درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۹: استصحاب ۳۰

 

في زمان آخر ولو بالنظر المسامحيّ العرفيّ.

نعم ، لا يبعد أن يكون بحسبه أيضا متّحدا فيما إذا كان الشكّ في بقاء حكمه من جهة الشكّ في أنّه بنحو التعدّد المطلوبيّ وأنّ حكمه بتلك المرتبة الّتي كان (١) مع ذاك الوقت وإن لم يكن باقيا بعدها (٢) قطعا إلّا أنّه يحتمل بقاؤه بما دون تلك المرتبة من مراتبه ، فيستصحب (٣) ، فتأمّل جيّدا.

إزاحة وهم

لا يخفى : أنّ الطهارة الحدثيّة والخبثيّة وما يقابلها (٤) تكون ممّا إذا وجدت بأسبابها لا يكاد يشكّ في بقائها إلّا من قبل الشكّ في الرافع لها ، لا من قبل الشكّ في مقدار تأثير أسبابها ، ضرورة أنّها إذا وجدت بها كانت تبقى ما لم يحدث رافع

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصواب أن يقول : «كانت».

(٢) وفي بعض النسخ : «بعده». والأولى ما أثبتناه. ومعنى العبارة : «إنّ حكم الفعل في تلك المرتبة الّتي كانت ثابتة له مع ذاك الوقت وإن لم يكن ذاك الحكم باقيا بعد تلك المرتبة قطعا ...».

وبناء على ما في بعض النسخ يرجع الضمير إلى ذاك الوقت ، ويكون معنى العبارة : «وإن لم يكن ذاك الحكم باقيا للفعل بتلك المرتبة بعد ذاك الوقت قطعا ...».

(٣) والحاصل : أنّه إذا كان الشكّ في ثبوت الحكم للفعل المقيّد بالزمان من جهة اخرى غير جهة الشكّ في بقاء الزمان فلا يخلو : إمّا أن يكون تقيّده بالزمان بحيث يحكم العقل والعرف بأنّ الفعل الواقع في ذاك الزمان الخاصّ غير ذلك الفعل إذا وقع في زمان آخر ، كما إذا اخذ الزمان قيدا للفعل بنحو وحدة المطلوب ، فحينئذ لا مجال للاستصحاب ، لأنّه يرجع إلى مغايرة المتيقّن والمشكوك. وإمّا أن يكون تقيّده بالزمان بحيث يحكم العقل والعرف أو خصوص العرف بأنّ الفعل الواقع في ذاك الزمان الخاصّ متّحد معه إذا وقع فيما بعد ذاك الوقت ، كما إذا اخذ الزمان بنحو الظرفيّة ، بحيث يكون للزمان دخل في ثبوت الحكم للفعل ، أو اخذ قيدا له بنحو تعدّد المطلوب ، بأن يكون الفعل مطلوبا وتقيّده بذلك الزمان الخاصّ مطلوبا آخر ، بحيث لا تنثلم وحدة الفعل بانقضاء ذلك الوقت ، فإنّ المكلّف حينئذ وإن علم بعدم بقاء الحكم للفعل بالمرتبة الّتي ثبتت له مع ذاك الوقت إلّا أنّه يحتمل بقاؤه له بمرتبة دون تلك المرتبة ، فيرجع شكّه إلى بقاء مطلوبيّته الّتي ثبتت له في ذلك الوقت ، فيستصحب.

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وما يقابلهما».

لها ، كانت من الامور الخارجيّة أو الامور الاعتباريّة الّتي كانت لها آثار شرعيّة ، فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سببا للطهارة بعد المذي ، أو أصالة عدم جعل الملاقاة سببا للنجاسة بعد الغسل مرّة ـ كما حكي عن بعض الأفاضل (١) ـ ، ولا يكون هاهنا أصل إلّا أصالة الطهارة أو النجاسة.

[التنبيه] الخامس : [الاستصحاب التعليقيّ] (٢)

انّه كما لا إشكال فيما إذا كان المتيقّن حكما فعليّا

__________________

(١) وهو الفاضل النراقيّ في مناهج الاصول والأحكام : ٢٣٩.

(٢) لا يخفى : أنّ توضيح ما أفاد المصنّف قدس‌سره في المقام يتوقّف على بيان محلّ النزاع ، فنقول : إنّ الشكّ في بقاء الحكم الشرعيّ يتصوّر على وجوه :

الأوّل : أن يكون المشكوك حكما جزئيّا ، ويكون الشكّ في بقائه ناشئا من احتمال عرض تغيّر في حالات موضوعه الخارجيّ ، كما إذا علمنا بطهارة ثوب وشككنا في بقاء طهارته من جهة احتمال ملاقاته البول مثلا. وهذا الوجه ممّا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

الثاني : أن يكون المشكوك حكما كلّيّا ، ويكون الشكّ في بقائه ناشئا من احتمال النسخ ، كما إذا شككنا في بقاء حرمة الخمر لاحتمال النسخ. وهذا الوجه أيضا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

