى ثلاثين أيّام ، ولكن نشكّ بعد مضيّ خمسة أيّام في انقطاع جريانه لمانع ، فنستصحب جريانه.

(٢) لا يخفى : أنّ الشكّ في بقاء الماء في المنبع أو الدم في الرحم تارة يكون مستندا إلى الشكّ في أصل ما يقتضيه الماء والدم الموجودان فيهما من أوّل الأمر ، فيشكّ في أنّه بقي من الموجود فيهما شيء غير ما سال منهما إلى الآن أو لم يبق؟ واخرى يكون مستندا إلى احتمال حدوث مقدار آخر زائد على المقدار المعلوم أوّلا الّذي نعلم بانتفائه ، بأن نحتمل تكوّن مقدار زائد من الماء في المنبع بسبب المطر ، أو نحتمل عرض أمر في باطن الحكم يقتضي سيلان الدم بعد القطع بارتفاع ما كان في الرحم أوّلا ، فيجري الاستصحاب في كلتا الصورتين.

ولكن المحقّق النائينيّ منع عن جريان الاستصحاب في الصورة الأخيرة ، بدعوى أنّها ترجع إلى الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي ، لأنّ الوحدة في الامور التدريجيّة انّما تكون بوحدة الداعي ، فيتعدّد الأمر التدريجيّ ـ كسيلان الماء وجريانه ـ بتعدّد الداعي ، وحيث أنّ الداعي الأوّل ـ في المقام ـ انتفى يقينا وتكون الحركة الحادثة بداع آخر ـ على تقدير وجوده ـ فتصير الحركة متعدّدة ولا يصحّ جريان الاستصحاب حينئذ ، لاختلاف القضيّة المتيقّنة والمشكوكة. فوائد الاصول ٤ : ٤٤١.

وأورد عليه المحقّق العراقيّ بأنّه لو سلّم ما أفاد في مثل المتكلّم فلا مجال لتسليمه في مثل جريان الماء والدم إلّا بتغيّر خصوصيّتهما المتقوّمة عرفا ، وإلّا فمثل اختلاف المبدأ في هذه الامور كمثل اختلاف عمود الخيمة بالنسبة إلى بقاء هيئة الخيمة بحالها ، كما لو شكّ في بقاء هيئة الخيمة من جهة احتمال تكوّن عمود آخر مقام العمود السابق المنتفي قطعا ، فإنّه لا قصور في استصحاب بقاء هيئة الخيمة بحالها. راجع هامش فوائد الاصول ٤ : ٤٤١ ـ ٤٤٢.

حدوثه. ولكنّه ينحلّ (١) بأنّه لا يختلّ به ما هو الملاك في الاستصحاب (٢) بحسب تعريفه ودليله حسبما عرفت.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ استصحاب بقاء الأمر التدريجيّ إمّا يكون من قبيل استصحاب الشخص أو من قبيل استصحاب الكلّيّ بأقسامه ؛ فإذا شكّ في أنّ السورة المعلومة الّتي شرع فيها تمّت أو بقي شيء منها صحّ فيه (٣) استصحاب الشخص والكلّيّ ؛ وإذا شكّ فيه (٤) من جهة تردّدها بين القصيرة والطويلة كان من القسم الثاني ؛ وإذا شكّ في أنّه شرع في اخرى مع القطع بأنّه قد تمّت الاولى كان من القسم الثالث كما لا يخفى.

هذا في الزمان ونحوه من سائر التدريجيّات.

[استصحاب الفعل المقيّد بالزمان]

وأمّا الفعل المقيّد بالزمان : فتارة يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده (٥) ؛ وطورا مع القطع بانقطاعه وانتفائه من جهة اخرى (٦) ، كما إذا احتمل أن يكون التقييد به (٧) إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله (٨).

فإن كان من جهة الشكّ في بقاء القيد ، فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان ،

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «يتخيّل». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) وهو صدق البقاء والنقض عرفا.

(٣) أي : في هذا الشكّ المتعلّق ببقاء السورة.