الثالث : أن يكون المشكوك حكما كلّيّا متعلّقا بموضوع على تقدير وجود شرط أو فقد مانع ، ويكون الشكّ في بقائه من جهة عرض تغيّر في بعض حالات الموضوع ، كما إذا ورد : «إنّ الصلاة واجبة على المرأة الخالية من الحيض بشرط دخول الوقت» ، ثمّ شكّ في بقاء وجوب الصلاة عليها من جهة أنّها رأت دما مشتبها بين الحيض والاستحاضة ، أو كما إذا ورد : «إنّ العصير العنبيّ يحرم إذا غلا» ، فيشكّ في بقاء حرمته من جهة صيرورة العنب زبيبا. وهذا الوجه هو محلّ الخلاف بين الأعلام ، ويطلق على استصحابه «الاستصحاب التعليقيّ» و «الاستصحاب التقديريّ» و «الاستصحاب المشروط».

فذهب العلّامة الطباطبائيّ (بحر العلوم) ـ على ما حكي عنه في بحر الفوائد ٣ : ١٢٠ ـ إلى جريانه مطلقا. وتبعه كثير من المحقّقين ، منهم : الشيخ الأعظم الأنصاريّ والمحقّق الآشتيانيّ والمصنّف قدس‌سره والمحقّق العراقيّ والسيّد الإمام الخمينيّ. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، بحر الفوائد ٣ : ١٢٠ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٦٢ ، الرسائل ١ : ١٦٦.

وذهب صاحب الرياض وولده السيّد المجاهد والمحقّق النائينيّ والسيّد الخوئيّ إلى عدم ـ

مطلقا (١) ، لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان مشروطا معلّقا. فلو شكّ في مورد ـ لأجل طروء بعض الحالات عليه (٢) ـ في بقاء أحكامه ، ففيما صحّ استصحاب أحكامه المطلقة صحّ استصحاب أحكامه المعلّقة ، لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتا والشكّ في بقاء.

وتوهّم «أنّه لا وجود للمعلّق قبل وجود ما علّق عليه ، فاختلّ أحد ركنيه» (٣) ، فاسد جدا ، فإنّ المعلّق قبله إنّما لا يكون موجودا فعلا ، لا أنّه لا يكون موجودا

__________________

ـ جريانه مطلقا. راجع المناهل : ٢٥٢ ، فوائد الاصول ٤ : ٤٦٦ ، مصباح الاصول ٣ : ١٣٧ ـ ١٣٨.

ولا يخفى : أنّ المحقّق النائينيّ ذهب إلى عدم جريانه بعد ما فسّر الاستصحاب التعليقيّ بوجه آخر. وحاصله : أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب التعليقيّ ما إذا تعلّق الحكم الكلّيّ بموضوع مركّب من جزءين عند فرض وجود أحد جزئيه ، وشكّ في بقائه من جهة تبدّل بعض حالاته قبل فرض وجود الجزء الآخر.

ثمّ استدلّ على عدم جريان الاستصحاب بأنّ فعليّة الحكم المترتّب على الموضوع المركّب متوقّفة على وجود موضوعه بتمام أجزائه ، لأنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته ، ولا يعقل تحقّق المعلول ـ وهو الحكم ـ إلّا بعد تحقّق علّته بمالها من الأجزاء ، فوجود أحد جزأي الموضوع بمنزلة العدم ، لعدم ترتّب الحكم عليه ، فلم يتحقّق حكم حتّى نشكّ في بقائه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب. فوائد الاصول ٤ : ٤٦٣ ـ ٤٦٧.

ولكنّ التحقيق : أنّ مورد النزاع ليس ما إذا كان الحكم متعلّقا بموضوع مركّب ـ كما زعمه وزعم تلميذه المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٣ : ١٣٧ ـ ، بل الظاهر من كلماتهم أنّ محلّ النزاع هو الاستصحاب التعليقيّ بالمعنى الّذي ذكرناه. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، أوثق الوسائل : ٤٧٢ و ٥٠١ ، بحر الفوائد : ١١٩ ـ ١٢٠ ، درر الفوائد (للمصنّف) : ٣٤٦.

(١) أي : كما لا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المتيقّن الحدوث والمشكوك البقاء حكما فعليّا غير مشروط بشرط غير حاصل.

(٢) مثل طروء حالة الزبيبيّة على العنب ، وطروء حالة رؤية الدم على المرأة.

(٣) هذا ما توهّمه صاحب الرياض على ما نسبه إليه ولده العلّامة في المناهل. قال في المناهل : «إنّه يشترط في حجّيّته ثبوت أمر أو حكم وضعيّ أو تكليفيّ في زمان من الأزمنة قطعا ، ثمّ يحصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب ، ولا يكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات ، فالاستصحاب التقديريّ باطل. وقد صرّح بذلك الوالد العلّامة في أثناء الدرس.

فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم في المسألة». المناهل : ٦٥٢.