(٤) أي : في أنّ السورة تمّت أو بقي شيء منها.

(٥) وهو الزمان الخاص.

(٦) غير جهة الشكّ في بقاء القيد ، وهو الزمان.

(٧) وفي بعض النسخ : «التعبّد به». والصحيح ما أثبتناه.

(٨) وبتعبير آخر : وتارة اخرى يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في كيفيّة التقييد بالزمان ، فيشكّ في أنّه هل يكون تقييد الحكم بالزمان الخاصّ بنحو وحدة المطلوب كي ينتفي الحكم رأسا بانتفاء ذاك الزمان ، أو يكون بنحو تعدّد المطلوب كي ينتفى المطلوب الأقصى التامّ بانتفاء الزمان لا أصل المطلوب؟

كالنهار الّذي قيّد به الصوم ـ مثلا ـ ، فيترتّب عليه وجوب الإمساك وعدم جواز الإفطار ما لم يقطع بزواله ، كما لا بأس باستصحاب نفس المقيّد ، فيقال : إنّ الإمساك كان قبل هذا الآن في النهار ، والآن كما كان ، فيجب ، فتأمّل (١).

__________________

(١) لا يخفى : أنّه قد يستشكل في استصحاب الفعل المقيّد بالزمان إذا كان الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء زمانه ، كما إذا شكّ في وجوب الإمساك المقيّد بوقوعه في النهار من جهة الشكّ في بقاء النهار. ومنشأ الإشكال أنّ استصحاب النهار لا يتكفّل أكثر من إثبات وجود النهار ، ولا يثبت به وقوع الإمساك في النهار إلّا على القول بالأصل المثبت ، لأنّ وقوع الإمساك في النهار لازم عقليّ لبقاء النهار.

وقد تصدّى الأعلام لدفع الإشكال بوجوه :

الوجه الأوّل : ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ من جريان الاستصحاب في الحكم ، بأن نقول : إنّ وجوب الإمساك الواقع في النهار كان ثابتا قبل هذا ، فالآن كما كان ، فيثبت به كون الإمساك في النهار ، فيجب الإمساك. فرائد الاصول ٣ : ٢٠٥.

وأورد عليه المحقّق النائينيّ في دورة من دورات بحثه ـ فوائد الاصول ٤ : ٤٣٨ ـ بأنّ استصحاب الحكم لا يجدي في إحراز كون الإمساك في النهار.

ولكن في دورة اخرى منها ـ أجود التقريرات ٣ : ٤٠١ ـ وجّه ما أفاد الشيخ الأعظم بما حاصله : أنّ استصحاب الزمان لا يتكفّل إثبات وقوع الإمساك في النهار إلّا على الأصل المثبت ، فإنّ وقوع الإمساك في النهار من آثار بقاء الزمان عقلا ، لا شرعا. بخلاف استصحاب الحكم ـ أي وجوب الإمساك الواقع في النهار ـ ، فإنّ معنى استصحاب الحكم هو التعبّد ببقاء الوجوب فعلا ، وهو يرجع إلى التعبّد به بجميع خصوصيّاته الّتي كان عليها ، والمفروض أنّ الوجوب السابق كان متعلّقا بما إذا أتى به كان واقعا في النهار ، فيستصحب ذلك الوجوب على النحو الّذي كان سابقا ، وبه يثبت وجوب الإمساك الواقع في النهار.

الوجه الثاني : ما أفاده المصنّف قدس‌سره في المقام من استصحاب نفس فعل المكلّف المقيّد بالزمان ، بأن يقال ـ بعد الشكّ في بقاء النهار ـ : إنّ الإمساك قبل هذا الشكّ كان واقعا في النهار ، والآن كما كان ، فيجب.

ولا يخفى : أنّ هذا الوجه وإن كان جاريا في مثل الإمساك ، إلّا أنّه غير جار في بعض موارد آخر ، كالشكّ في وجوب صلاة الظهرين من جهة الشكّ في بقاء النهار ، ضرورة أنّ الصلاة لم تكن موجودة قبل الشكّ كي يقال : «إنّها قبل الشكّ كانت واقعة في النهار ، والآن كما كانت». ولعلّه قال المصنّف قدس‌سره «فتأمّل».

الوجه الثالث : ما أفاده المحقّق العراقيّ ، وهو يرجع إلى وجهين : ـ

وإن كان من الجهة الاخرى (١) ، فلا مجال إلّا لاستصحاب الحكم في خصوص ما لم يؤخذ الزمان فيه إلّا ظرفا لثبوته ، لا قيدا مقوّما لموضوعه ، وإلّا فلا مجال إلّا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان ، فإنّه غير ما علم ثبوته له ، فيكون الشكّ في ثبوته له أيضا شكّا في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه لا في بقائه (٢).

__________________

ـ أحدهما : أنّ الزمان لم يؤخذ في المتعلّق قيدا للفعل ، بل اخذ فيه بنحو المعيّة في الوجود ، وحينئذ فيمكن إثبات أحد الجزءين المتقارنين ـ وهو الزمان الخاصّ ـ بالاستصحاب ، وإثبات الجزء الآخر ـ وهو الفعل ـ بالوجدان.

ثانيهما : لو سلّم أنّ الزمان اخذ في المتعلّق قيدا للفعل فيمكن تصحيح الاستصحاب باستصحاب نهاريّة الموجود ، فإنّ وصف النهاريّة من الأوصاف التدريجيّة ، كذات الموصوف ، فيكون حادثا بحدوث الآنات وباقيا ببقائها ، فإذا اتّصف بعض هذه الآنات بالنهاريّة وشكّ في اتّصاف الزمان الحاضر بها يجري استصحاب بقاء النهاريّة الثابتة للزمان السابق ، لفرض وحدة الموصوف عرفا ، فيترتّب عليه الامتثال والخروج عن العهدة. نهاية الأفكار ٤ : ١٤٩ ـ ١٥٠.

وتبعه السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ ، فدفعه الإمام الخمينيّ بالوجه الثاني والسيّد الخوئيّ بالوجه الأوّل. راجع الرسائل ١ : ١٥٣ ـ ١٥٤ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٤٩ ـ ١٥٠.

الوجه الرابع : ما أفاده المحقّق الأكبر الشيخ الأصفهانيّ. وحاصله : أنّه إذا كان متعلّق الحكم هو الإمساك في النهار لا الإمساك النهاريّ كان جريان الاستصحاب في النهار مجديا ، ولو لم يحرز أنّ هذا الآن نهار ، لأنّ ثبوت القيد تعبّديّ ، والتقيّد وجدانيّ ، فيثبت أنّ هذا إمساك وجدانيّ في النهار التعبّديّ. نهاية الدراية ٣ : ١٨٦.

(١) أي : كان الشكّ من غير جهة الشكّ في بقاء القيد. مرّ توضيحه في التعليقة (٨) من الصفحة : ٢٢٦.

(٢) والحاصل : أنّ الزمان إذا اخذ ظرفا لثبوت الحكم كان الاستصحاب جاريا ، وإن كان قيدا مقوّما لمتعلّقه فلا يجري الاستصحاب ، بل يجري استصحاب عدم الحكم. وهذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ ووافقه المصنّف قدس‌سره في المقام ، فراجع فرائد الاصول ٣ : ٢١٠ ـ ٢١١.

والمحقّق النائينيّ ـ بعد ما تعرّض لما أفاد الشيخ وناقش فيه ـ ذهب إلى عدم جريان كلا الاستصحابين ، استصحاب وجود الحكم واستصحاب عدمه ، فلا بدّ من الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال. راجع فوائد الاصول ٣ : ٤٤١ ـ ٤٤٨.

ولكن المحقّق العراقيّ والسيّد الخوئي أوردا على ما أفاده بما لا يهمّ التعرّض له ، فراجع هامش فوائد الاصول ٤ : ٤٤٨ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٥٩ ـ ١٦٠.